في


المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
قراءة في المشهد السياسي: مرة أخرى نقولها…إرحل!ا
قراءة في المشهد السياسي: مرة أخرى نقولها…إرحل!ا
08-04-2011 01:00 PM

قراءة في المشهد السياسي: مرة أخرى نقولها…إرحل!

د. الشفيع خضر سعيد

· الشروع في بناء الجبهة العريضة لا يعني نفي أو الحكم بإعدام ما هو موجود من مواعين العمل المعارض. لكن الكلمة، أو الجملة، المفتاحية هنا هي العمل الجماهيري في القاعدة كأساس.

في البدء، لا بد من إنحناءة إجلال وتقدير للصحفية المبدعة، الأستاذة أمل هباني، التي ظلت تبث الوعي بقيم كبيرة من خلال “أشياء صغيرة”، والتي كرمتها منظمة اليونسيف بأول جائزة وطنية إعلامية تخصصها اليونسيف بالسودان (2009)، فكرمها القانون الجنائي وقانون الصحافة والمطبوعات، هي ومن قبلها زميلتها الأستاذة فاطمة غزالي، بالسجن شهرا لإصرارهما على أداء واجبهما على أكمل وجه! فالتحية لهما وهما ترضيان بالسجن ثمنا لكلمة حق وراحة ضمير. والتحية للأستاذ الصحفي سعد الدين إبراهيم الذي لم تزده الإدانة والغرامتان القاسيتان إلا تمسكا بحرية الرأي وحرية التعبير. والتحية لكوكبة الصحفيين الشرفاء، الصامدين في السجن، أباذر الأمين وجعفر السبكي وزملائهما، أو الذين هم في انتظار الأحكام المماثلة، وليكونوا على يقين تام بأن كل الشعب السوداني يقف معهم مدركا من هو الأولى بالعقاب وبالسجن. فلنحني هاماتنا لكل الصحفيين السودانيين الذين رفضوا تماما بيع ضمائرهم، فلم يصمتوا عن قول الحق وإنصاف المظلومين ومناصرة القضايا الوطنية، بل ظلت أسنة أقلامهم مشرعة في وجه هذا النظام بكل جسارة، يكشفون تناقضاته وفساد بطانته، ويطالبون بإرساء دعائم الحق والعدل، ومبادئ المحاسبة والشفافية. أمثال هولاء، تظل ضمائرهم مرتاحة، ويظلون أحرارا، حتى وهم في زنازين الحبس. وقديما، يقول محبوا الحكمة، إن حرية الإنسان تبدأ وتتجسد في تلك اللحظة التي يتمكن فيها وعيه من فهم ومعرفة وإدراك الضرورة الموضوعية، أي القوانين، التي تحكم تطور العالم المحيط به، وتطورعالمه الخاص، والتي تؤدي فعلها غض النظر عن رغبة هذا الانسان في هذا الفعل. وهذه الضرورة الموضوعية عندما يدركها ويعيها الانسان، تتحول إلى مضمون داخلي لمعتقداته، وعند هذه اللحظة تحديدا، يبدأ الانسان في التصرف بحرية، طبقا لمعتقداته وقناعاته، ويصبح في الوقت نفسه أداة لتلك الضرورة الموضوعية. بهذا الفهم، يمكننا القول بأن الصحفي المسجون بسبب آرائه ومعتقداته، مثله مثل أي مناضل آخر، يشعر أنه حرُُ بالنسبة لتلك الضرورة في سياقها التاريخي، في حين أن سجانيه ليسوا أحرارا تجاهها، بل هم الذين رهن السجن والإعتقال داخل أسوارها. ومن زاوية أخرى، فإن أسلوب التشفي والانتقام، مثل الأسلوب الذي ينتهجه النظام مع الصحفيين والمعارضين له، قد يريح صاحبه ويشفي بعضا من غليله، ولكنها راحة مؤقتة وشفاء زائف في نفس الوقت. لأن هذا الأسلوب، في الجانب الآخر من المعادلة، سيزيد من تراكم النقمة والغضب، وسيساهم في رص الصفوف وتوحدها تمهيدا للإنفجار. وعموما، إذا كانت الحكومة تعتقد أن هجمتها على الصحافة والصحفيين ستحميها وتمنع كشف عيوبها ومساوئها، فهي واهمة تماما. ثم أن النظام لم يعد بحاجة لمن يكشف عيوبه ومساوئه، فحاله بين وواضح لا يحتاج إلى أي كشَاف مادام الشعب يتضور جوعا ويعجز عن شراء الخبز والدواء، بينما القلة من سدنة النظام ترفل في ما تعتقده نعيما، وتظهر على الشاشة البلورية متوردة الخدود.

أعتقد أن حكام الانقاذ يواصلون هوايتهم في ممارسة السياسة بطريقة النوايا المضمرة. فالصفحة الأخيرة في معظم الصحف اليومية يحتلها إعلان مدفوع الأجر من حكومة ولاية الجزيرة يتحدث عن إحتفال ما بالذكرى 22 لإنقلاب الإنقاذ. ويوحي الإعلان بأن الاحتفال سيعدد المنجزات الباهرة التي أنجزها حكم الانقاذ خلال تلك الفترة. مباشرة جاء في ذهني، وأعتقد سيشاركني في ذلك الكثيرون، سؤال بسيط في شكل كلماته، لكن مضمونه يحمل معنى الألم والحزن والغبينة: يا ترى، هل من ضمن تلك المنجزات سيحتفل الإنقاذيون بذبح الوطن ويهنئون بعضهم بعضا بالتخلص من جنوبه؟! أيضا، جاء في الأخبار، أن الاستاذ علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية، لدى لقائه بالوفود المشاركة في الندوة الاقليمية حول إدارة التنوع في إفريقيا، دعى للإستفادة من التنوع الذي تذخر به القارة الافريقية، وأكد حرص حكومة السودان على توحيد القارة الافريقية! ومرة أخرى، أخذت التساؤلات تعصف بذهني، وهي بالطبع تساؤلات لا تنتظر إجابات أو توضيحات، لأنها، في طياتها، تحمل كل الإجابات الممكنة. تساؤلات من نوع: ألا يشعر السيد نائب الرئيس بتناقض ما، كون سودان الانقاذ لم يستطع أن يطيق أو يحتمل مثل هذا التنوع الذي يذخر به السودان؟ كيف يجرؤ نظام الانقاذ على الإدعاء بأنه سيوحد القارة الافريقية، وهو فشل تماما في إدارة صراعات الموارد والهوية في البلاد، وفشل فشلا ذريعا في المحافظة على معادلة التنوع والتعدد في إطار الوحدة؟ وهل توحيد القارة الأفريقية هو بهذه البساطة في ظل واقع أن العديد من بلدانها لا تزال ترزح تحت نير السياسات والبرامج الاقتصادية والعلاقات غير المتكافئة مع الدول الصناعية الكبرى، مما يجعل السائد في بلدان القارة النزاعات والصراعات المتولدة من المشاعر البدائية المرتبطة بالتعصب القبلي والإثني والديني، والناتجة أيضا من الثالوث الذي مازال مرابطا في القارة: الجهل والفقر والمرض؟ أم هي عقدة الذنب الكبرى؟ من قال لحكام الانقاذ أن التناقض بين خطاب الداخل والخارج هو أحد فنون السياسة؟ ثم، كيف يستطيع نظام، توسع فيه الشرطة المتظاهرين من أجل نقطة ماء ضربا وبمبانا، كيف يستطيع إدارة مسألة معقدة كمسألة التنوع في إفريقيا؟ من البداهة أن النظام الذي يعشق لعبة الخروج من حرب ليدخل أخرى لايستطيع أن يوفر الارضية المناسبة لتعايش التعدد والتنوع، ومن البداهة أن الحكومة التي تسببت في فصل بلد قارة لا تستطيع توحيد قارة!

أكاد أجزم، بأن الهم الأول والأساسي عند السودانيين جميعهم، في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة بعد انفصال الجنوب، ليس هو تفاصيل الجمهورية الثانية، أو الاتفاق على حكومة ذات قاعدة عريضة، وليس هو تغيير رموز المؤتمر الوطني من الصف الأول بقيادات أكثر شبابا من الصف الثاتي كما إقترح رئيس تحرير إحدى الصحف اليومية وفصل إقتراحه مطالبا بتنحية علي عثمان وعلي كرتي، بعد أن برّأ الرئيس «البشير» من فشل إدارة البلاد ومسؤولية فصل الجنوب، ذاكرا بالنص أن البشير هو “الوحيد من بين جميع القيادات السياسية، والعسكرية، والمجتمعية في السودان، الذي تتوفر له فرصة لإحداث التغيير المنشود”…، بل الهم الأول والأساسي هو أن يرحل هذا النظام، بكل رموزه، عن السلطة فورا حتى نضع حدا للحرب في دارفور وجنوب كردفان، ونزيل التوتر في الشرق والشمال، ونعالج كل قضايا ما بعد الانفصال عبر الحوار والتفاهم بطريقة سودانية. وكنا في مقالنا السابق قد شددنا على أنه آن أوان إنخراط الجميع في عمل جبهوي واسع لإنقاذ البلاد من سياسات (الإنقاذ)، والضغط من أجل تحقيق عدد من الأهداف الحيوية والمحورية التي ينادي بها الشعب، سواء في دارفور أو كردفان أو جنوب النيل الأزرق أو الشرق أو الجزيرة والأواسط أو الشمال أو في الخرطوم. وفي ذات المقال، أشرنا أيضا إلى أن واقع ما بعد الانفصال يدفع إلى المقدمة بالحوجة الماسة إلى مثل هذا العمل الجبهوي العريض، والذي يبدأ من البسيط إلى المعقد، وبمختلف الأشكال حسب الواقع المحدد، ودون أي شكل هندسي مسبق. وكما هو متوقع، أثارت تلك الإشارة وذاك التشديد، عددا من التساؤلات والتعليقات المنطقية، وفي مقدمتها التساؤلات حول طبيعة وماهية هذه الجبهة العريضة: هل المقصود أن نوسع في تركيبة تحالف المعارضة الحالي، تحالف قوى الإجماع الوطني، ونضاعف من عددية مكوناته؟ أم المقصود هو تكرار تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، فنعمل على إعادة بنائه مرة أخرى من جديد؟ الإجابة المباشرة هي لا هذا ولا ذاك! وفي نفس الوقت، فإن الشروع في بناء هذه الجبهة العريضة لا يعني نفي أو الحكم بإعدام ما هو موجود من مواعين العمل المعارض. لكن الكلمة، أو الجملة، المفتاحية هنا هي: العمل الجماهيري في القاعدة كأساس، بحيث أن أي نشاط قيادي “فوقي” يجيء نتيجة لذلك العمل القاعدي وإنعكاسا له. إن هذا التصور يأتي إنطلاقا من حقيقة أن معارضة الانقاذ لم تعد تنحصر في الاحزاب والحركات والتنظيمات السياسية، وإنما امتدت لتشمل مجموعات خارج نطاق الفعل السياسي المباشر، مثل: كل أهالي المناطق المتأثرة بالعمليات القتالية والقصف الجوي، كما في دارفور وجنوب كردفان، وكذلك الذين يعيشون التوتر الدائم بسبب التخوف من إندلاع القتال كما في جنوب النيل الأزرق والشريط الحدودي مع دولة جنوب السودان، المجموعات التي نزعت أراضيهم، أو مهددة بأن تنزع، كما في القولد والقضارف وبعض المناطق الأخرى في الشرق والشمالية، المتضررين في مناطق السدود، ملاك الاراضي في مشروع الجزيرة وعدد من المشاريع المروية الأخرى، جيوش العطالة والمشردين من العمل، المتضررين من التدهور الخدمي المريع، كما في مرفق المياه، ضحايا الفساد، طلاب الجامعات وهم يعانون من تدهور الحياة الجامعية، الصحفيين والكتاب والمبدعين…الخ. وحتى تتضح وجهة نظرنا بدون لبس أو غموض أو إرتباك، سنتناول هذا الطرح حول الجبهة العريضة لإنقاذ الوطن، ببعض التفصيل من خلال عدد من النقاط التي سنناقشها في المقال القادم.

الميدان

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2158

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#190860 [خالد العشاري]
0.00/5 (0 صوت)

08-05-2011 11:56 PM

د/ الشفيع بعد التحية
أتفق معك في الحالة الغلاء التي تجتاح البلاد وكل المنطقة العربية بل وكل العالم ... وأختلف معك في هذا السردك والأسلوب الإقصائي الذي الفناهوا من جميع المعارضين ... أسلوب إجتثاث النظام .. النظام الذي كافح وكافح حتى استخرج البترول الذي كان محرم على السودان استخراجه ... والذي سال له لعاب الجنبيون فطالبوا بالإنفصال أو شجعهم أكثر على الإنفصال الذي هم أصلاً منذ خمسون عاماً يتشوقون له ...بل الحكومة السودانية بعد توقيع الاتفاقية وعملية الاستفتاء للجنوبين قبلته بكل صدر رحب ... أما الصحفيون الذين تتحدث عنهم وتصفهم بالشرفاء نحن لا نشك في شرفهم ولكن في العالم وخاصة العالم الغربي الذي تعجبون به هنالك حدود لحرية الصحافة يمنع فيها التجريح والإساءة منعاً باتاً ... خاصة إذا كانت في هرم الدولة والسيادة الوطنية ....
أما مناطق كردفان والنيل ودارفور هؤلاء أصبحوا ينفذون أجندة خارجية لتفكيك السودان ... وهذا شي واضح كل الشعب السوداني يعلمه ... والدليل على ذلك علاقة حركات دارفور التي لا يقبلها أهل دارفور و الحركة الشعبية قطاع الشمال الذي أصبح سم زعاف في معدة البلاد بإسرائيل عدوة العروبة والإسلام ..
أما الفساد معروف في كل نظام ليس كل رجال الدولة فاسدين وبالطبع ليس كلهم نزيهين والحكم بنظرية التعميم خطا كبير
وإذا كانت الحكومة كما تزعمون اقتلصت البلاد ... كيف قامت ببناء الطرق والكباري والجسور واستخرجت البترول ... واصبح السودان قبلة للمستثمرين من أين أتت بالمال!
أهلنا في بقولوا في المثل ا (أرجاء سفيه ما ترجى عاطل ... ) فالحكومات السابقة كانت تغط في نوم عميق .... عشان كدة يا د/ خضر ... النقد البناء ولا بلاش ...


#190258 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

08-04-2011 02:26 PM
الدكتور الشفيع خضر

اراك ترصد الحراك فى مختلف المواقع الذى يجيز التنبؤ بثورة شاملة بالنهج السلمي

ولكن ماذا عن تسارع الاحداث فى الهامش وماذا عن تصعيد الانقاذ المفضي لبلورة اتجاهات الانفصال؟,
هو سؤال*:
ما الذى يمنع اصحاب المبادرات
على حسنين
الصادق المهدى
الشفيع خضر
ما الذى يمنع من اللقاء المباشر والمعلن مع ثوار دارفور, وكردفان وعقار للتفكر والتناقد؟

من قبل انتصرت الانتفاضة ورفض قرنق الحضور الى الخرطوم

لنتفق على وجود نهجين متباينين-سلمي وعسكري
اين هو الجهد السياسي الذى يضمن حسن الخاتمة؟
ومن يسعى لخلق وشيجة بينهما؟
اعتقد ان الاحجام عن اللقاء المعلن مع ثورات الهامش وخيم العواقب,




د.الشفيع خضر سعيد
د.الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية
تقييم
1.31/10 (14 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة