المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
المعروف والمسكوت عنه في قضية الوحدة والسلام
المعروف والمسكوت عنه في قضية الوحدة والسلام
07-13-2010 09:34 PM

المعروف والمسكوت عنه في قضية الوحدة والسلام

د. عبدالوهاب الأفندي
[email protected]

(1)

في ندوة مشهورة ومشهودة عقدت في مدينة بيرغن النرويجية مطلع عام 1989، فجر المفكر والدبلوماسي السوداني المعروف د. فرانسيس دينج قنبلة حين قدم ورقة عنوانها: \"ما لا يقال هو ما يفرق بيننا\". ما رمى إليه فرانسيس في مداخلته كان التنبيه إلى اعتقاده بأن الحوار حول الوحدة والسلام في السودان يركز على الشكليات ويغفل جوهر الخلاف، وهو بحسب فرانسيس يدور حول قضايا الهوية والدين والنظرة الدونية لأهل الجنوب عند الشماليين. وهذه كلها مسائل يتنبكها الحوار الذي يركز على البديهيات والعموميات.

(2)

عادت النقطة التي طرحها فرانسيس قبل أكثر من عقدين من الزمان إلى الواجهة بعد قرار الحكومة الأخير إعادة فرض الرقابة على الصحف السودانية وحظر صحيفة \"الانتباهة\" المعادية للحركة الشعبية، وهو قرار قالت المصادر الرسمية أن المقصود منه منع التشويش على جهود الترويج للوحدة بين يدي الاستفتاء المتوقع عقده في يناير المقبل. فهذا القرار يعيد طرح القضية من جديد بإثارة التساؤل: هل السكوت عن إثارة القضايا الخلافية هو الأفضل أم إثارتها ومعالجتها؟

(3)

تاريخياً كان هناك تباين في المواقف حول هذه القضية. على سبيل المثال نجد الكونغرس الأمريكي اتبع سياسة \"قاعدة التكميم\" تجاه قضية الرق وتحرير العبيد في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية الأمريكية بسبب الخلاف العميق بين ولايات الشمال وولايات الجنوب حول هذه القضية، وذلك لتجنب تفجر خلافات لم يكن هناك سبيل إلى حسمها. وكما هو معروف، فإن هذا التحوط لم يمنع تفجر الحرب الأهلية.

(4)

هناك تكميم من نوع آخر تعارفت عليه المجتمعات المتحضرة، وهو منع التفوه بالألفاظ الجارحة أو التعبير عن المشاعر العنصرية أو الاحتقار للأفراد أو الجماعات. ولكن منع التعبير عن المشاعر وحده لا يكفي إذا كانت المشاعر غالبة وفاشية في المجتمع، إذ لا بد من علاج أصل المشكلة لا مجرد التستر عليها.

(5)

من هنا تأتي المعضلة. فمن نافلة القول أن السباب وقول السوء مما لا يحبه الله ولا يرضاه، وهو ليس مما يقرب بين الناس، بل الدفع بالتي هي أحسن هو ما يحول العداوة إلى ود وتآلف. ولكن بنفس القدر فإن علاج قضايا الخلاف يقتضي أن يصرح الناس بما في نفوسهم، وأن تقع المصارحة والمواجهة حتى تكشف حقيقة الأمور، فتكون المعالجة على بصيرة.



(6)

كيف إذن يمكن ضبط هذه المعادلة؟ بالقطع ليس بإسكات الأصوات، لأن ذلك أشبه بدفن الرءوس في الرمال، وتمني الأماني بأن ما لا يقال لا يفكر فيه ولا يعمل على أساسه. وفي نفس الوقت فإنه ليس من المقبول أن يكون لكل من شاء أن يتحدث على هواه، حتى وإن آذى الآخرين بغير وجه حق.

(7)

الأنظمة الديمقراطية الحديثة سعت لضبط هذه المعادلة بفتح أوسع مجال من الحرية لكل من شاء أن يعبر عن رأي أو يحكي حكاية.ولكن بنفس القدر فإن كل من يتضرر أو يتأذى مما قيل له الحق في أن يلجأ للقضاء لإنصافه.

(8)

مهما يكن فلسنا في السودان في وارد التحول لحقل تجارب، وليس هناك مجل لممارسة لتجريب المجرب وغير المجرب في وقت تتسارع فيه عقارب الساعة باتجاه تقرير مصير البلاد ككل، وليس الجنوب وحده. ومن أوجب الواجبات هذه الأيام عدم افتعال صراعات جانبية في ظروف يحتاج فيها الجميع إلى رص الصفوف لمواجهة التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد. ولكي ترص الصفوف لا بد من أن تسمع كل الآراء والأصوات الحادبة على الوطن، وتقبل كل المساهمات.

(9)

أعتقد أن فرانسيس كان جزئياً على حق حين قال إن المسكوت عنه جوهر الخلاف. ولكن هذه المقولة لا تستوعب الإشكاليةالراهنة. صحيح أن هناك مواقف تاريخية وعدم ثقة بين الشمال والجنوب، وتحيزات من الجانبين وسوء فهم، حتى لا نقول عنصرية. ولكن هذه الأمورليست السبب المباشر للأزمة الحالية التي لا بد أن نمسك بمقابضها السياسية.

(10)

الدليل على ما نقول هو أن قطاعات واسعة ممن يتهمهم أهل الجنوب بالتحيز هم اليوم أنصار وحلفاء للحركة الشعبية، وبعضهم أصبحوا أعضاء فيها، كما أن هناك قوى جنوبية لا يستهان بها تحالف مع قوى شمالية. وعليه لا بد من البحث عما هو أبعد من مجرد المواقف المسبقة.

(11)

في ورقة مشتركة صدرت هذا الأسبوع في العدد الأخير من دورية (Contemporary Arab Affairs) حاولت والصديق فرانسيس أن نعالج تحديداً البعد السياسي لقضية الوحدة، مع عدم إغفال الجوانب الأخرى. وكانت خلاصة ما جاء في الوقة هو أن التوافق على نظام سياسي مقبول من شريكي السلام هو المفتاح لضمان انحياز أهل الجنوب للوحدة، وأن الجهود يجب أن تنصب باتجاه هذا التوافق.

(12)

نؤكد هنا مجدداً على هذا الرأي، ونتمنى على أهل الشأن ألا يضيعوا وقتنا ووقت البلاد، لا في الصراخ غير المجدي ولا في محاولات تكميم الأفواه في وقت أصبح فيه كل ما يمكن أن يقال معروفاً.

(13)

حاشية أخيرة: الوقة المشتركة المذكورة كان من المتوقع أن تلقى في مؤتمر دعت إليه بعثة الأمم المتحدة في السودان ليعقد في مطلع هذا العام، ولكن التوافق المطلوب بين شريكي الحكم للمشاركة في المؤتمر لم يتأت بعد لأسباب عدة. وفي هذا ما يكفي للتعبير عن واقع الحال.

القدس العربي

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1923

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#7294 [Aamer]
0.00/5 (0 صوت)

07-14-2010 01:43 PM
نظام سياسى مقبول like1989 او ماقبله او جديد اونجرب المجرب كما قلت يااخى لايصلح العطار ماافسدته انت وزملائك لعمرى لن يصلح حال البلد الا اذا توارى من افسدوها لا تقول لى امم متحده امريكيا او.................... الدول تقوم بأجتهادات ابنائها الشرفاء يا....


د. عبدالوهاب الأفندي
د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية
تقييم
1.07/10 (64 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة