مقالات وآراء

كتاب مجاني.. وحقيقة لا تُشترى عن (الانتهاك المقدّس)..!!‏

عصام خلف الله

بعد قراءة كتاب (الانتهاك المقدّس) للأستاذ خالد أبو أحمد وجدت أني أمام كتاب يفتح بابا ‏ظل مغلقا لسنوات طويلة.. الكتاب يحكي قصص نساء سودانيات كثيرات تعرّضن للعنف ‏في زمن حُكم الإسلامويين، من 1989 إلى 2019، ويوضح أن هذا الانتهاك كان جزءا ‏من حياة يومية عاشتها كثيرات منهن.. وأكثر ما أعجبني في الكتاب هو بساطته، فهو لا ‏يستخدم لغة معقدة ولا يتكلّف أسلوب الكتب الأكاديمية لكنه يحكي ما حدث كما هو، وهذا ‏بالضبط ما يجعل تأثيره أقوى في القارئ العادي‎.‎
وأهمية هذا الكتاب أنه يعيد الصوت لنساء صمتن طويلًا، فكثيرات منهن لم يستطعن الكلام ‏عمّا حدث لهن، خوفًا من العقاب أو من نظرة المجتمع خاصة في قضايا حساسة مثل ‏الاغتصاب.. وحين يقرأ الإنسان هذه القصص كلها مجتمعة، يدرك حجم الألم الذي بقي ‏مخفيا كل هذه السنوات، ويعرف أن هذا التوثيق يعيد للضحايا جز ولو قليل من حقهن، ‏وقد يكون خطوة مهمة في أي طريق نحو العدالة مستقبلًا، لأن معرفة الحقيقة هي أول ‏الطريق للمحاسبة‎.‎
وأثناء قراءتي فكرت كثيرا في كيف سينظر الإسلامويون والمنتقدون لهذا الكتاب.. فمن ‏الطبيعي أن يشعر هؤلاء بالرفض أو الانزعاج لأن الكتاب يفضحهم ويكشف فترة حكمهم ‏بصورة لا تناسب الصورة التي يريدون تقديمها عن أنفسهم أغلبهم سيقول إن الكتاب “غير ‏مُنصف” أو “مُبالغ فيه” أو إنه “هجوم سياسي” عليهم، وقد يدافعون عن القوانين التي ‏كانت تُفرض على النساء بحجة أنها لحماية الأخلاق، ويقولون إن ما حدث من تجاوزات ‏كان “تصرفات فردية” لا سياسة عامة للدولة. وسيرفضون كذلك فكرة أن الفكر الذي ‏يحملونه كان سببا في العنف ضد المرأة، ويقولون إن “الإسلام كرّم المرأة” وإن المشكلة ‏كانت في التطبيق لا في الفكرة نفسها وهذا النوع من الردود متوقع لأنه نفس الأسلوب ‏الذي كانوا يبررون به ما يحدث في ذلك الوقت‎.‎
لكن هناك فئة أخرى من المنتقدين ليست من الإسلامويين، بل من ناس يخافون أن يفتح ‏هذا النوع من الكتب جراحا قديمة أو يثير مشاكل جديدة بعضهم يقول إن الكتاب يركّز ‏على الجانب السلبي فقط، أو إنه يعيد قصصًا مؤلمة كان الأفضل تركها في الماضي، ‏ومنهم من يخشى أن يؤدي نشرها إلى انقسام اجتماعي أو مشاعر غضب جديدة.. وهذه ‏الآراء موجودة فعلا في السودان لكن في حقيقتها تعكس الخوف من مواجهة الحقيقة أكثر ‏مما هي اعتراض على الكتاب نفسه.. وهناك فئة ثالثة من المنتقدين وهم من يهتمون ‏بالمنهج العلمي، فقد يقولون إن الكتاب اعتمد على شهادات فردية أكثر من اعتماده على ‏بيانات وأرقام، أو إنه ركّز على المُدن الكُبرى أكثر من المناطق الطرفية التي شهدت ‏انتهاكات أكبر، وهذا النوع من النقد ليس رفضا للكتاب، بل محاولة لتحسينه أو توسيعه ‏مستقبلًا‎.‎
أما بالنسبة للنساء اللواتي تعرّضن للعنف على ارض الواقع فقراءة هذا الكتاب تجربة ‏مختلفة تمامًا. كثيرات منهن سيشعرن أخيرًا أن هناك من كتب عن المعاناة التي مرن بها ‏وأن قصصهن لم تعد مخفية أو منسية، وهذا الشعور مهم جدًا لأنه يعطي الضحايا إحساسا ‏بأن ما مررن به لم يكن بلا معنى.. صحيح أن بعضهن قد يشعرن بالخوف من إعادة تذكّر ‏ما حدث، خاصة في القضايا المؤلمة، لكن وجود الكتاب يساعد في كسر صمت استمر ‏سنوات طويلة، ويمنحهن مساحة للتعبير أو حتى للتعافي، وقد يشعر بعضهن أن الكتاب ‏أعاد لهن جزءًا من القوة، لأن الاعتراف بما حدث هو أول خطوة نحو الشفاء‎.‎
والكتاب مكتوب بطريقة واضحة وسهلة ويعتمد على قصص حقيقية تجعل القارئ قريبا ‏من الواقع الذي عاشته المرأة السودانية، ومع ذلك يمكن تطويره مستقبلًا بإضافة معلومات ‏أكثر عن المناطق الطرفية، أو بإصدار طبعة فيها وثائق وصور تساعد القارئ على فهم ‏أعمق.. لكن رغم ذلك يبقى الكتاب خطوة مهمة في كشف الحقيقة، ويمنح القارئ العادي ‏فرصة لفهم ما عاشته المرأة السودانية في تلك الفترة دون تعقيد أو مبالغة‎.‎
وأثر هذا الكتاب على المجتمع السوداني اليوم يظهر في أكثر من جانب. كثير من الناس ‏بدأوا يتحدثون عن هذه القضايا بشكل أوسع مما كان يحدث في الماضي، وصار هناك ‏وعي أكبر بأن ما جرى للنساء لم يكن أمرا عابرا، بل جزءا من تاريخ لا بد من الاعتراف ‏به، وبعض الشباب الذين لم يعيشوا تلك الفترة صاروا يفهمونها بشكل أفضل بعد قراءة ‏الكتاب، وهذا يساعد في بناء جيل يعرف ما حدث ولا يكرّر الأخطاء نفسها، كما ساعد ‏الكتاب في فتح نقاشات داخل الأسر والمجتمعات حول دور المرأة، وحول القوانين التي ‏كانت تُفرض عليها، وحول ضرورة احترام حقوقها. وهناك من يرى أن الكتاب يمكن أن ‏يكون بداية لتغيير نظرة المجتمع للضحايا، لأن سرد القصص يساعد الناس على فهم الألم ‏بدلًا من الحكم عليه وبشكل عام يمكن القول إن الكتاب ساهم في تحريك مياه راكدة، وجعل ‏المجتمع ينظر إلى تلك الفترة بعيون أكثر صدقًا وجرأة‎.‎
ومما لفت انتباهي أيضًا إصرار المؤلف على إتاحة الكتاب مجانًا للجمهور، وهذه خطوة ‏لها أثر كبير لأنها تجعله متاحًا للجميع، لا لمن يستطيع شراءه فقط وحين يقدّم مؤلف كتابا ‏بهذه الأهمية دون مقابل، يشعر القارئ أن الهدف ليس الربح ولا الشهرة، بل تمليك الحقيقة ‏للناس، وهذا يعزّز مصداقية الكتاب ويجعل القارئ يثق أن ما فيه كُتب من أجل الفائدة ‏العامة لا من أجل مكسب شخصي.. كما أن إتاحته مجانا تساعد الأجيال الجديدة على ‏الوصول إليه بسهولة، خاصة الشباب الذين قد لا يملكون القدرة على شراء الكتب أو ‏يعتمدون على المحتوى المتاح عبر الإنترنت، فتصبح المعرفة بذلك مفتوحة للجميع، ‏وينتشر الوعي بشكل أوسع، ويتأكد أن المؤلف يريد أن يعرف الناس الحقيقة مهما كانت ‏مؤلمة‎.‎
وفي النهاية اقول إن (الانتهاك المقدّس) كتاب يستحق القراءة، لأنه يقدّم صورة صادقة ‏عمّا حدث للمرأة السودانية خلال تلك السنوات. هو ليس كتابا للجدل أو للمبالغة، بل ‏محاولة لإعادة صوت النساء اللواتي صمتن طويلًا، ولتذكير المجتمع بأن معرفة الحقيقة ‏هي بداية الطريق نحو العدالة، وأن الصمت لا يحمي أحدًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..