لا شيء مجاني في الحياة ولا في الآخرة
08-18-2011 02:00 PM

نص رأي
لا شيء مجاني في الحياة ولا في الآخرة

خالد التيجاني النور

في الحلقة السابقة في هذه السلسلة من المقالات التي تحاول الإحاطة بخلفيات وأسباب النهوض الماليزي من خلال قراءة في مذكرات الدكتور محاضر محمد «طبيب في المنزل» التي صدرت الشهر الماضي، خلصنا إلى أن المعجزة الحقيقية لماليزيا تكمن في نظامها السياسي، وأن المكانة الاقتصادية المرموقة التي تتبوأها ما كانت لتتحقق لولا حكمة الآباء المؤسسين الذين ابتدعوا نظاماً سياسياً خلاقاً وفر لماليزيا الاستقرار بسبب من سعة الأفق وبعد نظر وبصيرة قادتها الذين نجحوا بديمقراطية وبسلام في استيعاب وإدارة تحديات التعدد العرقي والديني في مجتمع معقد التركيب.
في مقدمة مذكراته يقول الدكتور محاضر عن دوره في نهضة بلاده والتحولات الكبرى التي شهدتها «لعبت بعض الدور في كل ذلك، ولكن سيكون إهمالاً مني لا يمكن غفرانه، إن لم أرد الفضل لإسهام من سبقوني في القيادة ودورهم في ظاهرة التقدم الماليزي، لقد وضعوا الأساس، وكل ما فعلته أنني بنيت عليه، وبدون رؤيتهم المبصرة وحكمتهم العميقة كانت مهمتي ستكون أصعب بكثير». ومع أنه يقر بتواضع كبير بهذه الحقيقة ويعترف بفضل ودور من سبقوه في القيادة، إلا أن الصحيح أيضاً أن قيادة محاضر كانت ذات دور حاسم في نقل ماليزيا من مجرد بلد يبحث عن صيغة للتعايش بسلام بين مكوناته المتعددة الأعراق والأديان، ويعيش ليومه، إلى أبعد من ذلك بكثير إلى بلد ارتاد آفاقاً واسعة من التقدم الاقتصادي والتنموي مكنته في غضون سنوات قلائل أن يتبوأ مقعداً من بين أكبر الاقتصادات العالمية العشرين الأوائل.
لعل فهم المكونات الشخصية لمحاضر وتطور طرائق تفكيره، تكشف كيف تشكلت عقليته وخياراته الفكرية والسياسية وقدراته القيادية وكاريزميته الزعامية، ومن يطلع على تجربة الدكتور محاضر يحار في وصفه هل هو مفكر عميق، أم سياسي بارع، أم تنفيذي ضليع؟ ففي الواقع شخصيته خليط فريد من ذلك كله، ومن المؤكد أنه ليس من طينة السياسيين أو الحكام الذي وجدوا أنفسهم فجأة وبدون مقدمات موضوعية يتربعون على دست الحكم يديرون السلطة بغير بصيرة ولا رؤية ويتشبسون بها بلا هدف يتعدى الحفاظ على كرسي الحكم والتمتع بامتيازاته، ودون استعداد حقيقي لتحمل مسؤولياته.
ولعل الخصيصة المحورية في شخصية الدكتور محاضر تمتعه بوضوح الرؤية ونفاذ البصيرة والإرادة والتصميم على إحداث التغيير بالعمل الحثيث وليس برفع الشعارات الجوفاء الفضفاضة، وهو يعتقد أن الدور الحقيقي للقائد ليس الغرق في مطاردة حل المشكلات الآنية وإدارة شؤون الحكم رزق اليوم باليوم، بل النظر إلى المستقبل، وقيادة الأمة إلى ارتياد آفاق غير مسبوقة.
وعندما يلخص أهم ما يرى أنه حققه يقول: «عندما أعود إلى سنواتي في رئاسة الوزراء أرى من الإنصاف القول إن الإنجاز الكبير الوحيد الذي حققته هو توجيه مجمل فكر الدولة نحو المستقبل، فلم تكن في الماضي ثمة أهداف حقيقية بعيدة المدى أو خطط، بل كان الناس يعيشون ليومهم، لقد صنعنا، أنا وحكومتي، رؤية بعيدة المدى يعرف كل شخص دوره فيها، وقد أدت هذه الرؤية إلى تحريك الناس، من الرجل العادي في الشارع، إلى قادة العمل، والسياسيين، كي يعملوا بجد من أجل بلادهم وفي سبيل مصلحتهم، وأدت النتائج التي حققناها شيئاً فشيئاً إلى تنمية الشعور بالثقة بالنفس وإيمان بالمستقبل ظل ماثلاً».
ولكن هل يمكن أن يحدث التغير بمجرد رفع الحكومات لشعارات التغيير، وهل يمكن إقناع المواطنين بالانخراط في ذلك بدون أن يروا قادتهم يطبقون الدعاوى التي ينادون بها؟! يقول الدكتور محاضر أن لا شيء مجاني أو يحدث بالصدفة أو بمجرد حسن النية، لا في هذه الحياة الدنيا، ولا في الآخرة، وما لم تكن هناك قدوة صالحة تجسد الشعارات المرفوعة فلن يحدث تغيير إلى الأفضل أبداً، ويضيف: «إن رؤيتي لماليزيا، والسياسات التي صنعتها وحكومتي، كانت من أجل كل مواطن ماليزي، لم تكن أبداً لصالح نخبة الطبقة السياسية أو لصالح فئة محظوظة أو دائرة صغيرة من أسرتي وأصدقائي». ويقول: «لم أعط أبنائي مالاً، ولكن وفرت لهم تعليماً جيداً يمنحهم فرصة للتطور ولصنع شيء لأنفسهم في الحياة، لم يطلبوا مني شيئاً ولم يناقشوا معي الأعمال التي يمارسونها، لم نتناقش معاً في الاعمال أو في السياسة، السياسة والسياسات العامة ليست لهم ليعرفوها، لقد كان التفاهم بيننا: أنا مشغول بهموم البلد، ومشكلاتكم تخصكم. والحقيقة انني منذ أن أصبحت رئيساً للوزراء فقد توقفت أن أكون مُلكاً لأسرتي».
حين تولى منصبه في عام 1981م دعا لإجراء انتخابات عامة بعد أشهر قليلة لتأكيد زعامته بتفويض شعبي جديد، وكانت شعارات حملته الانتخابية «نظافة اليد، الفعالية، الأمانة» لتشير لمرتكزات التغيير الذي ينشد قيادته إبان ولايته، وللتأكيد على أن التغيير مطلوب في ثلاث جهات، أولاًَ مكافحة الفساد، وتعزيز فعالية الأداء في الدولة، وترسيخ قيم الأمانة. ويقول محاضر إن إحداث التغيير عملية مستمرة لرفع المعايير في وجه التقليديين الذين يقولون «هكذا كنا نفعلها منذ مائة عام أو ألف عام» وأن العادات يتمسك بها الذين لا يريدون التغيير، ويقول إنه يؤمن دائما بأن الاشياء يمكن أن تعمل بطرق مختلفة، وأن النظام القيمي هو الذي يحدد النجاح أو غيره في حياة الافراد والمجتمع والأمة، وفي حين أن قيم المجتمع أو الامة تتطور طبيعياً، ولكن يمكن أيضاً أن تغرس قصداً، وأن أفضل وسيلة لفعل ذلك بالنسبة للحكومة هو أن ترتفع لمستوى شعاراتها وأن تمارس وتطبق القيم التي تدعو لها.
ويقول محاضر: «بأمل أن أقود بالقدوة وأن أقدم نموذجاً عملياً لما أدعو له، فقد مارست تطبيق القيم التي رفعتها وروجت لها، فقد قاومت أية محاولة لإفسادي، بما في ذلك شح النفس بالسيطرة على دواعي الطمع ودناءة الهمة. وبصفتي رئيساً للوزراء فقد كنت أنال راتباً كافياً، وتوفر لي الحكومة سكناً مريحاً، وتدفع لي فاتورة الكهرباء والماء، وتوفر لي سبل التنقل، وطائرة لرحلاتي ونفقات سفري، لقد كان لدي كل ما يكفيني ولم أحتج لأكثر من ذلك، على أي حال فإن من يذمونني لا يزالون يعتبروني فاسداً، ولكنني مرتاح الضمير».
وثمة عاملان مهمان أثرا بشكل أساسي وعميق في تشكيل شخصية الدكتور محاضر وتصوراته وحددت دوره في الشأن العام، أولهما كونه ينتمي عرقياً إلى الملايو وثانيهما كونه مسلماً، فقد خصص فصلاً في مذكراته عنونه «أنا ملايوي»، وبادر معلقاً إن بعض الناس سيرون هذا الفصل من الكتاب على الأسوأ ينضح بالعنصرية، وأن آخرين في أحسن الأحوال سيعدونه متخماً بالنرجسية، وقال إنه لا يقصد أياً من الأمرين، «أنا ملايوي، وأنا فخور بذلك وهناك الكثير من الأسباب التي تدعوني للإقرار بذلك بقوة وبجرأة». ويبرر قائلاً إن الذين يقولون إن عرق القائد، أو نوعه، ذكراً أو أنثى، أمر لا يأبه له الناس إنما يخدعون أنفسهم، فالولايات المتحدة لم تشهد تنافساً حقيقياً على الرئاسة يكون طرفاً فيه أمريكي إفريقي وامرأة إلا في انتخابات عام 2008، وأنها لم تحظ برئيس كاثوليكي إلا مرة واحدة هو جون كنيدي، وكذلك الأمر بالنسبة لبريطانيا التي شهدت سابقة وحيدة لامرأة تتولى رئاسة الوزراء، مارغريت تاتشر، أو لغير بروتستانتي، بنجامين دزرائيلي، الذي كان يهودياً. ويقول إن القوالب الجاهزة في تنميط الانحيازات بسبب العرق أو الدين موجودة في كل المجتمعات حتى أكثرها تقدماً وتعليماً، ومهمة القائد الراشد ليس الإنجرار وراءها، ولكن القبول بتحدياتها ومجابهتها.
ولعل الصورة النمطية التي ألصقت بالعرق الملايوي الذي ينتمي إليه والذين يشكلون أغلبية السكان، ووصفهم بأنهم كسالى ويفتقرون للملكات الفكرية، في حين يُعلى من شأن العرق الصيني الممسك بمقاليد الاقتصاد والتعليم، وفي بلد ترتفع فيه حساسية الانتماء العرقي، فقد كان ذلك مثيراً لإحباطه ولكن شكل في الوقت نفسه دافعاً قوياً ليصبح العمل من أجل رفع شأن مواطنيه الملايو في بؤرة تفكيره، حيث غدت قضيته المركزية هي إثبات العكس أن الملايو أكثر من قادرين على التفكير، والتقدم والقيادة. ومن ثم فقد كان همه الأساسي قيادة ذلك التغيير في سلوك وثقافة ونمط حياة وتفكير أغلبية سكان البلد.
ويبدو أن محاضر القومي الملايوي، وربما المتطرف عند خصومه، لم يكف عن الانشغال بأمر قومه ويقول: «درست بعمق وتفكير لأفهم الملايو أصلهم ورحلتهم في الحياة، بدأت دراستي بشأنهم مبكراً مدركا أنني إذا أردت أن أكون مدافعاً عن قضيتهم، فيجب عليَّ أن أعرفهم بحميمية وعن قرب».
وقادت هموم محاضر المؤرق بقضية قومه إلى السفر إلى اليابان وأوروبا في مطلع شبابه في بدايات حياته العملية كطبيب بحثاً عن أجوبة للأسئلة الحائرة في نفسه، ليزداد تصميماً على العمل من أجل التغيير، وهو يرى مدى التقدم الذي شهدته تلك البلدان، ليعكف على دراسة أسباب نهوضها، وكيف يمكن الاستفادة ومن تجاربها في إنهاض قومه.
ويقول محاضر إن سفرياته الى اليابان اوروبا في مطلع الستينيات من القرن الماضي، أطلقت فيه روحاً جديدةً «عدت من رحلتي لليابان وأوروبا وعقلي يمور بالأفكار، وحملت معي عائداً طاقة وروحاً وحماسة، أسهمت في تشكيل رؤيتي كقومي ملايوي أصبح ملتزماً بالارتباط بالتنمية الاقتصادية والتحديث التقني، لقد كانت تلك الاختراعات والفعالية التي هزتني في اليابان هي التي قادت للكثير من السياسات والمشروعات التي عكفت على تنفيذها عندما أصبحت رئيساً للوزراء».
والمكون الآخر الأساسي في شخصية الدكتور محاضر يأتي من الإسلام الذي يدين به، وقد أفرد فصلاً في مذكراته لرؤيته للإسلام والأسلمة، نأمل أن نستعرضه في مقال لاحق، ونشير هنا فقط لبعض جوانب تأثير ذلك في تكوين شخصيته، إذ يقول أنه في خضم بحثه عن أمل لقومه فقد قرر الاستفادة من وقته لاقصى درجة، لأنه لا أحد يعيش إلى الأبد «وبدأت أقضي جل وقتي أفكر حول معنى الحياة هل هي فقط أكل وشرب واستمتاع»، ويقول «إنني مسلم يؤمن بالآخرة، إلا أنني ببساطة لا أستطيع أن أقتنع بأن الاسلام يريد منا أن نكون معزولين ومتعصبين وأنانيين نقضي حياتنا فقط في الانتظار لكسب الأجر في الآخرة، ولا يمكن أن يكون الهدف من الحياة فقط الاستعداد للموت». ويضيف: «لقد درست في القرآن والأحاديث الصحيحة أن المسلم يجب أن يسهم في إعمار الأرض ورفاهية الأمة والعالم، ويسهم في رفعة مجتمع المسلمين والإنسانية جمعاء»، ويقول محاضر هذا التبصر «جعلني أعيد التفكير في عملي وفي حياتي وكيف أن مهمتي في الحياة هي الإسهام بشيء ذي قيمة من أجل هدف سامٍ، أكبر من مجرد تحقيق مكاسب لنفسي».
ويعتقد الدكتور محاضر أن الذي يجعل الإسلام ديناً عالمياً صالحاً لكل زمان ومكان، أن جوهر تعاليمه ومقاصده الحقيقية تقوم على الرحمة والتسامح والتعايش مع الآخر، وأن حرية الاعتقاد التي تكفلها آيات القرآن الكريم لا تجعل سبيلاً للذين يريدون أن يحملوا الناس على تصوراتهم وتفسيراتهم للإسلام بحسبانها هي الدين نفسه، ويعرب محاضر عن اعتقاده بأن العامل الأهم في تعريف طبيعة الدولة والمجتمع في معايير الإسلام، هو توفر شرط العدالة وتحقيقها، وأن ذلك هو الذي يجعل المجتمع إسلامياً حقاً.

الصحافة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2805

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد التيجاني النور
خالد التيجاني النور

مساحة اعلانية
تقييم
2.11/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة