مقالات سياسية

نقد واقع الماركسيين أم واقع نقد؟

نقد واقع الماركسيين أم واقع نقد؟

صلاح شعيب
[email][email protected][/email]

ا

أثناء السنوات الأخيرة من عمره بذلت محاولات ناقدة لمقولات الراحل محمد إبراهيم نقد. وما من شك أن تلك المقولات التي كان يطلقها زعيم الحزب الشيوعي السابق، على سجيته، تحرض على المراجعة الفكرية الموضوعية، وإعمال النظر بمنهج غير المنهج التوفيقي الذي كان يفكر به الراحل. وربما أن العامل الذي سرع من وتيرة ذلك البذل النقدي الموجه لعقل، وشخصية، نقد هو وجود منابر وموصلات إعلامية طليقة، ما كانت متاحة في السابق لمراجعة الحزب العتيق، بل ومراجعة مجمل إخفاقات تجربة الحياة السودانية، بما فيها من رؤى دينية، وسياسات حكومية، وأنساق آيديولوجية، إلخ.
من حيث المبدأ، مطلوب ذلك النقد السياسي الذي أملته أهمية التجذير لنقد إصلاحي لعموم التفكير السوداني القيادي، ولإعادة نقد الأطر، والمرجعيات، التي تقولبه، وكذلك إصلاح ما ترتب عليه هذا التفكير من أزمات وجودية، وخيبات وطنية، وإحباطات فردية.
الحقيقة أنه ما للنقد من حائل يحوله دون البروز في زمن يتحرر فيه العقل الإنساني من بعض عقابيل الوهم الراسخ. كذلك ما من منجاة، أصلا، من مسائلة شجاعة للطواطم الفكرية، والتابوهات العقدية، والكهنوت القديم، في ظل توفر حواضن إعلامية حرة تبلغ مادة النقد إلى أقصى مداءاتها. وفي ظل إنتشار المعارف التي تستنير للناس ما يعتمه المتآمرون على العقل الحر.
إن ذلك النقد، والذي شمل أيضا قيادات الحزب الشيوعي العتيق، وتكتيكاتهم، وتكنيكاتهم، الإستراتيجية والمرحلية، عمق عمليا مرحلة جديدة في الفعل السياسي ربما لم يعها جيل نقد بالحد المطلوب في تفاصيلها الأعمق. نقول هذا خصوصا وأن هذه المرحلة فرضت على جيل ما بعد الإستقلال من الآباء وضوحا، لا إلتباسا، في الرؤى، وشكلا من الجسارة السياسية في منازلة القوى التقليدية التي أقعدت بالجيل المعاصر. ولعل هذا الجيل الذين شجب بعض مقولات نقد، وغير نقد، يحمل عقلا متحمسا إزاء عقل القادة الأبوي الذي أملت عليه الظروف والتجربة الإنحناء، تكتيكا، أمام عواصف الغابة والصحراء.
وربما ـ من جهة أخرى ـ كان إنحناء هؤلاء القادة قد جاء تكتيكيا لكونهم لم يجدوا من حولهم الكادر الشاب المنظم الذي يصبر معهم على قساوة ظروف الداخل. وبالتالي ما كان أمام نقد، إذا صح إنحناءه أمام عواصف البنية الفوقية، إلا تكذيب التوقعات الكبيرة التي يضعها الناس قبالة القادة الكبار موقفا، وتاريخا، وعزما. وللزعيم نقد من نضالاته ضد ترهات التركة السودانية المثقلة ما يجعلنا نضعه في مقدمة الوطنيين الشرفاء الذين أنجبتهم الظاهرة السياسية ما بعد الاستقلال. وحقا إذا قورنت سيرة نقد بسير كثيرين يلعلعون الآن في فسيفساء المشهد السياسي من اليمين، واليسار، والوسط، لفاقهم بصدقه مهما رأى من رأي جلب إليه التعنيف.
ولكن المهم أن كل الذي كتب عن نقد، قدحا، وذما، يستدعي حوارا نائيا عن الشخصنة، ومقتربا من مراجعة دور الاشخاص السياسيين في علاقتهم بالزعامة. وإذا كان هؤلاء الأشخاص المطلوب التحاور معهم يتبنون منهجا نقديا، تقدميا، في قراءة الواقع السوداني فإن هذا الحوار وجب أن يكون مضاعفا، وينبغي أن يتمظهر أكثر وضوحا، وصراحة، لبذل المعرفة التي ينادي اليساريون بتوطينها في لجة العتمة المجتمعية. ومن هذه الزاوية ينبغي أن تشمل تجربة المراجعة الفكرية كل إرث اليسار السياسي، وتشجيع نشطاء الكتابة، ورواد المنتديات، لا صدهم، عن تناول هذه المسيرة بالنقد البناء المتصل. النقد الذي يتقصى غاياته عبر حرية التناول، وعبر تعاليه على كل فرد متعال. التعالي بحكم الموقع، أو بحكم الخرق الذاتي الذي ينتاب بعض الأفراد.
فالشئ الذي أقعد بالأحزاب الطائفية دون تجديد أفكارها، وزعاماتها، هو إلتفاف قادتها، ومناصريهم، على النقد الذاتي. وبهذه الكيفية ليس أمام اليسار السوداني إلا وضع كامل تجربته الطويلة في التعامل مع مجريات الواقع السياسي على موازيين المراجعة النقدية، ولا نظن أن حرث الحزب الشيوعي ـ نظريا وتطبيقيا ـ إلا بحاجة إلى التداول بحثا عن ثمة أخطاء، وإيجابيات، ونقاط قوة وضعف. وكذلك الحاجة قصوى لمراجعة إرث الزعماء، والقادة، الذين شكلوا الكيفية التي بدا عليها الحزب الآن، وهو كما نعلم حزب رائد في الدعوة للتغيير، وله حظ معتبر ـ بالمقابل ـ في نقد طبيعة التفكير والواقع السودانيين.
إن اليسارالسوداني، والذي كان نقد إبرز قادته نضالا، ومسؤولية، يعاني الآن تراجعا أمام نهوض قوى سلفية إحتلت معاقله التي تمثلت في دور العلم، والنقابات، والخدمة العامة. فضلا عن ذلك فإن عاملي بروز الإتجاهات الإثنية بشكل سافر في العمل السياسي، وهجرة كوادر الحزب الوسيطة التي إنتشرت في بقاع الأرض، تضافرا ليكونا خصما على حركة الزعيم نقد، وقادة الحزب الشيوعي، وسائر قوى اليسار، وبعض نشطاء قوى اليمين الذين يديرون معركتهم مع النظام الآخذ بتلابيب المبادرات في جبهات العمل السياسي، والإجتماعي، والإقتصاد، إلخ.
ولذلك لا يمكن دراسة حالة القيادة الشيوعية أثناء تزعم نقد، وبعد وفاته، دون التطرق ــ موضوعيا ــ إلى ثقل هذه الحالة السياسية الضاغطة على قادة الحزب وكوادره، نفسيا، وإقتصاديا، وإجتماعيا، هذا في وقت تتهدم فيه كل البنى المجتمعية وينقاد أفرادها بالداخل نحو قوى التخلف اليميني التي ربطت دورة إقتصاد كل من هو بالداخل بإقتصادها الطفيلي. وفي وقت، أيضا، مثل إنفصال الجنوب ضربة لرهان الحزب على أبقاء الصراع آيديولوجيا، وما تبع هذا الإنفصال – الإستقلال من إنهزام لمجهودات الحزب الباكرة في التنبه لأثر خطورة العمل الجهوي على إستراتيجياته.
ومع ذلك فإن المسؤولية الملقاة على كاهل قادة الحزب الشيوعي ليس من باب أولوياتها إحلال المرحوم نقد بكاريزما أخرى أكثر تفانيا فحسب، وإنما كذلك الأخذ بعين الإعتبار الكتابات الناقدة لتجربة الحزب المبثوثة في منابر كثيرة، والدعوة إلى حوار ثقافي حول مستقبل تجربة الحزب، على أن يشارك فيه من هم خارج الحزب أيضا، هؤلاء الحميميون بالتجربة، والذين ربما يعالجون ــ نظريا وبشكل مختلف ــ هذا الضعف المسبب الذي إعترى منهج الحزب، وفحوى حراكه، وعزم قياداته.

تعليق واحد

  1. نقد في الفكر الماركسي :
    رأفت علي

    تأثير العامل المادي حسب النظرية الماركسية:
    لقد وضح لنا كارل ماركس تأثير الواقع المادي في حياة الفرد بقوله (ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم)، ويضيف قائلا (أن البنية الفوقية هي نتاج للبنية التحتية)، أي إن الواقع المادي والوضع الاقتصادي هو من يتحكم بأخلاق الفرد والمجتمع، فالعلاقات الاجتماعية في المجتمع الزراعي تختلف عن العلاقات الاجتماعية الناشئة في المجتمع الصناعي أو التجاري أو المدني. وبينما نرى الأسرة أكثر تماسكا في الريف فأننا سنراها أكثر ضعفا وتفككا في المدينة. فمثلما تتأثر الحاجات المادية للفرد سلبا وايجابيا بالواقع المادي المعاش، فالحاجات المعنوية والروحية هي الأخرى ستكون معرضة لنفس التأثير وبنفس الصيغة.

    نعم نحن نقر ونعترف بأن الحاجة أم الاختراع، ونعم أن الواقع المادي المعاش يساهم ويشارك وبفاعلية في التكوين الفكري للفرد وبالتالي في تحديد خياراته المادية والمعنوية وطبيعة وشكل حياته. نعم أن الواقع المادي المعاش الغني سيوفر للفرد شكل وطبيعة حياة مغايرة للذي يوفره الواقع المادي الفقير للفرد الأخر، فمثلما لدى الفرد المترف أو الغني القدرة على شراء وتلبية متطلبات العديد من السلع والحاجات المادية كالسيارات الفارهة والمساكن الراقية والأثاث الفاخر والمزارع والحقول والبساتين والمعامل والمصانع، فلديه القدرة أيضا على نيل دراسة جامعية راقية وامتلاك خلفية ثقافية واسعة. فمن خلال توفر المال يستطيع الفرد حيازة وامتلاك كل الوسائل المهمة لإثراء نفسه ثقافيا طالما اكتسبت الثقافة من الجامعات ومن الكتب ومن أجهزة التلفاز والصحف والمجلات ومن خلال السفر والتجوال والاطلاع على أحوال بقية شعوب العالم ومن خلال الاحتكاك على اكبر قدر ممكن بالمجتمع سواء بالدراسة أو من خلال السفر أو بسبب العمل أو بتولي مسؤوليات مهمة وكبيرة.

    فطالما تطلبت عملية اكتساب الفرد للثقافة تكاليف مالية فان فرصة الغني ستكون أوسع بكثير من فرصة الفقير في اكتسابها، بل وحتى أذا ما توفر للفقير وسائل اكتساب الثقافة كالتعليم الجامعي أو شراء الصحف أو مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفازية فقد تشغله هموم الحياة وكسب قوته وقوت عائلته عن الاستفادة من تلك الوسائل ومن دون الانتباه إلى مضمون ذلك الفيلم أو تلك المسلسلة أو هذه المقالة والذي قد يكون مضمونا مناوئ لقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده بل وحتى دينه، فتصبح مجرد ديكور منزلي أو وسيلة للاستمتاع والترفيه أو لإطفاء فضوله الإنساني لمعرفة أحداث فيلم أو مسلسل ما أو أعجابا بجمال هذا الممثل أو تلك المطربة أو بذلك الديكور والألوان والملابس البراقة المحروم منها.

    نقض تأثير العامل المادي للنظرية الماركسية:
    من وجهة نظرنا وبالرغم من أن الواقع المادي والحاجة يلقيان بضلالهما وتأثيراتهما على حياة الفرد وبالرغم من مساهمتهما الفاعلة والمهمة في تحديد خيارات الفرد المادية والمعنوية، فلن يكونا أبدا هما الموجه المحوري والأساسي والحاسم والوحيد للفرد مهما بلغت درجة وقوة غريزة الفرد في الحياة وفي التمتع بنعمها وخيراتها من أملاك وعقارات ومال وجنس وشهرة وسلطة. فالإنسان ومهما بلغت درجة حيوانيته يبقى إنسانا كما أراده الله سبحانه وتعالى وخلقه وكرمه بالعقل والتفكير والتدبر والتأمل. بل حتى صياغة التكوين الفكري والعقائدي للفرد لن تكون حكرا على الواقع المادي، ففي حياة الفرد هناك العديد من العوامل والمؤثرات التي تساهم كلها في صياغة فكره وفي تحديد خياراته المادية والمعنوية وفي تحديد طبيعة حياته.

    أن خير دليل على صواب ما نؤمن به، بان الفرد ومهما اختلفت أحواله المادية والمعاشية فلن تتحكم المادة والواقع المعاش به وبحياته وخياراته وقراراته فهذه وظيفة العقل والتفكير، نقول أن خير دليل على ذلك هو لو كانت الحاجة أو الواقع المادي الموجه المحوري والأساسي والحاسم للفرد، لما ظهر الأنبياء والرسل عليه السلام، ولما ظهر الزعماء والقادة والمفكرين المناضلين. فمهمة النبي أو الرسول وحتى المفكر والزعيم والقائد المناضل هي في الواقع مهمة تغيير المجتمع من حال إلى أخر، ولو كان الواقع المادي هو المؤثر والموجه الوحيد للبشر لفضل الأنبياء حاشا الله ورسله وأنبياء ولفضل القادة والزعماء والمفكرين نقول لفضلوا شراء رضى الكفار والمشركين والجاحدين والملوك والحكام والطغاة وقوى الاستعمار والاحتكار والاستغلال وسايروهم فيما أرادوه.

    وهنا رب قائل يقول بأن الأنبياء عليهم السلام حينما حملوا رسالتهم الإلهية لبني البشر وحثوا المجتمع على الانتقال من حال إلى آخر فأنهم هم أيضا قد اخذوا بأسباب المادة، فمثلا رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قد حرم الربا بأمر الله سبحانه وتعالى، والإسلام الحنيف قد جاء بأسس اقتصادية جديدة وحث الناس على الالتزام بها. وبذلك فحتى الأنبياء والمرسلين عليهم السلام والزعماء والقادة والمفكرين المناضلين قد حسبوا للوضع المادي والاقتصادي وضعه وأثره الخاص في التأثير على سلوك الفرد والمجتمع..!!

    وهنا نقول ونكرر ما سبق وقلناه بان الواقع المادي بلا شك يساهم ويشارك وبفاعلية في التكوين الفكري للفرد وبالتالي في تحديد خياراته المادية والمعنوية وطبيعة وشكل حياته ولكن وهنا نرجو الانتباه إلى أننا لم ننفي دور وتأثير الواقع المادي على حياة الفرد وخياراته المادية والمعنوية وعلى تكوينه الفكري والعقائدي، إلا أننا وبنفس الوقت لا ننفي دور وتأثير باقي العوامل.

    ومثال ذلك هو ما يفسر لنا تعفف بعض النساء رغم قساوة حياتهن وتعفف بعض الشباب عن الزنا رغم كونهم غير قادرين على الزواج، بينما نرى أن بعض الأغنياء والأثرياء تتملكهم الشهوة والجنس والغريزة إلى حد الجنون، مثلما نرى أن بعض الفقراء حريصون على الالتزام بالكسب الحلال أو المشروع رغم قساوة ظروف حياتهم، بينما وبنفس الوقت نرى أن ثريا ما لا يهتم مطلقا عما أن كان كسبه حلال ومشروع أم حرام وغير مشروع، بل نرى البعض من الأغنياء يسعون إلى كسب الحرام ويفضلونه على الكسب بالطرق المشروعة.

    تناقض كارل ماركس1:
    أن كارل ماركس نفسه يعطي مثال آخر على عدم صحة نظريته والتي نصت على تحكم البنية التحتية او المادية بالبنية الفوقية او المعنوية، فلو صحت نظريته لما أصبح هو نفسه مفكرا وصاحب نظرية فكرية بل كان من المفترض أن يكون برجوازيا هو الآخر حاله حال أسرته ولبى طلب والده وامتهن مهنة المحاماة وانشغل هو الآخر بجمع المال والثروة.

    أن الزعماء والقادة والمفكرين المناضلين، ورغم أن طريقتهم لتغيير المجتمع تتم أيضا عبر تغيير علاقاته الاقتصادية وواقعه المادي، إلا أن لهم رؤيتهم الخاصة للتغلب على المشاكل التي يعاني منها المجتمع كالفقر والمرض والجهل والتخلف والعوز والحاجة والظلم والاستبداد. فرؤية الزعيم أو القائد الشعبي الجماهيري ورؤية المفكر الإنساني المبدع تتم عبر الكفاح والنضال والصبر على الأذى. أي أنهم يتأثرون بالواقع المادي ولكن وبنفس الوقت فان الواقع المادي لا يؤثر فيهم على نحو سلبي، فهم لا ينساقون ولا يستسلمون إليه، بل أن تأثرهم بالواقع المادي سيكون تأثر ايجابي يحثهم على تغيير هذا الواقع هو ذاته لا العكس، كتأميم النفط و قناة السويس و إنهاء الإقطاع الزراعي وخلق القطاع الصناعي ووضع أسس اقتصادية جديدة للفرد والمجتمع والدولة، أي أنهم لا يكتفون بالتغلب على مشاكلهم الخاصة الناتجة عن واقعهم المادي فقط، بل وينطلقون أيضا إلى التغلب على المشاكل التي تواجه الآخرين أو قد تواجههم في المستقبل. وهذا ما يعتبره علماء نظريه الذكاءات المتعددة كنوع من أنواع الذكاء حيث يطلقون عليه تسمية الذكاء الاجتماعي.

    لقد حاول كارل ماركس تلافي هذه المشكلة التي وضع نفسه فيها عبر حديثه عن الوعي البشري، قائلا (بأنه لا يعتبر وعي الفرد مجرد انعكاسا سلبيا للواقع، فبوجود العلاقة الجدلية فيما بينهما فان الوعي يمكنه أن يؤثر في الواقع، فإما أن يساهم في تغيير الواقع ايجابيا، وإما أن يساهم في تكريس سلبية الواقع).

    وبالتالي فنحن نجد أنفسنا أمام تساؤل مهم وتناقض كبير في أفكار كارل ماركس نفسه.. فتارة يقول (ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم) وتارة أخرى يقول (بأنه لا يعتبر وعي الفرد مجرد انعكاسا سلبيا للواقع، فبوجود العلاقة الجدلية فيما بينهما فان الوعي يمكنه أن يؤثر في الواقع، فإما أن يساهم في تغيير الواقع ايجابيا، وإما أن يساهم في تكريس سلبية الواقع).

    فما معنى نظرية ماركس عن التناقض الجدلي أو المادية التاريخية والديالكتيك.. وما فائدتها.. بعد أن اعترف ماركس نفسه بان وعي الفرد لا يمثل مجرد انعكاس سلبي للواقع..؟!!

    وفي الحقيقة فان تساؤلنا هذا قد أثار أمامنا رؤية جديدة لواحدة من أهم القضايا السياسية والفكرية والفلسفية التي تناولها العديد من السياسيين والمفكرين وامن بها واعتنقها ملايين البشر وحكمت أرجاء واسعة من ارض المعمورة..!!!

    هل كان ماركس صهيونيا2 :
    أن تناقض ماركس هذا قد وضعنا هو بنفسه أمام حقائق لا يمكن التغافل عنها أبدا ولا يمكن لنا نتفهمها إلا من خلال تفهمنا الى الخلفية الاجتماعية والثقافية والأسرية والى التراث الديني اليهودي لأسرة كارل ماركس والتي قد لعبت دورا مهما في صياغة أفكار ماركس نفسه.

    فقد فرض علينا ماركس هنا أن ننقب ونتحرى أكثر على حقيقة أفكاره ونظريته، والتي قد احتوت على أفكار سليمة سرقها من مفكرين المان وأعاد صياغتها وإنتاجها بما يلائم والمشروع الصهيوني العالمي، اي وبمعنى أوضح فان كارل ماركس من وجهة نظرنا ما هو سوى مفكر صهيوني بث أفكاره المتصهينة باسم مختلف وتحت شعار بدا وكأنه شعار بعيد كل البعد عن الصهيونية..!!!

    وهنا قد يتبادر الى ذهن القارئ الكريم جملة من التساؤلات بل وقد يستهجن البعض وصفنا لكارل ماركس بأنه مفكر صهيوني على الرغم من عدم إيمانه بالنظرية الماركسية وخلافه الفكري مع ماركس نفسه ويردف قائلا إلا أن وصف كارل ماركس بالصهيوني هو اقرب للخيال من الواقع. فماركس مفكر علماني اشتراكي أممي لم يتبنى اي فكر ديني، بل اعتبر الدين اي دين بمثابة أفيون للشعوب اي مخدر للعقل مهيج للعاطفة. كما أن جوهر النظرية الماركسية يتناقض وجوهر الفكر الصهيوني، فشتان بين ماركس الذي دعى الى وحدة الطبقة العمالية رافعا شعار يا عمال العالم اتحدوا وبين هرتزل الذي دعى الى وحدة يهود العالم رافعا شعار أنشاء وطن قومي لليهود. ولم يعرف عن ماركس عقده اي لقاء مع ثيودور هرتزل وسواه وهذان الاثنين لم يلتقيا طيلة حياتهما وفارق العمر بينهما كبير بحدود 42 عاما، ناهيك عن أن ماركس نفسه لم يعيش حتى يرى انبثاق الحركة الصهيونية بقيادة هرتزل عام 1899 في بازل بسويسرا، فكيف يكون كارل ماركس صهيونيا بعد كل هذه الدلائل..؟!!!

    في الحقيقة أن وصفنا لكارل ماركس بالصهيوني نابع كما أسلفنا من تناقض النظرية الماركسية وماركس نفسه، والذي فرض علينا إعادة النظر بجوهر ومضمون نظريته متحرين حقيقة الدوافع الفكرية لكارل ماركس، فحينما ينتاب المرء شكوك وظنون بشئ او شخص او فكر ما، فسرعان ما يبدأ بعملية بحث شاملة واضعا كل الاحتمالات في حساباته. ولو بحثنا عن كارل ماركس بهذه الطريقة وباحتمال كونه مفكر صهيوني لا مفكر علماني اشتراكي أممي فسنجد العديد من الدلائل والشواهد التي ترجح هذا الاحتمال.

    فكارل ماركس (1818-1883) وصديقه المقرب ومتمم نظريته فريدريك انجلز (1820-1895) كانا المانيان الجنسية يهوديان الديانة. أما ثيودور هرتزل (1860-1904) مؤسس الحركة الصهيونية فكان نمساوي الجنسية يهودي الديانة، ناهيك عن عشرات المفكرين الماركسيين كانوا يهوديّ الديانة أيضا. كما أن ظروف نشأة ماركس وهرتزل كانت متشابهة وإلى حد كبير. فالاثنين كانا من أسرتين يهوديتين الديانة وتربا في مجتمع متشابه وهو المجتمع “الألماني – النمساوي” وعاشا خلال فترات متقاربة واختصا بالفكر والفلسفة والبحث عن الخلاص وعملا في الصحافة ودرسا القانون في الجامعة، بل ويزعم بعض الباحثين بان كارل ماركس هو حفيد الحاخام اليهودي مردخاي ماركس. كما أن الثلاثة وعشرين عاما الأولى من حياة هرتزل والتي مثلت بداية تكوين شخصيته قد عاصرت الثلاثة وعشرين عاما الأخيرة من حياة ماركس، بينما شهدت سنوات هرتزل الحادية والعشرين الثانية من عمرهرواج النظرية الماركسية. وسواء كان كارل ماركس حفيد الحاخام مردخاي ماركس أم لا، فان احتمال كون ماركس مفكر صهيوني قد بدا هنا بفرض نفسه على الساحة.. ساحة البحث والتحري عن حقيقة الدوافع الفكرية لكارل ماركس وحقيقة أفكاره ونظريته.

    وفضلا عن هذا فان ثيودور هرتزل ورغم كونه المؤسس الرسمي للحركة الصهيونية إلا أن جذور الفكر الصهيوني تعود لقرون عدة قبل هرتزل نفسه، أو على اقل تقدير فقد شارك العديد من المفكرين اليهود في صياغة ما يمكن أن نسميه بالفكر الصهيوني “الحديث”.

    ومن هؤلاء المفكرين مثلا الحاخام إيهودا الكالاي (1798-1878)، رابي تزيفي كاليشر(1795-1874)، موشيه هيس (1812-1875) وبالتالي فان لم يلتقي كارل ماركس بثيودور هرتزل فقد يكون قد التقى بغيره من المفكرين الصهاينة. بل أن بعض الباحثين يجدون بأن ماركس قد اتصل فعلا وبشكل مباشر بأستاذ هرتزل وفيلسوف الصهيونية البارز وواضع أساسها النظري الفيلسوف الاشتراكي اليهودي الثائر موشيه هيس.

    بل أن الأكثر أثارة هنا هو ما حدث قبل عام واحد فقط من انطلاق ثورة ربيع الشعوب في أوروبا، ففي عام 1847 عقد الشيوعيون مؤتمرهم الأول في “لندن” وأطلقوا عليه تسمية “عصبة الشيوعيين” حيث أصدروا “البيان الشيوعي”، وفوض المجتمعون كارل ماركس وفريدريك انجلز لوضع مبادئ هذه العصبة والتي مثلت نواة الحزب الشيوعي. وفي الحقيقة فان الباحث في تاريخ الفكر الشيوعي سيجد نفسه أمام العديد من الإشارات والدلائل التي تؤكد بان البيان الشيوعي قد حرضت وبقوة على القيام بثورة ربيع الشعوب. فماركس وانجلز كانوا من أوائل المحرضين على الثورة، مثلما كانوا من أوائل من المشاركين فيها حينما تفجرت الأوضاع ونزلت الجماهير الغاضبة إلى شوارع المدن الالمانية عام 1848.

    والغريب هنا والملفت للنظر هو أن الفيلسوف الاشتراكي الصهيوني موشيه هيس والذي يعتبر كأستاذ لثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الشهير، قد كان من أوائل الثوار أيضا..!! فماركس وانجلز كان قد شاركا في ثورة المانيا بالتحديد في ولاية كولونيا حيث دأبا على تنظيم صفوف الثورة هناك، وأصدرا جريدة الراين الجديدة، وكانا محور جميع المساعي الثورية الديمقراطية في المانيا، ودافعا بأقصى القوة والعزم ضد ما وصفوه بالقوى الرجعية، مما أدى إلى اعتقالهما ومحاكمتهما وبينما تمت تبرئة ماركس ونفيه من ألمانيا حيث انتقل إلى فرنسا واستقر أخيرا في لندن، فقد تمت إدانة انجلز وحكم عليه بالإعدام بسبب مشاركته ثلاث مرات فيما سميت بانتفاضة الشعب المسلحة إلا أن انجلز قد تمكن من الهرب حيث سافر إلى لندن عن طريق سويسرا. أما موشيه هيس فقد اعتقل وحكم عليه بالإعدام إلا انه هو الآخر تمكن من الهروب إلى فرنسا ثم إلى سويسرا فبلجيكا، ثم عاد إلى ألمانيا عام 1862 بعد أن أصدرت الحكومة عفواً عاماً عن جميع المحكومين.

    والمثير هنا أيضا هو ما ذكره فريدريك انجلز في أحدى رسائله لكارل ماركس عام 1844، حيث كتب انجلز قائلا بأنه قد التقى بالفيلسوف الاشتراكي الصهيوني موشيه هيس في ولاية كولونيا الالمانية واستلم منه نسخة من كتاب (الأنا العليا وذاتها1844) للمفكر الوجودي الملحد شتيرنر والذي أثار العديد من الأفكار الغريبة كعدم شرعية قيام الدولة والحب الحر والمثلية الجنسية وتعدد العلاقات والتعري الطبيعي للبشر. وفي الحقيقة وعلى الرغم من انتقاد ماركس وانجلز لشتيرنر فيما بعد إلا أنهما قد تأثرا كثيرا في أفكاره والباحث في الفكر الشيوعي سيلتمس العديد من الدلائل على هذا ولاسيما في فكرة الإلحاد وإنكار الأديان والقوميات وتكوين الدول.

    بل وقد ذهب باحثين آخرين إلى ابعد من ذلك، حيث ذكروا بان الثورة الشيوعية وخلال الأسبوع الأول من عمرها كانت قد أصدرت قرارها الخاص بحق اليهود حيث نص ذلك القرار على تجريم من يعادي اليهود بتهمة العداء للسامية والاعتراف بحق اليهود بإقامة دولتهم القومية في فلسطين..!!!

    وسواء صح ذلك أم لم يصح، فان اعتراف الحكومة الشيوعية السوفيتية بدولة “إسرائيل” بعد دقائق قليلة من إعلانها في أيار عام 1948، يثير أمامنا واحد من أهم التساؤلات، فكيف يمكن لقيادة حزب لا تؤمن هي ولا حزبها بالقومية والدين أن تعترف بدولة دينية وقومية بان واحد..؟!! فكان من المفترض أن يكون الاتحاد السوفيتي آخر من يعترف بإسرائيل بل قد يفنى ولا يعترف فيها لان اعترفه هذا سيكون خير دليل على نقض عقيدته هو نفسه بنفسه. ومن يقول بان الاعتراف جاء كفعل سياسي لا فكري، فلماذا أذن صدع السوفيت رؤوسنا ليل نهار وطيلة سبعة عقود بمفاهيمهم عن كفاح طبقة العمال والنضال الاممي والثورة العالمية وإزالة كافة الحواجز بين بني البشر وعدم الاعتراف بالقومية والدين..فأما أن يضعوا عقيدتهم الشيوعية جانبا وأما أن يطبقوها تماما أو على اقل تقدير أن لا يصدعوا رؤوسنا بأمنياتهم ليل نهار..؟؟!!!

    ولو واصلنا البحث والتحري في الفكر الماركسي لوجدنا وفي أكثر من موقع بصمات اليهودي المتصهين وهي واضحة جلية، فتغليب المادة وتهميش وتتفيه الجوانب الروحية والمعنوية كالدين والإيمان والعادات والتقاليد والقيم والمبادئ والأخلاق والشرف والإلحاد وإنكار الروابط القومية والأسرية وتهويل الصراع والتناقض الاجتماعي والادعاء بالكمال الفكري وتفسير تطور تاريخ الإنسانية وعلومها والبحث عن الخلاص، كلها أفكار متوافقة ومنسجمة تماما مع الفكر اليهودي المتصهين..!! ولو تأملنا بتمعن بالغ شعار كارل ماركس “يا عمال العالم اتحدوا”، فبماذا سنشعر.. إلا نشعر بالمظلومية وبالروح العدائية على بقية العلاقات الاجتماعية والمهنية، وبتتفيه الفلاح والمعلم والأستاذ والعالم..!!

    ثم إلا يمكن أن يكون كارل ماركس يهودي متصهين أراد التمهيد للصهيونية العالمية وضمان تحقيق النجاح لها عبر حث البشرية بان تستحدث علاقات اتحادية جديدة قائمة على أساس الوحدة المهنية بدل وحدة رابط الدم أو الدين أو التاريخ المشترك..؟!!

    إلا يمكن أن تكون مهمة اليهودي المتصهين كارل ماركس التمهيدية هي بإبعاد وإشغال الشعوب عن الحس الوطني والقومي والديني والإيماني وكل ما هو روحي، بينما يعمل بني جلدته ودينه من اليهود المتصهينين على تحقيق أفكارهم وتطبيقها على ارض الوقع فعليا. هو يبعد الناس عن قوميتهم ودينهم بينما تقوم منظمتهم السرية بخلق وتعزيز الفكر والحس القومي لعامة اليهود وإعادة أحياء تراثهم اليهودي القائم على التوراة المحرفة والتلمود المليء بالخوف والحقد والأساطير والتنبؤات بعودة بابل و نبوخذنصر..؟!!

    الخلاصة :
    أن خلاصة حديثنا عن تأثير الواقع المادي على حياة الإنسان تتمثل بأن بين الواقع المادي والسلوك البشري، ثمة فاصل مهم او محطة معالجة ستراتيجية تتولى مسؤولية إصدار القرارات وتحديد خيارات الفرد المادية والمعنوية. وبالتالي فان حياة الإنسان ومصيره وقرار الحاسم رهن بفكره ودرجة وعيه وإدراكه، رغم التأثير الكبير والمهم والفاعل للواقع المادي على التكوين الفكري والعقائدي للفرد وعلى تحديد خياراته المادية والمعنوية وطبيعة وشكل حياته.

    أما النظرية الماركسية فقد بات واضحا حقيقة تناقضها وحقيقة الدوافع الفكرية لمؤسسها كارل ماركس، بل أن رواج هذه النظرية بين عشرات الملايين من البشر مفكرين ومناضلين وعمال وبسطاء واعتناقهم لها وتشكيل عشرات الأحزاب المؤمنة بها وتطبيقها على ارض الوقع في العديد من دول العالم وتبنيها من قبل تلك الحكومات والأحزاب لعشرات السنين لهو خير دليل على الخرق الفكري الذي تعرضت له عشرات الملايين من البشر وعشرات الأحزاب والحكومات، والذي نحن هنا بصدد دراسته ودراسة كل العوامل المتداخلة فيه والمؤثرة عليه.

    فلمعرفة الخرق الفكري كان لابد لنا من معرفة الفكر نفسه ودوره وأهميته أولا، ومن ثم معرفة العوامل المؤثرة فيه ثانيا، ثم الانطلاق الى دراسة الخرق الفكري وكيفية علاجه بعد أن يصبح لدينا رؤية متكاملة وأسس سليمة للتوغل في هذا الميدان الحيوي والمهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..