مقالات وآراء

البرهان والسذاجة السياسية القاتلة

ليست المشكلة في أن الجنرال الغارق في متاهة أحلامه عبد الفتاح البرهان قد أخطأ في حساباته مرة تلو المرة أو أخفق في قراءة مشهد سياسي عابر؛ المشكلة أن الحرب، كما تُدار تحت قيادته المتهورة، تكشف عن عقل سياسي أسير لمنطق القوة، عاجز عن رؤية السودان خارج ثنائية “ننتصر أو نستمر في القتال”.
فجهله السياسي لا يعني فقط نقص معرفته وغباءه الغريزي الذي لا يعرف سوى سفك الدماء، وإنما يعني أيضاً سوء تقدير العواقب، وضيق الأفق، والعجز عن التمييز بين ما يمكن تحقيقه عسكرياً وما لا يمكن بلوغه إلا بالسياسة.
وتصبح الكارثة أكبر حين يتحول العناد الجامد إلى فضيلة، تُقابل بالتهليل والتكبير والغوغائية الفجة من جماعة بهيمية لا هم لها سوى بطونها وفروجها، ويصبح التراجع عن الحسابات الخاطئة في نظر البرهان هزيمة شخصية، ولو كان ثمن الإصرار البليد وطناً يُستنزف وشعباً يُهجّر ويجوع.
البرهان الذي يعاني من إعاقة ذهنية مزمنة، وارتفاع حاد في منسوب الغباء، وأمية سياسية مفرطة يقول، في جوهر خطاباته المتكررة والمكرورة، إن الحرب لن تتوقف قبل إنهاء قوات الدعم السريع لآخر جندي.
لكن السؤال الحاضر هنا والذي تكمن اجابته فيه، هل هذا هدف عسكري قابل للتحقق، أم مجرد شعار سياسي فارغ المحتوى والمضمون يُستخدم لتبرير استمرار حرب لا يبدو أن لها سقفاً زمنياً واضحاً؟
إن ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم، وأمنهم، ومصادر رزقهم، والذين يواجهون الجوع والمرض والنزوح، لا يستطيعون الانتظار إلى أن تنضج الحسابات العسكرية التي تخص البرهان ورهطه.
هؤلاء يريدون دولة تحميهم، لا سلطة تطلب منهم دفع ثمن فاتورة حرب مفتوحة باسم الدولة.
والأخطر من الفشل العسكري هو الفشل في إدراك اللحظة السياسية.
فالبرهان الذي لا يرى سوى خصمه المباشر ولا يرى في الآخرين سوى ذاته الخربة قد ينتصر في معركة ومعركتين ويخسر بلداً بطيبة أهله.
لأنه يختزل مستقبل السودان في القضاء على خصم مسلح وربما أكثر تسليحاً واستعداداً من جيشه المتهالك، ويتجاهل بقية مكونات الأزمة ومنها سلاح الاقتصاد القاتل، إنه لا يدير حرباً فحسب؛ بل يخاطر بتحويل الحرب إلى نمط دائم للحكم والسياسة، وهنا تكمن نهايته لأنه دائماً ينسى قراءة الصفحة الأخيرة من كتاب تاريخ نهاية الطغاة.
السودان لا يحتاجك يا برهان كيماوي أن تواصل الحرب إلى ما لا نهاية.
هذا البلد الجريح يحتاج إلى قيادة تعرف أن القوة وسيلة وليست استراتيجية، وأن إنهاء الحرب ليس استسلاماً، وأن الاعتراف بحدود القوة ليس جبناً.
إن أخطر أشكال السذاجة السياسية أن يعتقد البرهان أن استمرار الحرب دليل على الصلابة، وأن الدعوة إلى السلام علامة ضعف.
والحقيقة أن التاريخ لا يسأله فقط: كم معركة خاض، وكم بريئاً قتل وكم مدينة حاق بها الخراب؟
بل يسأله أيضاً: لماذا لم يوقف الحرب وينقذ الوطن من الدمار عندما كانت لديه فرصة لذلك؟ أم أن نهايات الطغاة واحدة وإن اختلفت الطريقة؟
وفي السودان اليوم، لم يعد السؤال: من يستطيع أن يطلق النار أكثر؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يملك الشجاعة السياسية لإيقاف نزيف وطن يدفع المدنيون ثمن صراع لم يختاروه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..