في



المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
الطاهر ساتي
تلك المناديل..ورقة عامة من مفكرة خاصة..اا
تلك المناديل..ورقة عامة من مفكرة خاصة..اا
09-16-2011 09:32 PM

اليكم

تلك المناديل..ورقة عامة من مفكرة خاصة..اا

الطاهر ساتي
tahersati@hotmail.com

** درجة الحرارة، كما توقعت نشرة إرصاد البارحة، دون الأربعين بقليل..وهي ذات الحرارة التي درجتها فوق الأسفلت قاب قوسين أو أدنى من صهر الحديد..عند تقاطع المك نمر مع السيد عبد الرحمن، إشارة المرور الحمراء بدأت في عدها التنازلي نحو الصفراء ثم الخضراء بتسع وتسعين ثانية..تلك الثواني وطأتها ثقيلة على صبر سائقي المركبات، بحيث هم دائما على عجالة من أمرهم، ولذلك تزعجهم الإشارة الحمراء، حتى ولو كانت ذات عد تنازلي مقداره ثلاثين ثانية..!!

** نعم يزعجهم أمر التوقف والإنتظار، وكذلك أي أمر آخر..فالناس في بلدي لايحبون الأوامر، أيا كان مصدرها وأسبابها وأهدافها..وأمر التوقف عند الإشارة الحمراء جزء من الكل غير المحبوب.. شعب يعشق العيش بطريقته الخاصة، على سجيته، كما يهوى، بلاقيود، بلا أوامر، بلا رقيب، حرا كما ولدته أمه..وربما لذلك، تعجز صفوف المنافذ في بلدي عن الإنتظام وترفض التناسق..تأمل صفوفنا عند منافذ إستخراج الأوراق الثبوتية بمباني الداخلية..ومنافذ فحص أوراق الدخول والخروج بمطار الخرطوم..ومنافذ بيع السكر المدعوم..ومنافذ بيع تذاكر مباراة هلال مريخ ، وغيرها..منافذ ذات صفوف متلاطمة، كما أمواج البحر حين تغضبها ماكينات سفينة عابرة..بين كل صف وصف، معركة صفين..لاينتظمون، ليس حبا في الفوضى، ولكن رفضا لأمر التنظيم..!!

** المهم، نرجع لتقاطع المك مع السيد..ألقاب مزعجة في ظل تطور الحياة ومساواة كتوف الوعي، ولكن لاغبار عليها حين ترد في سياق التاريخ، وكذلك عند وصف حال عند تقاطع طريقين يحملا إسمهما..حال سائق ينتظر الضوء الأخضر بفارق الصبر ليمر، وحال صبي - تسرب من مراحل التعليم - ويحملا منديلا ويتمنى ألا يكتمل ذاك العد التنازلي للإشارة الحمراء..كل ثانية من ذاك العد التنازلي هي ( لحظة أمل)..تبقت ستين ثانية حمراء.. والصبي لم يبع منديلا..درجة الحرارة تستدعي بأن تقتني المارة والسيارة مناديلا لمسح عرقهم، ولذلك جاء الصبي بالبضاعة المناسبة في المكان المناسب..يعرضها الصبي لسائق العربة كامري..درجة الحرارة فوق الأسفلت - حيث يقف الصبي - تختلف عن درجة الحرارة داخل العربة كامري، حيث السائق المستهدف بالمنديل..الصبي يجهل - أويتجاهل - فرق الدرجات، ويطرق زجاج الكاميري برفق، راجيا من السائق شراء منديل، ولم يفلح في البيع ..لم يختلفا في السعر، فالزجاج العازل بينهما عكس بأن صاحب الكاميري يرفض حتى مبدأ التفاوض في السعر..أي إختلاف درجة الحرارة - ما بين سطح الأسفلت وجوف الكامري - حال دون إكمال ( صفقة المنديل ).. والعد التنازلي للإشارة الحمراء يبلغ الأربعين..والصبي لم يبع منديلا..!!
** غادر تلك، إلى حيث العربة التي تقف وراءها، وكانت عربة تاكسي.. وقبل أن يمد الصبي منديله، رفع سائق التاكسي علبة منديل لم تكن على الطبلون، بمعنى : ( شكرا، عندي منديل ).. والصبيان حين يهرولون - بمناديلهم - على الأسفلت الساخن، لايستهدفون سائقي السيارات التي على طبلونها علب المناديل، بحيث يظنون بأن حاجة السائق إلى مناديلهم هي التي ترغمه على الشراء وليست حاجتهم إلى جنيهات تسد رمقهم..ولذلك، تجاهل الصبي سائق العربة كوريلا التي كانت تقف بيميني..تجاهله بعد أن ألقى نظرة يائسة على علبة مناديله المحشوة ، بمظان أنه ليس بحاجة إلى المزيد..ولكن سائق الكوريلا لم يستجب لتجاهل الصبي، ناداه واشترى منه علبتين ورفض استلام باقي المبلغ ، مشيرا إلى ناحيتي ( إدي الزول داك علبتين وكدا حبايب)..فابتسمنا لبعض، وكذلك إبتسم الصبي..وكاد العد التنازلي للإشارة الحمراء أن يكتمل..فليكتمل، لقد تعلم الصبي - في ثوانيه الأخيرة - بأن مناديله ليست لمسح عرق المارة والسيارة فقط، بل لمسح عرقه أيضا..!!
......................
الخرطوم/ 3 يوليو 2010





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2637

خدمات المحتوى


التعليقات
#209866 [سمير مصطفي - السعودية]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2011 11:14 AM
ما أجملك وما أروعك وأنت تخط بقلمك حال ومآل هذا البلد، بكل أماله وآالامه.

بكلمات بسيطة منسقة وجاذبة تأسر عقول وقلوب قرآئك.

ولو قرأنا مقالاتك مئات المرات لما مللنا.

شخصياً قرأت مقالك هذا يوم نشره قبل أكثر من عام، واليوم أقرآه كما لم أقرأه من قبل.

رائع أنت يا الطاهر ساتي، وقلمك منك في الروعة!

----------------------------
سؤال للكاتب والإخوة المعلقين:

هل هناك كتب أو روايات أو قصص قصيرة للأخ الطاهر ساتي؟ وإن كانت الإجابة لا، فلماذا يا الطاهر لم تفكر في تأليف روايات وقصص قصيرة أو طويلة؟


#209823 [ود المحس]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2011 09:47 AM
هل وصل بنا الحد الى هذه الدرجة من الدونوية اطفالنا فلذات اكبادنا يعانون من شغف العيش وهوؤلاء الكيزان الله يدمرهم كل واحد فيهم اجود السيارات بمال هذا المسكين الذي يتسكع بمناديل الورق لكي يعيش .
لك الله يا شعبي الكريم المسمي باحلي كلمة في الوجود ( زول ) ولكن اين الزول في وقتنا الحالي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
اسالك اخونا ود ساتي ان تجاوب علي هذا السؤال ..........


#209737 [مصدوم]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2011 01:03 AM
هنـــــــــــــا تكمـــــــــن المســـــــــــــاءة الحقيــــــــقيـــــــــــــة هــــــل عجــزنـــــــــــــا ام للبيــــــت ربــــــــــــا يـحميــــــــــــــــــه


#209716 [مامون]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2011 11:20 PM
لهم الله هؤلاء الصبيه
والله تراهم فتمسخ عليك الدنيا والعربه التي تقودها
من عرق حبينك وليس من مال الشعب
فكيف من سرق مال الشعب ويقف بجانبهم ولا يعيرهم نظره
وهو يركب مالهم عربه ...
زمن


#209715 [alczekky]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2011 11:12 PM
لاتتصور كيف كان شعوري عند اتمام قراه هذاء المقال اللهم اخسف بالكيزان الوسخ العفن اللواي...... الارض وماعليها بسببهم لا انسانيه ولاضمير لنا لطفك يارب


#209701 [Neema]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2011 10:14 PM
الاغنياء الذين اغتنوا فجاة لا قلب لهم ماذا لو اشترى صاحب الكامري كل ما عند الصبي بضعف السعر هل ينقص منه شئ سبحان الله


الطاهر ساتي
الطاهر ساتي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة