شواغر الهندسة عرض جديد لمرض قديم

أسماء جمعة
سياسات الإنقاذ تجاه التعليم عموماً و التي بموجبها تغير السلم التعليمي والمناهج وتفجرت ما تسمى بثورة التعليم العالي ، تسببت في كارثة تجهيلية أعادت السودان مائة عام إلى الوراء ، فهي طبقت بمنتهى قصر النظر والإهمال وعدم النزاهة وبلا إمكانات، وقد أنتجت تعليماً متدنياً غير قادر على تأهيل الطلاب بما فيه الكفاية وتلبية حاجة البلد من العلم، وأصبحت المدارس ترفد الجامعات بطلاب يعانون من مشاكل اساسية، أما الجامعات فتخرجهم بنفس المستوى ، وللأسف الحكومة لم تحاول أبداً معالجة الأمر بجدية و ظلت تمارس التتستر على المشاكل عمداً أو تقدم حلولاً وهمية.
بالأمس كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي الصادق الهادي المهدي عن وجود أكثر من ستة آلاف مقعد شاغر بكليات الهندسة وعزا الأمر لتدني نسب النجاح في نتيجة الشهادة السودانية بمادتي الرياضيات والفزياء، وأن وزارة التعليم العالي تبحث إمكانية الاستعاضة بمادة الأحياء لحل مشكلة الشواغر الكبيرة في كليات الهندسنة ودعا الأساتذة في الجامعات لتدريس المادتين، وعزا سيادته سبب تدني مستوى النتيجة في المادتين بالشهادة السودانية إلى نقص الأساتذة في المدارس.
حقيقية 6 آلاف خانة رقم كبير ويؤكد إن الخلل أكبر بكثير مما ذهب إليه الوزير، ولا أدري لماذا حصره في سبب واحد وجانبي، فالأمر له أسباب أخرى تبدأ من مرحلة الأساس التي لم تعد تعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب بصورة جيدة ، نتيجة لمشاكل كثيرة في المناهج والمدارس وكل ظروف التعليم، وربما هو هروب أيضاً من دراسة الهندسات بسبب التوظيف مع إنها مجال حيوي ولكنه قتل بسياسات الحكومة .
على السيد الوزير أن يعلم ايضاً أن أساتذة الجامعات لا يمكنهم أن يبدأوا مع الطلاب من نقطة الصفر، فهذا ليس واجبهم وليس لديهم ما يكفي من زمن ولا مال للقيام بجهد إضافي، هذا غير أن مهمة الجامعة تأهيل الطلاب للحياة العملية وليس مراجعة دروس الإبتدائي والثانوي.
المصيبة الأكبر تكمن في الحل( الجريمة ) الذي تفكر فيه الوزارة مستخدمة (عقلية البصيرة ام حمد)، وهو الاستعاضة بقبول طلاب الأحياء لملء شواغر كليات الهندسة البالغ عددها ستة آلاف، ولا شك إن هذا الحل إن لجأت إليه فهي ستخلق مشكلة أسوأ من المشكلة الأولى، ولكن نبشرها إنها لن تجد طلاب أحياء يتبرعون لها بدراسة الهندسة، فهي إن لم تحسب الأمر مؤكد الطلاب عاملين حسابهم.
لا يجب أن تنشغل وزارة التعليم العالي كثيراً بقلة قبول الطلاب لكليات الهندسة هذا العام، وعليها أن تبحث عن حل جذري للمشكلة في المستقبل ولتستفيد من هذا الفراغ لخدمة امور أخرى، ونبشرها أن المشكلة خلال السنوات القادمة لن تنحصر على الهندسة بسبب ضعف الطلاب في مادتي الفيزياء والكمياء، وإنما ستواجه شواغر في كل التخصصات بسبب الضعف في كل المواد مالم يحدث تغيير وإصلاح في نظام التعليم الأساسي والثانوي.



