05-26-2010 01:04 PM

رأي

الرعب النووي

الإمام الصادق المهدي

الحرب، كما قال أبو تمام، مشتقة المعنى من الحَرب أي الخراب، ولكن في فجر الإنسانية كانت معاملات الناس خالية من مكارم الأخلاق، وأقرب إلى التوحش الحيواني. لكن الأديان، لا سيما الأديان التوحيدية، ربطت بالوحي ما بين التوحيد لله والعمل الصالح. هكذا دخلت الأخلاق في كل معاملات الإنسان.
الإسلام شرّع لحقوق الإنسان في السلم وفي الحرب، كما جاء على لسان الصدّيق رضي الله عنه مخاطبا قادة الجُند: »لا تخونوا، ولا تغُلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا، إلا لمأكلة.
وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم لما فرغوا أنفسهم فيه«. هذه الأهداف كلها تدمرها أسلحة الدمار الشامل، لا سيما النووية، لذلك فهي أسلحة لا أخلاقية. الظلم من شيم النفوس، ولا يمنع من ذلك إلا أمران؛ المانع الأخلاقي أو التحسب من الرادع الانتقامي.
في عالم اليوم، انحسر العامل الأخلاقي، وما لم يشعر الطرف المالك لسلاح نووي أن الطرف الآخر يملك دفاعا نوويا، فإنه لا يتردد في استخدامه. هذا ما حدث بالضبط في الحرب الأطلسية الثانية، إذ استخدمتها الولايات المتحدة ضد اليابان. ولكن في كل النزاعات التي تلت ذلك، وكان طرفاها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فيما يحترب آخرون بالوكالة، فإن السلاح النووي حقق توازن الرعب فلم يستخدم.
وفي أيامنا هذه يحتد الصراع في »الشرق الأوسط«، وهو صراع غير متكافئ. وما دامت إسرائيل وحدها تملك السلاح النووي، فإنها تمارس الابتزاز النووي بلا حدود.
بل وتستخدم الأسلحة النووية فعلا. ففي الحرب على لبنان عام 2006 استخدمت إسرائيل أسلحة محرمة دوليا: القنابل العنقودية، وهي قنابل إجرامية لأن الواحدة تنتشر على مدى كيلو متر مربع، و33% منها لا تنفجر في ساعتها بل بعد حين، والقذيفة تحتوي على 644 رمانة. وفي قريتي الطيري والخيام اللبنانيتين، ظهرت حفر كبيرة جدا نتيجة القصف، مما يدل على استخدام صواريخ برؤوس يورانيوم مخصب.
د. كريس باسبي، وهو عالم بريطاني، جمع 140 عينة من التربة، وأكد وجود يورانيوم مخصب. ولا شك في استهداف المدنيين، لأن ثلث الألف قتيل كانوا من الأطفال. استعمال أسلحة محظورة تكرر في غزة عام 2009.
الآن، ورغم وجود معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية منذ يونيو 1968، فإن الأسلحة النووية انتشرت بالصورة الآتية: أميركا: 000 .10، روسيا: 000 .16، فرنسا: 350، الصين: 200، بريطانيا: 200، إسرائيل: 200، الهند: 50، باكستان: 48.
هذا السلاح بالغ التدمير، فالقنبلة الواحدة تكفي لقتل 4 مليون شخص. ورغم معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في 1968، فإن انتشارها استمر. هنالك ثلاثة أسباب وراء انتشار التسلح النووي هي: الإمكانية المادية، والمعرفة التكنولوجية، والدوافع السياسية.
لا سبيل لاحتواء الإمكانيات المادية، ولا سبيل لحجب المعرفة التكنولوجية. العامل الوحيد الذي يمكن التأثير عليه، هو الدافع السياسي. هذا الدافع يتعلق بالأمن الوطني للبلدان، فإذا شعرت بلاد بأن أمنها الوطني مهدد وأن من يهددها يملك سلاحا نوويا، فإن هذا يشكل دافعا قويا لها لتسعى لامتلاكه.
إن استمرار التوتر في (الشرق الأوسط) وامتلاك أحد أطراف النزاع للسلاح النووي، بل واستعداده لاستعماله، سوف يشكل دافعا قويا للأطراف الأخرى لامتلاكه. ولا يجدي في هذا المجال وعظ أو إنذار. الجدوى الوحيدة هي القضاء على أسباب التوتر في المنطقة بوجود سلام عادل، أو إخلاء المنطقة من السلاح النووي.
أما استمرار التوتر والظلم المشاهد، وممارسة أحد الأطراف للابتزاز النووي، فسوف يخلق دافعا للآخرين لامتلاك السلاح النووي، وإن تقاعست الدول لمخاوف تعرفها، فسوف تسعى عناصر متظلمة لخصخصة التسلح النووي كما جرت خصخصة الدفاع عن الأوطان. إن صيحات »هجم الذئب« لا تجدي في معالجة هذا الملف، بل الجدوى كل الجدوى في إزالة أسباب التوتر وتحقيق السلام العادل، وفي إخلاء المنطقة من السلاح النووي.
أما التكنولوجيا النووية فلا أحد يستطيع حجبها، ومعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية نفسها لا تمنع انتشار المعرفة التكنولوجية النووية، لذلك انتشرت بصورة أكبر من انتشار التسلح النووي.
والآن يوجد في العالم 140 موقعا فيه مفاعلات طاقة نووية، للأغراض المدنية وللأبحاث الجامعية، وهذه المواقع فيها يورانيوم مخصب.
إن استخدام الطاقة النووية للأغراض المدنية، مثل توليد الكهرباء، دافع شائع لا يمكن ولا ينبغي منعه. نعم، الانتقال من الاستخدام المدني للعسكري، ممكن إذا توافرت المعرفة التكنولوجية والمال والدوافع الأمنية والسياسية.
لأول مرة جاء في الولايات المتحدة رئيس يتحدث عن الملف النووي بصورة محترمة أخلاقيا، إذ دعا لإخلاء العالم من الأسلحة النووية. وأقول بصورة أخلاقية، لأن المواقف السابقة تقوم على الكيل بمكيالين، بحيث يقول الذين يملكون ترسانات نووية للآخرين: لا للتسلح النووي.
فيقعون في:
إذا فعل الفتى ما عنه ينهى فمن جهتين، لا جهة، أساء!!
جاء أوباما للبيت الأبيض يزفه شعار التغيير، ولكن واجبات الحكم جعلته يتحالف مع بعض دهاقنة الحرس القديم الذين يقاومون التغيير. وفي الكونغرس لوبيات متمترسة في الدفاع عن مصالح في مجال التسلح، سماها الرئيس الأسبق دوايت إيزنهاور الشبكة الصناعية العسكرية.
إن وراء الصناعة النووية العسكرية في أميركا مصالح لا يستهان بها، ويمكن قياس حجم هذه المصالح بحجم الإنفاق على التسلح النووي منذ عام 1940 حتى الآن، إذ يبلغ 5 .5 تريليونات دولار!! هذا مع أنها لم تستعمل إلا مرة واحدة.
والحقيقة أنه لا توجد أهداف عسكرية لا يمكن تحقيقها بالأسلحة العادية. ومنذ نهاية الحرب الأطلسية الثانية، خاضت الولايات المتحدة حروبا كثيرة هزمت في بعضها كما في فيتنام، ولكنها لم تستخدم السلاح النووي الاستراتيجي. منعها من ذلك توازن الرعب.
التطلع لإخلاء العالم من الأسلحة النووية هدف حميد، ولكنه بعيد. الأقرب منه والأوجب بسبب ظروف التوتر واختلال التوازن، هو تحقيق ذلك في نطاق »الشرق الأوسط«. إذا استحال ذلك في هذا النطاق المحدود، فإنه في نطاق العالم أكثر استحالة.

صحيفة البيان الإماراتية

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2491

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الإمام الصادق المهدي
الإمام الصادق المهدي

مساحة اعلانية
تقييم
1.36/10 (85 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة