09-22-2011 11:47 AM

رجب طيِّب إردوغان : العلمانيِّة والديموقراطيِّة لا تعارضان الإسلام

بابكر فيصل بابكر
[email protected]

كنتُ قد كتبت قبل أسبوعين مقالاً من جزأين أناقش فيه أطروحةٍ للشيخ عبد الحي يوسف حول الديموقراطية والعلمانيِّة.
وقلتُ في الجزء الثاني من المقال إنَّ الشيخ عبد الحي قد أخطأ عندما قال إنَّ العلمانية تعني \" فصل الدين عن الحياة \" إذ أنهُ من المستحيل إقصاء الدين عن الحياة لأنَّ الناس يتصرفون تجاه مختلف القضايا الإجتماعية من نظرة أخلاقية هى لدى غالبيتهم نابعة من الدين.
وقلت كذلك إنَّ العلمانيِّة ليست نسقاً واحداً نهائياً, فهى تنشاُ متأثرة بمعطيات كل مجتمع, وتختلف بإختلاف السياقات الإجتماعية والتجربة التاريخية. وذكرت أنَّ العلمانيّة الأمريكية حرصت على حماية الدين من أىِِّ عدوان عليه. وأنَّ الدولة المدنية في العلمانية البريطانية لم تدخل في أى صراع مع الكنيسة.
وقلت إنَّ العلمانية حركة عقلانية تدعو لإعمال العقل والعلم والأخذ بهما لتطوير العالم.
وقد إستقبل بريدي الإلكتروني العديد من الرسائل التي تندِّد بما كتبت, وتتهمني بموالاة الغرب والإنبهار به, وتقرِّر بشكل قاطع أنَّ العلمانية حربٌ على الدين, وأنها والإسلام نقيضان, بل هُما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا.ً
وقبل أن يمُر أسبوع على نشر المقال فاجأ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الأوساط الإسلامية بتصريحاتٍ من العيار الثقيل حول العلاقة بين العلمانية والإسلام.
ففي حواره مع الإعلاميِّة المصريِّة منى الشاذلي مقدمة برنامج العاشرة مساء على قناة دريم قال إردوغان : \" إنَّ الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين، و أنَّ العلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين بل يجب عليها أن تتعايش معه\". وتمنى وجود دولة مدنية تقوم على إحترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع المصري.
وفي إجابته عن سؤال للأستاذة منى حول مفهوم العلمانيِّة قال أردوغان : \" مفهوم العلمانية ليس مفهوم رياضيات كأن نقول حاصل 2 ضرب 2 يساوي 4، فتعريفات المفاهيم الإجتماعية تختلف فيما بينها، فالعلمانية في المجتمع الأنجلوسكسوني لها مفهومها المختلف عنه في أوروبا، كما أن المفهوم التركي لها مختلف، وقد دفعنا ثمناً باهظاً من أجل ذلك المفهوم في تركيا \".
وأضاف أنَّ دستور 1982 في تركيا عرَّف معنى العلمانية بأنَّها \" وقوف الدولة على مسافةٍ متساويةٍ من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين، يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى، فهذا شيء طبيعي\".
ونصح إردوغان الذين يُعدِّون الدستور المصري الجديد بالحرص على ضمان وقوف الدولة على مسافةٍ متساويةٍ من جميع الأديان والفئات وعدم حرمان الناس من أن يعيشوا دينهم واعطاءهم ضماناً لذلك \" فإذا بدأت الدولة بهذا الشكل فإنَّ المجتمع كلهُ سيجد الأمان، المسلمون والمسيحيون وغيرهما من أديان أخرى واللا دينيون، فحتى الذي لا يؤمن بالدين يجب على الدولة أن تحترمهُ, إذا تم وضع تلك الضمانات فهذه هي الدولة العلمانية\".
وشدَّد إردوغان قائلاً : \" الدولة تكون علمانية ولكن الأشخاص ليسوا علمانيين . رجب طيب أردوغان ليس علمانياً وإنما مسلم ولكنه رئيس وزراء دولة علمانية ويفعل ما توجبه هذه الدولة \". وأشار إلى الجدل السائد في مصر رداً على سؤال منى الشاذلي حول إعتقاد البعض بأنَّ الدولة العلمانية دولة كافرة، أجاب إردوغان : \" بعد تصريحي هذا أظن أنهم سوف يفهمون بشكل مختلف وسوف يناقشون ما أقوله. أقول للشعب المصري لا تقلق ويجب أن تأخذوا هذه الفكرة من هذه الزاوية، وأتمنى أن تستفيد الدولة العلمانية في مصر من الأخطاء التركية ونتناقش ونتبادل الأفكار والتجارب\".
هذا الحديث المتماسك النابع من تجربة سياسية عميقة وممارسة جادة للسلطة لا يستطيع أحد المزايدة على صاحبه. فإردوغان إسلاميٌ يقود حزباً إسلامياً ( حزب العدالة والتنمية ) لطالما ضرب به المثل في نجاح التجربة الاسلامية . وإردوغان هو الزعيم المسلم الوحيد الذي تصدى للصلف والعنجهية الإسرائيلية وبلغ في ذلك مدى لم يبلغه أىُّ رئيس وزراء في بلده وهو طرد السفير الإسرائيلي. وإردوغان هو الزعيم المسلم الذي قدَّم تجربة إقتصادية مشرقة لا تضاهيها الا تجربة الزعيم المسلم المستنير الآخر مهاتير محمَّد.
وعندما يقول إردوغان أنَّ العلمانيَّة لا تعني \"دولة اللادين\" فهو يؤكد حقيقة إستحالة \"فصل الدين عن الحياة \" وهو كذلك يقول أنَّ العلمانية تستصحب قيم الدين العليا وفي مقدمتها الحرية. وهذا القول بالطبع لا يُرضي أصحاب المناهج المتشددة الأحادية الذين يعمدون إلى \" شيطنة \" المعنى ويجعلونهُ مرادفاً للكفر ومحاربة الدين.
وعندما يقول إردوغان بإختلاف مفهوم العلمانيَّة من بلد لآخر فهو إنما يؤكد ما ذهبنا إليه وما قرَّرته التجربة التاريخية من أنَّ العلمانية ليست نسقاً واحداً. وفي التجربة العلمانيَّة التركية إستطاع حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية أن يصل للحكم وأن يُحدث تغييرات كبيرة في علاقة الجيش بالمؤسسة السياسية, وقد تمَّ كل ذلك في إطار النظام وليس بالإنقلاب عليه.
إردوغان زعيم مسلم عقلاني يتحدث عن إسلام مستنير لا يبيع الأحلام والأوهام, ولا يتمسك بالقشور, ويستلهم روح العصر. إسلام لا ينادي بفرض الجزية على غير المسلمين أو قتل المرتد أو تطليق زوجته. إسلامٌ يدافع عن حق المرأة المسلمة في إرتداء الحجاب في ذات الوقت الذي ينادي فيه بأن تحترم الدولة حقوق الذين لا يؤمنون بالدين. الإسلام الذي يُنادي به إردوغان يتمسك بالأمور الجوهرية وبالقيم المثالية : العدل و الحرية وكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية, وهى القيم التي من شأنها إصلاح أحوال المجتمعات الإسلامية.
وعندما تناولتُ في الجزء الأول من مقالي المذكور أعلاه موضوع اليموقراطيَّة قلتُ أنَّ التاريخ البشري لم يعرف حتى الآن وسيلة أو نظاماً للحكم أفضل من النظام الديموقراطي برغم كل نقائصه. وأنَّ قبول المسلمين به اليوم لا يكون كما يقول الشيخ عبد الحي قبولاً من مُنطلق \" إرتكاب أدنى المفسدتين تجنباً لأعلاهما\" ولكنهُ قبولٌ مبدئىٌ بسبب مزاياه الكثيرة وبسبب عدم وجود نظامٍ أفضل منهُ.
وقلتُ إنَّ التجربة التاريخية الإسلامية لم تبلور نظاماً للحكم يُحدَّد أسلوب إختيار الحكام وكيفية تداول السلطة.
وقلتُ كذلك أنهُ لا يوجدُ سبيلٌ لإيساع الناس مشورة سوى الوقوف على رأي الناخبين في الأمور التي تخص الشأن العام عبر صناديق الإقتراع, وهذه هى الديموقراطية.
وعندما خاطب إردوغان ثوَّار التحرير قال : \" إنَّ ثورة 25 يناير هي عمود الديمقراطية في مصر، وأن النمو الاقتصادي لن يتحقق إلا من خلال وجود استقرار سياسي\".
وفي زيارته لتونس الإسبوع الماضي قال إردوغان : إنَّ \" الإسلام والديموقراطيِّة لا يتعارضان\".
وأضاف قائلاً : \" تركيا التي يشكل المسلمون 99 % من سكانها تحكم بالديموقراطية, وليس لدينا أىُّ مشاكل. لا حاجة لعرقلة ذلك بإنتهاج سبل مختلفة. المشاورات ستعكس إرادة الشعب على أوسع نطاق\".
إنَّ التحدي الأكبر الماثل أمام الشعوب الإسلامية اليوم , وخصوصاً الشعوب التي نجحت ثورات الربيع العربي في تغيير الأنظمة الحاكمة في بلادها يتمثل في الإختيار بين نوعين من تجارب الحكم . الأول هو الذي مثلهُ رجب طيب إردوغان ومهاتير محمد في تركيا وماليزيا, وهما التجربتان اللتان أنجبتا النهضة والحرية والإزدهار الإقتصادي. والثاني هو الذي مثله نموذج الخميني و طالبان وحركة الشباب المسلمين وحكم الإنقاذ, في إيران و أفغانستان والصومال والسودان, وهى التجارب التي كانت عناوينها البارزة : إهدار كرامة الإنسان ومفارقة روح العصر والإستبداد.

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1278

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#214009 [f.m.s]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2011 02:35 AM
صباح الخىر سيد بابكر


#213339 [omer al]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2011 05:13 PM
انت ياأستاذ بتفتكر انو زى عبد الحى يوسف واخوانه الهبلاء بيعرفوا شي عن الديموقراطيه كل ثقافتهم عن النكاح والزواج والطلاق والغسل والجنابه والرده يعنى هم افهم من رجب طيب اردوغان؟ طيب الحكومه المعفنة دى بتحاول بكل ما أوتيا بها من سلطان تعمل علاقات تجاريه و سياسيه مع دول كافرة زى الصين وروسيا ودول علمانية زى سوريا وتركيا وحتى مع الشيطان الرجيم اسراءيل يعنى العوير بتاعنا ده افهم واشطر من رجب اردوغان ونحن فى بلاد المهجر نخجل ان نقول نحن سودانيين طيب يا آستاذ ايه نعمل ونحن اللذين قمنا بثورة اكتوبر عندما كنا طلبه في المدارس الثانوية ئم ابريل ونحن نعمل فى الدوله و نحن الان من ضحايا الصالح العام نعم اغتربنا لكى نوفر لاولادنا لقمة العيش وماكنا نسعى لهذا التغتراب لولا هذا النظام التافه الحقير اجعلوها ثورة تعيد للسودان مجده وعزته وهى قادمة لا محال


ردود على omer al
Saudi Arabia [Sidqi Basha] 09-24-2011 01:12 PM
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ..هل تحتاج هذه الآية إلى جهد للفهم..لماذا نلجأ إلى المذاهب الدنيوية وأمامنا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه.. قد تركتكم علىالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف ؛ حيثما قيد انقاد ..فإن كانت علمانية رجب طيب أردغان لا تتعارض مع الدين فعلى الدنيا السلام..فرجب طيب أردغان آخر من يدافع عن الإسلام فقد قتل الإسرائيليون تسعة من شعبه وأهانوا سفيره..فأنظروا ماذا فعل بالإسرائيليين..هل استباح دماءهم كما استباحوا دماء شعبه..وجزاء سيئة سيئةً مثلها..وإذا كان ما يدعيه رجب طيب أوردغان صحيحاً فليبحث عن عن نظام حكم غير العلمانية لأن العلمانية بالنسبة له فصل الدين عن الدولة..وهذا بالطبع يتعارض مع شرع الله..كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته..الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته ، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته..


بابكر فيصل بابكر
بابكر فيصل بابكر

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة