المقالات
السياسة
السودان .. الأرض الطيبة
السودان .. الأرض الطيبة
02-14-2016 11:20 AM


السودان .. الأرض الطيّبة
صلاح أحمد البشير

هذه الأرض! ما دهاهــــــــــــــــــــا ..؟
من تمترس بالحِمَم واغتال النجوم؟
من عبأ كنانته واصطاد اليمام؟
ومن بات بوادى السبع وابتلع الغيوم؟

من أغلق الدار؟
من سرق القمر ؟
من أطفأ الشمس وأغطش النهار؟

النيل في امتداده التاريخي المهيب يرقد الآن مشلولاً ..!
النخيل في شموخه الملوكي على الضفاف يعاني من الفقر والانيمياء الحادة؟..!
البرتقال في حدائقه يقاسى الصداع والحمى؟...!
كل شيء في السودان يرحل ولا يعود ..
حتى الطيور الجميلة في هجراتها القارية الموسمية هجرتنا ولم يعد السودان من أجوائها ..
السمبر والرهو والخداري وطير الجنة وحتى مالك الحزين لم يعد يحتمل أحزاننا الكربلائية ..
الأشجار المتفتحة والنباتات الزهرية قتلتها قساوة أرضنا وأمطارها المالحة ..
لم تعد الجهنمية الوردية تتدلي من الجداران ولم تعد رائحة نباتات الحنة الفواحة تعطر الأنفاس
خرج السودان ولم يعد ..
نعم ..
وكما قالوا في الواتساب (بدر اغترب قبل خمسة وعشرين عاماً وأمل اتزوجت وبقت مؤتمر شعبي .. وحسن يغني حتى الطير رحل خلاني .. ومريم الشجاعة بقت ست شاي .. والساحر والأطفال كبر وبقى بله الغائب ..والفار الأكول بقى جفر وأسقط كبري المنشية .. طه القرشى مات بسبب نقص الاكسجين .. والجندي المجهول دخل الدفاع الشعبي .. زيدان الكسلان بقى فنان .. أبو مركوب هاجر إلى استراليا .. ومنقو فصل عيشتو وبقى براهو .. والرجاء البلهاء بقوا وزراء)
هذا وأكثر ..!
كيف نخرج من هذا البوار؟
كيف نصبح مثل خلق الله نحلم بوطن جميل وحياة كريمة نظيفة آمنة مستقرة يتعايش فيها الناس بسلام؟
هل هو نظامنا التربوي الذي لم يتحرر بعد من الموروثات البالية والانعتاق في فضاء الحرية والحداثة والتطور؟
هل هو نظامنا التعليمي الذي لا يراعي الأولويات واللوازم الضرورية للتنمية والبناء؟
هل هو إهمالنا للعلوم الإنسانية كالسيكلوجي وعلم الاجتماع والفلسفة وعلم الأديان المقارن؟
ألسنا في حاجة لمفكرين وفلاسفة وباحثين في الوطنية والإدارة والتخطيط الوطنى أكثر من حاجتنا لأطباء ومهندسين ومعلمين؟
ما الذي يجعل روح المواطنة ضعيفة لدينا؟
لماذا تتقاصر عندنا الهمة الوطنية ويعلو صوت الذاتية والمصالح الشخصية؟
هل لأن الوطن لم يعد يفي بحاجتنا الأساسية من الأمان والطعام والغذاء؟ ألم نكن نحن من أضاع الوطن قبل أن نلومه على ضياعنا؟
متى تتوافق مصالحنا الشخصية مع المصالح العامة الوطنية؟
متى نعلم أن المصالح العامة هي جسر للمصالح الخاصة؟
كيف ندرك أن الكرامة الفردية من الكرامة الوطنية؟
نعم وكما يقول الدكتور حليم بركات فإن (المسيرة الطويلة من الظلم والقهر والتدجين تخلق مجتمعات عاجزة وطبقة مثقفة يائسة بعد أن تباعدت المسافة بين الحلم والواقع فيصاب أفرادها بالاغتراب الذاتي والثقافي والاجتماعي فينسحبوا عن المشاركة في الهموم الوطنية لإدراكهم بأنهم يعملون من أجل السلطة ولا تعمل السلطة في خدمتهم ولأحساسهم بأن هذا الوطن هو وطن السلطة وليس وطنهم فيتسرب الشعور باللا وطنية .. هذا الشعور السالب لدى الطبقة الفاعلة يجعلها تنصرف عن المجتمع والمؤسسات وتتفرغ لتدبير حياتها المعيشية وشؤونها الخاصة على حساب كرامتها وانسانيتها وطاقاتها الابداعية.)
الأمم لا تنهض إلا بجهود أبنائها ..
والنهضة لا تقوم إلا على أسس العلم والمعرفة .. والمعرفة هي القوة كما يقول فرانسيس بيكون ..
أي المعرفة الشمولية وهنا أقصد التداخل العضوي بين المعارف من أجل انسحابها على عملية البناء الاجتماعي كهدف أساسي في مقصود فكري أو أكاديمي حيث لا ينكفيء الطبيب في معمله والمهندس في مكتبه والمعلم في كتابه المدرسي أو الجامعي إذ لا يمثل ذلك إلا نصف المهمة كي لا يصبح هؤلاء مجرد أفندية يعيشون في جذر معزولة لا علاقة لها بالواقع وتنفصل المدخلات التعليمية عن مخرجاتها الإجتماعية .. فكل هؤلاء وغيرهم مسؤولون عن اﻹرتقاء بعامة الشعب في سلوكهم وتعاملاتهم وفي وعيهم السياسي والثقافي والنفسي .. ليعلم المجتمع كله كيف يتطور وكيف يكون مهذبا نظيفا .. ليعلم لماذا هو فقير أو مريض أو لماذا يحكمه الطغاة ..

إن المجتمع القوي يبنيه الانفعالي الوطني اﻹيجابي والهمة العالية واﻹخلاص والمصداقية لا المصالح الذاتية واﻷنانية والفردية ﻷن الحلول الفردية قاصرة عن إدراك السعادة الشخصية لكن الحلول القومية هي الضمان لحل المشاكل الفردية ..
اﻷمم يبنيها أبناؤها على هدى العلم وقراءة التاريخ والاستفادة من تجارب الشعوب .. فالمنهجية العلمية واﻹستراتيجيات والبحث والتخطيط هي المخرج الوحيد من داء الفقر والجهل والمرض..وما التخلف الثقافي واﻹجتماعي الذي نعيشه إلا تراكمات من تاريخ طويل من الفشل السياسي أدى إلى فشل إجتماعي وثقافي أو فشل ثقافي إجتماعي أدى إلى فشل سياسي ﻷن السياسة منتوج ثقافي واجتماعي .. كل ذلك أدى إلى عجز اقتصادي فاضح ودمار في كل بنياتنا الوطنية.

ولا بد لنا من إدراك أهمية البعد التنويري في أي نشاط يقوم به المثقف أو المتعلم .. والتنوير كلمة رنانة مستلفة من عصر الأنوار الذي سبق الثورة الفرنسية في القرن السادس عشر وما تلاه من قرون .. وهو العصر الذي دشنة ديكارت وأسلافه روسو وكانط وفولتير وديدرو وليبنتز وهو عصر الانتقال من عصور الأساطير والظلام إلى عصر العقلانية والعلم والمعرفة .. هو العصر الذي حول اوروبا من عصر الاقتتال والعصبية والقيتوهات إلى جنة في الأرض .. فكل منا يجب أن يكون شعلة متحركة من التنوير .. في السوق ، في المكتب ، في الحقل في المعمل ، في الحل أو الترحال.. فكل ما لدينا ينبغي أن نوجهه في اتجاهات ذات مردود اجتماعي تنويري .. أن ننظر بعيون زرقاء اليمامة وأن نرى البعد الرابع في أي مشهد .. والنجاح والفشل غير متناقضين في نهاية المشوار فالطالب الفاشل في مقاعد الدرسة قد ينجح في مجال الأعمال والطالب الناجج قد يفشل في مجال العمل .. الطالب الفاشل يمكن أن يصبح إضافة وطنية بالمشاركة الاجتماعية والاسهام الخيري ودعم الأنشطة الفكرية والثقافية والاحساس بأوجاع الناس وهموهم . والطالب الناجح قد يصبح عبء وطني بأن يتجمد في اكاديمياته ويصبح مجرد أفندي يناديه الناس بالاستاذ والدكتور والبروف وينتظر أن يغدقوا عليه الاحترام والتبجيل وهو لا يعدو أن يكون سوى سبب من أسباب مآسيهم. بمعنى أن نكون من أجل البلد ليكون البلد من أجلنا.. أن نفهم أن الصباح المشرق والقهوة والنيل والوجوه النيرة الجميلة هي هبة وطنية يجب أن نرعى هذه الأرض التى أنبتتها بالسلوك القويم والانضباط الخلقي والرؤية الرشيدة .. أي أن نعطي الوطن حقه فللأوطان في دم كل حرٍ يدٌ سلفت ودين مستحق .. بمعنى أن ندفع الفاشل لينجح والناجح لمزيد من النجاح لأن النجاح في النهاية هو النجاح القومي لا النجاح الفردي ... فلا هطلت علىًّ ولا بأرضي سحائب ليست تنتظم البلادا... بمعنى أن كل مسرحي بقدر ما يستطيع عليه أن يكون شكسبير في مسرحه وكل فكاهي يكون برناردشو في فكاهياته وكل فنان يكون بوب مارلي في ألحانه وكل مفكر يكون أرسطو في تفكيره وكل سياسي يجب أن يكون بهمة ووطنية غاندي ومانديلا ومادسون وديجول وجيفرسون ....
وكل منا يجب أن يكون راع ومسؤول عن رعيته .. لا يتوقف الأمر على هؤلاء بل يمتد ليشمل كل فرد من راعي الضان في الفلاة .. إلى العامل والصانع والزارع والمعلم والطبيب والمهندس إلى رئيس البلاد .. أن نكون الشيخ فرح ود تكتوك وعلى عبداللطيف وابراهيم أحمد وحسن نجيلة وابراهيم العبادي ومنصور خالد وابراهيم الشيخ ومصطفي سيد أحمد ومحمد حسين كسلا .. وليس ذلك مستحيلا إذا أدي كل منا واجبه الخاص من أجل الواجب العام .. ليس ذلك مستحيلا إذا قام كل مثقف ومتعلم بدوره وأضاء فقط بحجم ظله أو مدى خطوته .. فأنت وطنك يتحرك .. أنت مظهره وأناقته .. أنت اسمه وسمعته .. أنت فكره وحضارته .. أنت يومه وغده.

صلاح أحمد البشير
الرياض - المملكة العربية السعودية


[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2047

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح أحمد البشير
مساحة اعلانية
تقييم
5.96/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة