مقالات وآراء

سُوء تخطيط وإدارة

العام الماضي انتقد والي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين ما وصفها بالهجرة المُضطردة من الريف إلى الخرطوم، وقال إنّها ساهمت في زيادة نسبة السكان والضغط على الخدمات، والقادمون ?زحموا? محطات المواصلات، وإن الضغط السكاني على الولاية أدى لخلل اقتصادي وتراجع في المساحة المزروعة وزاد من العاملين في المهن (الهامشية)، إن كانت الحكومة من النوع الذي يعتمد على العلم والمعرفة والتخطيط وحُسن الإدارة لما قال السيد عبد الرحيم هذا الكلام، لأن آثار الهجرة السلبية تظهر بسبب سوء التخطيط وسُوء الإدارة والموارد وهو السبب نفسه المؤدي إلى حدوثها، والهجرة يمكن أن تصبح نعمة بحسن الإدارة والتخطيط كما يوضح أهل العلم والمعرفة والخبرة وكما تشهد تجارب الدولة التي تستقبل ملايين المهاجرين.

الأسبوع الماضي أُقيمت بالخرطوم ورشة عمل حول الهجرة من الريف إلى الخرطوم.. البروفيسور ميرغني بن عوف الخبير الاقتصادي، كشف عن دراسة أمريكية أشارت إلى أنّ الموارد الطبيعة في السودان تكفي لـ400 مليون نسمة، أي أنها تكفي لضعف عدد السكان الحاليين 12 مرة تقريباً، يعني يفترض أن يكون الشعب السوداني اليوم قد وصل قمة الرفاهية والترف وأصبح أكثر الشعوب دلالاً في العالم وليس رفاهيةً، ورغم ذلك ما زال في القاع لأنّ حكومة الإنقاذ (شغّالة على كيفها).

البروفيسور بن عوف، قال إنّ الكثافة السكانية ميزة تدفع للتخطيط العمراني السليم وتُمكِّن من تقديم الخدمات الأساسية لأعدادٍ كبيرةٍ من السكان، وليس كمال قال والي الخرطوم.. أما مدير البرامج بمؤسسة فريدريش آيبرت إسماعيل الراحل، فقد قال إنّ هناك عدداً من التدابير والسياسات التنموية التي يُمكن أن تتّخذها الدولة لإعادة العلاقة بين الريف والحَضر لتبادل المنافع، لافتاً إلى أهمية إنشاء مراكز حضرية وسيطة بين الريف والحَضر بهدف تقديم المُساعدة للنهوض بالريف، وطَالب ابن عوف بضرورة إنشاء بنك معلومات استراتيجي في السودان للمزيد من الدراسات، أي أنهما يُؤكِّدان أنّ مُشكلة السودان تكمن في سُوء الإدارة.

الحديث عن الهجرة من الريف إلى الحضر وآثارها موضوعٌ قديمٌ في السودان قتل بحثاً من قبل عشرات الأساتذة والخبراء، ولم يتركوا شَاردة ولا وَاردة إلا وذكروها، وقدّموا التّوصيات والحُلول النّاجعة التي إن عملت بها الحكومة لخرج السودان إلى بَرّ الأمان قبل عشرين سنة ولكنها مُصرّة أن لا تعمل إلا برأيها الذي لا يستند إلى علمٍ ولا خِبرةٍ ولا حقٍ، أي أنّه سُوء إدارة مع سبق الإصرار، ورغم ذلك لم يتوقّف أهل العلم والخبرة ولم يبخلوا بإسداء النصح والإرشاد لها وما زالوا يطرقون المشاكل ويعيدون ما يقولون والحكومة تسمع ولا تستجيب، ولم تعد المشكلة في كيف تُحل مشكلة الهجرة ولا غيرها من مشاكل، بل في الحكومة نفسها التي تُوضع أمامها الحلول العلمية الصحيحة التي تنمي وتقدِّم فتتركها وتختار العكس.

التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..