07-24-2011 09:47 AM

تحليل سياسي

مبادرة لله يا محسنين!

محمد لطيف
[email protected]

شبّه البعض المشهد السياسي اليوم بذات المشهد في أعوام النصف الأول من عقد الألفية المنقضي قبل عام... وفي ذلك الوقت بدأت أولى الخطوات المنظمة لحركات دارفور... وبدأ بروز الخطاب المطلبي للحركات على ضعفها ومحدوديتها.. وبات جليا للعيان أن المسألة لم تعد ذلك المصطلح الرائج الموسوم بـ(النهب المسلح)... فالنهابون يجوسون خلال القرى والفرقان.. والمدن أحيانا إن واتتهم الجرأة.. ويقطعون الطرق... ولا يعتصمون بالجبال ويطلقون مطالبهم.. كان الفرق أن عناصر النهب المسلح تجتهد في إخفاء نفسها والنأي عن أي اتصال مع السلطة أيا كان مستواها... ولكن أولئك الذين ظهروا في تلك الفترة نحوا منحى معاكسا حين اجتهدوا في الإعلان عن أنفسهم وإشهار مواقفهم ومن ثم مطالبهم.. أذكر أنني شهدت اجتماعا في تلك السنوات الأولى من استفحال أزمة دارفور بدعوة من السفير الليبي حينها السيد عمر الحامدي بمقر إقامته بالخرطوم.. كان جل حضور الاجتماع من أعيان دارفور.. ساسة ورجال إدارة أهلية وناشطين مدنيين... وإعلاميين... (قناعتي بالدور الليبي السالب لم تتغير قبل وبعد ذلك اللقاء)، كان الحديث منصبا حول أن الدولة (بتعنتها) وعدم تقديرها الصحيح للأمور قد ساعدت في تفاقم الأزمة... كان هناك من قال إن كلفة الحل كانت في حدود 13 مليون جنيه (بالقديم) ثم ارتفعت إلى 18 مليون جنيه بعد أن تعنتت بعض أطراف الحكومة... حتى وقع الهجوم على مطار الفاشر، ثم انفجر الوضع وخرج عن السيطرة، وتحولت دارفور إلى محجة إقليمية وأممية... ومزار يقصده كل من أراد المتاجرة بالأزمات..!
ولسنا في حاجة لمقدمة أخرى تربط المشهدين.. السابق واللاحق... فثمة أزمة تتشكل بوادرها الآن.. ودعونا لا نقف كثيرا عند المسميات والمصطلحات.. من تلك التي على شاكلة الجنوب الجديد... أو قوى الهامش.. أو الحزام الأفريقي.. فليس هذا موضوعنا اليوم.. وفي نهاية الأمر كلها مسميات لجغرافيا سودانية أو ما بقي منه... مع الاعتراف بأن شريط الأزمة الممتد من جنوب دارفور إلى جنوب النيل الأزرق يشكل بالفعل جنوبا جديدا من حيث الجغرافيا.. والتحدي الماثل الآن أمام النخبة السودانية.. حاكمة ومعارضة.. وتلك التي تتفرج.. هو أن لا تتحول هذه الجغرافيا إلى أزمة سياسية مقيمة كما حدث للجنوب القديم تكون فيها النهايات مفتوحة الاحتمالات... وأسوأ ما في أي شيء.. وخاصة في السياسة.. أن تفقد زمام المبادرة.
ولئن كان من رابط بين مشهدي منتصف العقد الماضي من هذه الألفية ومطلع هذا العقد، فهو أننا فقدنا زمام المبادرة في الأولى، ثم غدونا نشكو لطوب الأرض من التدخلات الأجنبية واستغلالها للأزمة، بل وإعادة إنتاجها من الخارج حتى لكان المراقب الداخلي يكاد يضل عنها لاغتراب ملامحها واكتسائها بأجندات أخرى.. والمشهد الآن يشي بذات الملمح...!
بين يدينا الآن رتل من المبادرات بدأت من منبر السياسات بجامعة الخرطوم وبمبادرة من معهد أبحاث السلم بالجامعة.. وهي مبادرة قد تأسست في الواقع حتى قبل أن تنفجر الأزمة في جنوب كردفان وتتحول إلى مواجهة شاملة.. أعقبتها محاولة الوفد المشترك للشريكين سابقا والذي ضم نخبة من نجوم المفاوضات وذهب إلى كادوقلي وتوصل لاتفاق انهار وطائرة الوفد لم تغادر سماء كادوقلي.. ثم جاء الاتفاق الإطاري بكل تعقيداته فتجمد.. ثم جاءت مبادرة القوى السياسية بجنوب كردفان.. التي زار وفدها العاصمة والتقى المسؤولين وطاف على المنابر.. دون أن يحقق شيئا، حتى الآن على الأقل...!
ولن يكتمل المشهد إلا بالإشارة لما يجري في جنوب الأزرق.. فمنذ أن برأ الدكتور الراحل جون قرنق ذمته تجاه أبناء المنطقتين في الحركة الشعبية ونجح في افتراع بروتوكولين إضافيين ربطا جنوب كردفان والنيل الأزرق، أصبحت ثمة متلازمة قائمة في السياسة السودانية تربط بين الولايتين.. والدليل أن ما حدث بجنوب كردفان يلقي بظلاله مباشرة على النيل الأزرق.. وربما يعتقد البعض.. دون علم بالطبع.. أن ثمة بعدا جغرافيا يفصل بين الولايتين، وبالتالي ينأى بالتداعيات السياسية في كلٍ عن الأخرى.. وهذا ليس صحيحا.. بل العكس هو الصحيح.. وفي تقديري أن الجغرافيا هي أسوأ ما في الموضوع... صحيح أن الولايتين غير متجاورتين.. ولكن الصحيح أيضا.. أن الذي يفصل بينهما ليس أرضا سودانية.. بل هي مساحة من الأرض تتبع لجنوب السودان في شمال ولاية أعالي النيل.. وهي مساحة محدودة من الأرض تمتد في شكل لسان يفصل بين الولايتين شرقا وغربا ثم تمضي شمالا حتى تلامس الحواف الجنوبية لولايتي سنار والنيل الأبيض.. وكأني بها تمد لسانها ساخرة... وهذه المساحة المحدودة التي لا تتجاوز بضعا من الكيلومترات... وطالما هي أرض (خارجة عن السيطرة) فهي قادرة على توفير التواصل المطلوب.. بل وتوفير الدعم المطلوب.. بل هي قادرة كذلك على توفير (المرور الآمن) إن دعا الحال.. فإن كانت هي قادرة.. فلاشك أنها راغبة..!!!
إذن... نحسب صادقين.. ونظن.. وليس كل الظن إثما... أن لا أحد يرغب في إعادة إنتاج أزمة جديدة تكاد تطابق سابقتها حذو كالنعل.. بعد أن دفع السودان ثمنا باهظا في الأولى.. ولا زال يدفع... قد يُنظّر المنظرون ويجتهد المجتهدون في إيجاد فوارق بين المشهدين.. للتأكيد على نظرية أن أزمة دارفور لن تتكرر.. ولسنا متشائمين على كل حال.. ونتمنى أن يصيبوا ونكون من المخطئين... ولكن.. لن يختلف اثنان في أن المقدمات هي التي تقود إلى النتائج... وأن النتائج دائما ما تكون مطابقة لمقدماتها.. فإن قبل الناس بهذا المنطق.. ولا فكاك من قبوله.. فالمقدمات الماثلة الآن لا تبشر... بخير...!
الأسبوع الماضي اتصل بي سياسي معروف وهو أكاديمي بارز... طالبا إليّ النظر في ابتدار مبادرة وطنية تخرج بالسودانيين من عنق الزجاجة... لقد ظن بي الرجل خيرا.. ولست بخير منكم... وهأنذا أظن بكم خيرا.. قرائي الأعزاء وأحيل إليكم الطلب...!
ولكن.. قبل أن أختم استميحكم في أن أنقل لكم قصة أخرى.. بعد نحو ساعة من اتصال السياسي الأكاديمي تلقيت مهاتفة أخرى من أحد قيادات الحركة الشعبية.. كنت أنا مستمعا فقط وهو يختتم مكالمة مطولة بقوله... خلاص أصلا إذا كان هم عايزين يعيدوا ولاية غرب كردفان تكون المشكلة حلت نفسها.. المؤتمر الوطني يحكم غرب كردفان... بالشرعية الانتخابية القائمة حاليا... ثم تتم الدعوة لانتخابات جديدة لجنوب كردفان ووفق ترتيبات سياسية تحكم الحركة جنوب كردفان!!!!

الاخبار





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1561

خدمات المحتوى


التعليقات
#184067 [wedhamid]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 09:12 PM
الاستاذ محمد لطيف

اولا نحن على يقين انو لا يمكنك ابدا ان تبدى من راى كتابة الا بعد ان تكون قد عرضتها لقريبك الرئيس بعد صلاة المغرب اياه!!!! و اخدت الموافقه الضمنية للنشر !!!
وانت عارف انو كل المشاكل الفى السودان اساسا سياسى و جماعتك العسكر هؤلاء لا فكر سياسى لهم ..........ديل من الكلية الحربيه بيلقنوهم زى شفع الروضه الا سياسه !!!و دليلى على انو قريبك لما جاء بالانقلاب قال انو و جون قرنق عساكر و انهم ممكن يتفاهموا فى حل مشكلة الجنوب لمّـا وصّل الحالة للانفصال !!! ده حل العسكر!!
و ثانيا حديث السفير الليبى الذى اوردته لو استوعب حينها يمكن ما كنا وصلنا للحالة و الكلام كان صاح و لكن فهمك القاصر لم تستوعبو برضو زى ناسك ديل وو صفته بالسالب !! اقتبس من مقالك (( أذكر أنني شهدت اجتماعا في تلك السنوات الأولى من استفحال أزمة دارفور بدعوة من السفير الليبي حينها السيد عمر الحامدي بمقر إقامته بالخرطوم.. كان جل حضور الاجتماع من أعيان دارفور.. ساسة ورجال إدارة أهلية وناشطين مدنيين... وإعلاميين... (قناعتي بالدور الليبي السالب لم تتغير قبل وبعد ذلك اللقاء)، كان الحديث منصبا حول أن الدولة (بتعنتها) وعدم تقديرها الصحيح للأمور قد ساعدت في تفاقم الأزمة... كان هناك من قال إن كلفة الحل كانت في حدود 13 مليون جنيه (بالقديم) ثم ارتفعت إلى 18 مليون جنيه بعد أن تعنتت بعض أطراف الحكومة... حتى وقع الهجوم على مطار الفاشر، ثم انفجر الوضع وخرج عن السيطرة، وتحولت دارفور إلى محجة إقليمية وأممية... ومزار يقصده كل من أراد المتاجرة بالأزمات..! ))
و لو حكومة العسكر حينها اخذت بتلك النصيحة و ما كانت صممت على الحرب و القوة المتـهّـورة وعينّت اغبى افرادها و المعروف بالتهوّر و الفـتـونة لمّا لقبو بالطيب سيخه مسئولا لانهاء المسالة بالرجالة حسب تعبير العسكر !!! كانت وفّرت الانفس و الممتلكات و تجنب قريبك فضيحة المحكمة الدولية و هواجس اوكامبو لحين القبض عليه !!!!!
و ثالثا الامل لازال متوفرا لتوفير المعاناة و لتفادى الكوارث ان تنصح قريبك دا يكلف بالحل للجنة قوميه تضم اصحاب الشان و من نسميهم بالاجاويد و الفاهمين المسالة حتى و لو كانوا من المعارضين للنظام ( عشان بعدين هم يتحملوا وزر اى فشل !!)و يبعد عنها المشير سوار الدهب و الرجرجه الفشلوا فى المهام الاوكلت لهم فى السابق و افندية المؤتمرالوطنى طالما غلبتهم الحيلة .......


#183995 [ابو النصر]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 06:29 PM
كثيرا ما تظهر بمظهر الحياد ولاكنك ابعد ماتكون عن الحياد مفروض يطلق عليك لقب الصهر الرئاسي تيمنا بقريبك الخال الرئاسي لافرق بينكم تستحق اللقب بجدارة


#183942 [TIGER SHARK]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 04:59 PM


Just tell Albashir to hang himself on the nearest tree...simple


#183941 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 04:58 PM
المركز هو الازمة السياسية وليس الهامش
بل بالعكس هذا الهامش هو الامل والفرصة الاخيرة لانقاذ البلاد من مركز مؤتمر وطني بشع.
الواجب الوكني عندي هو ان ينتقل كل اصحاب المشروع الديمقراطي قلة كانوا او كترة
لالتحام فى حوار مباشر فى قمم الجبال .مهما بدا هذا الكلام متطرفا فمقابله هو ان تتفتت البلاد اكثر
اشرحوا لنا شولة واحدة تغيرت فى نهج السلطة الذى انتهى بفصل الجنوب. ولا نتكلم من فراغ.


#183765 [ابو ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 12:38 PM
صدقني يا استاذ محمد كنت دائما اقول هؤلاء الناس اتوا لتدمير البلد وتقسيمها والعمل دا يقموا به بالتخطيط والتنفيذ وبدون ان يطرف لهم جفن عشان كده ماتتعبوا نفسكم بتقديم النصائح لانهم عارفين وفاهمين ماهم فاعلون


#183717 [عبود]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2011 11:32 AM
طيب ياخى شاطر فهمتنا انك مركز الحركة والاتصالات فى الشمال ولدى قوى الهامش والناس طالبه منك مبادرات والاصل انك وامثلك جزء من المشكلة والبلا اللى عايش فيه السودان تاكلون على كل الموائد وتتاجرون فى مشاكل الفقراء والمغلوبين على امرهم والمستضعفين فى بلد لا عدل فيه ولا قانون ما انت الصهر الرئاسى وصاحب عبدالرحيم محمد حسين والاتنين مجرمين وفى الوقت نفسه شغال قبض مع المنظمات الغربية بدعوى انك محايد مرة او مستقل مرة اخرى اتفو على شكلك


محمد لطيف
محمد لطيف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة