07-12-2011 09:18 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

زورق الحقيقة

الجنرال في تهمته والأحزاب في متاهتها

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
[email protected]

اسفر الصبح عن وجهه واطلت الشمس من خدرها كفتاة نؤوم الضحى على قول العرب قديماً، بقايا سحب تحوم فوق ربوع بحر أبيض، الطيور تحوم فوق المكان، الأشجار لها فحيح تداعبه نسائم الخريف في تلكم الديار، جماعات النمل تعمل بهمة كعادتها في كل خريف. الإذاعة السودانية الوحيدة في تلك الفترة على غير عادتها لم تبدأ على طريقتها المعتادة لا مديح لا برنامج بل مارشات عسكرية وكانت هناك حالة ترقب وكل الصحف تتحدث عن إنقلاب حتى اذكر اننا نأتي بالجرائد ونسأل إذا حدث شيء بعد.
اعلن العميد عمر البشير إن نظاماً جديداً اطلق عليه ثورة الإنقاذ اطل على دنيا اهل المليون ميل مربع والتي نقصت الثلث أخيراً ومن حينها ما زلنا لعقدين من الزمان يتلون علينا سورة الإنقاذ ومن يكفر بها يفتون بخروجه من كل الملل ويصبح شخص بلا حقوق ويمكن أن تجرجر لغيهب السجن الحلوك باوامر جهاز الامن الذي اصبح الكل في الكل. فقد جرت مياه كثيرة منذ تلك الساعة، فالشيخ لم يعد الشيخ الآمر الناهي، اصبح معارضاً والعميد اصبح جنرالاً في تهمته الدولية وفي عنجهيته الرئاسية في قصر غردون يتبختر في طاؤوسية زاهية يتحدى الكل. الكل يتحدث عن دور ثانوي للجنرال فتارة قالوا بأن قائد الثورة الحقيقي ومنظرها هو الشيخ الترابي وبعدها تحدثوا عن شيخ علي كما يحلو لمريديه أن ينعتوه ولكن أرى أن البشير هو الكل في الكل وليس بالغباء الذي يصفه به البعض. فالرجل ما زال ممسك بالأمور والطريقة التي تدار بها الدولة تدل على عدم وجود استراتيجية ولا تعبر عن زعيم كاريزمي له ايديولوجية يعمل بها وانما مجرد شخص تعود على اللعب على الحبال وعندما يكاد أن يسقط من على احد الحبال يقوم بحركة بهلوانية وينقذ نفسه ويساعده الحظ ، والحادثة الأخيرة التي حدثت للئيم الإنقاذ الذي يستنبح عنها الأعداء نافع تدل على أن الرجل ليس له اصدقاء دائمين وانما يلعب على تغيير رجال الإنقاذ وبعض المنشقين من رجالات السياسة من الذين تركوا احزابهم أو تركتهم أحزابهم ويكسب جولة جديدة وحياة جديدة يناور بها لسنوات أخرى حيث لا يسمح لاحد بأن يتحدى مكانه فقد ذهب الترابي وذهب قوش وسوف يذهب نافع إذا تجاوز حدوده وقد لزم غازي حدوده بعد زعلته تلك أما علي عثمان فاجاد طريقة لعب دور الرجل الثاني منذ ايام الترابي فلو حاول ان يكون الأول سوف يلحق شيخه السابق.
ما هي ايديولوجية وفكر حزب المؤتمر الوطني، كم عدد الكتب التي صدرت من اي زعيم بعد إنشقاق شيخهم الترابي أو من حزبهم، هل يكتب البشير أو يقرأ غير الصحف وبعض التقارير، لذلك لا يوجد حزب بل توجد مصلحة كبيرة اسمها الإنقاذ تتجمع حولها جماعات مختلفة لكي يأكل كل واحد نصيبه، وهناك حالة \"دافوري\" شديدة كل واحد يحاول أن يبعد الآخر وما حدث لصلاح قوش يؤكد على ذلك. فحالة \"الدافوري\" الإنقاذية تجعل من الصعب على اي جماعة معارضة الوصول لإتفاق ولذلك ما زالت قضية دارفور تراوح مكانها وسوف تستمر الحالة إلى أن ينتهي النظام. حزب الأمة طرق باب التفاوض مع النظام على أجندة وطنية ديمقراطية لتحول ديمقراطي ناعم منذ جيبوتي بل منذ عام 89 في مذكرة رئيس الوزراء الشرعي التي وجدت في جيبه عند اعتقاله وما زال الرجل يسعى بينهم بالحسنى لعلهم يهتدون، وما بين تهتدون وتفلحون صب حبر كثيف فلم يهتدوا ولم نفلح في ازاحتهم. لكل ذلك فالتفاوض معهم مثل التفاوض في سوق \"ام دفسو\" حيث لا قانون ولانظام في هذا السوق وانما تدفع نقداً وصاحب اعلى الصيحات واقواها يجد نصيباً أكبر. نيفاشا كانت الإستثناء ولم ينجح التطبيق لكي تكون الوحدة جاذبة والغرب وأمريكا علموا مواضع ضعف النظام وضعف الجنرال في تهمته الكبيرة واستغلوا ذلك وضغطوا عليه إلى أن نفذ جزء كبير من الإتفاق وذهب الجنوب وأصبح جمهورية جنوب السودان.
لقذ ذهب الجنوب لحال سبيله ونتمنى لهم حظاً سعيداً في إقامة دولة نموذجية ديمقراطية تتحقق فيها التنمية ويحترم فيها حق الإنسان في الحياة والعيش الكريم، ولكن ما تبقى مما كان يعرف بجمهورية السودان ماذا نحن فاعلون؟ هل نواصل السير في الطريق القديم ونقع في نفس الجحر الذي ترقد فيه حية رقطاء تتلوى اسمها الإنقاذ حيث تلدغنا من نفس الجحر لأكثر من مرة؟ إذا فعلنا ذلك ومشينا في نفس الطريق خطىً وخطأ فلا حياة لمن تنادي وليهنأ الجنرال وشلته في مزيد من السنوات والمناورات. اعتقد يجب أن نتأمل في تجربة ذهاب الجنوب وماذا حدث طوال العقدين المنصرمين وندرس تجربتنا في المعارضة، ولماذا فشلنا فيما نجح غيرنا وبرغم قولنا بأستاذيتنا كشعب قائد في طريق الإنتفاضات، أين الخلل وما هي المشكلة؟ هل المشكلة في الشعب كما يقول البعض؟ هل نستورد شعباً؟ لا المشكلة فينا كأحزاب وكنخب ومثقفين. لم نستطيع أن تكون لنا همة نهزم بها الإنقاذ على الصعيد اليومي فقد ابتزونا بموضوع الشريعة برغم ممارساتهم التي هي ضد الشريعة السمحاء ولم نطور أفكار تهزم رؤيتهم وتقنع الشعب بخطل فكرهم وانتهازيتهم وأن الموضوع دنيا لأن من يسعى للآخرة يعدل بين الناس ولا يعذب ولا يقتل الأبرياء حيث اعترف الجنرال بقتله عشرة الاف مسومين من أهلنا في درافور. واقبلنا بعضنا على بعض نتلاوم في المسئولية، الأحزاب الجديدة تتهم الأحزاب القديمة وبعض المثقفين يتهمون بعضهم البعض والنظام سادر في غيه وطغيانه والكل في حالة نضال غير واضح المعالم.
يجب أن نبدأ بداية جديدة والبداية الجديدة تتطلب التوقف عن المماهاة مع النظام في مفاوضات بدون توازن قوى، مفاوضات سوق \"أم دفسو\" كما سميتها، وتوازن القوى الذي اقصده فاما أن تكون لك قوى عسكرية وجيش أو قوى جماهيرية منظمة تخرج وتهدد النظام فإذا لم تستطع أن تكون لك قوى تهدد النظام في وجوده فسوف لن يتفاوض بحسن نية، فقد فعلت الحركة الشعبية وجيشوا المجتمع الدولي ضد النظام فإستطاعوا أن يجبروا النظام على التفاوض بحسن نية واجبروه على تقديم تنازلات أوصلتهم لمرادهم في قيام دولتهم ولكن كيف نقيم دولتنا في الشمال بدون استراتيجة واضحة لتغيير النظام؟ الأمر الثاني الحرية لها ثمن وتضحيات فإذا كنا نريد أن تحل الإنقاذ نفسها عبر مفاوضات سوف ننتظر عقد آخر أو عقدين حتى ينهار النظام بشكل ذاتي، فلكي نعزف نشيد الحرية نحتاج لقادة يلهموننا هذا النشيد ولكي نغنى للوطن كما غنى الخليل نحتاج لطريقة عمل جديدة ولكل طريقة شيخ ولكل شيخ طريقة ولكل شيخ ملهم مريدين من احباب الديمقراطية والحرية ومحبيها سوف يقدمون أنفسهم قربانا من اجل المجموع الكلي.
للخروج من هذه المتاهة اقترح أن نبدأ بشكل مبسط في:
أولاً: الإتفاق على دستور دائم يحدد فيه كيف يحكم السودان واقناع الشعب بالنضال من اجل الدستور الدائم المتفق عليه ويمكن اقناع بقية القوى السياسية من اهل دارفور وبقية المناطق لضمان حقها ونصيبها في السلطة والثروة بشكل دستوري مقنن.
ثانياً: تشكيل حكومة ظل تقوم بالعمل اليومي وكأنها حكومة حقيقية ترصد كل ممارسات النظام وكل واحد في وزارته ومجلس وزارته يضع الخطط لسودان المستقبل وحتى اذا انهار النظام تكون لدينا بدائل جاهزة وحتى لا نغرق في ظلمات التخبط.
ثالثاً: تشكيل جهاز انتفاضي وجلب الدعم له من المغتربين ومن الخارج يعمل بخطط واضحة وبخطوات محسوبة.
رابعاً: دعم التنظيمات الجديدة مثل قرفنا وغيرها ورفدها بالكادر والمال لتقوم بالتعبئة المطلوبة لخروج الجماهير وابتداع وسائل جديدة غير تقليدية لأن النظام خبر الطريقة التقليدية في قيام مظاهرات وجفف منابع الإنتفاضة منذ سنواته الأولى.
الأحزاب وبعض النخب يعملون ويعلمون وقد قدموا تضحيات كبيرة ولا يجب أن نغمطهم حقهم في النضال ولكن طريقة العمل هذه لم توصلنا لنتيجة لذلك يجب تغييرها واعادة بناء الأحزاب بشكل جديد يراعي التطور المجتمعي والتكنولوجي الذي حدث فطريقة الوثائق والمناشير وصب الكلام من أعلى لأسفل لم تعد تجدي فتيلا ولا قتيلا، لابد من التفكير في قيادة جماعية عن طريق مؤسسات حقيقية وليس شكلية، لابد من العمل بخطط واستراتيجيات صادرة عن مراكز دراسات إستراتيجية وتطبيق منهج صارم في النضال مع وضوح الخط السياسي فلا يمكن ان تكون معارض ومتماهي ومتوافق مع النظام على اي اجندة وطنية او اجنبية مستوردة أو أصلية او تيوانية، هذا يجب أن يكون أول الطريق المؤدي للحرية وبعدها بناء مؤسسات حزبية فاعلة تسطيع هزيمة النظام على الصعيد اليومي وبناء جهاز انتفاضي شعبي وسط الشعب عندها سوف لن يستطع النظام البقاء وسوف يغرق الجنرال في تهمته وسو ف تخرج الأحزاب من متاهتها التفاوضية.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1018

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة