09-30-2011 10:50 AM

محن السياسة السودانية – فوضي وزارة الخارجية (2)


بقلم / حامد بشري



في الحلقة الأولي من سلسلة هذه المقالات ، تعرضت لممارسات وزارة الخارجية والأوضاع بسفاراتنا التي أصبح مجرد الحديث عنها مدعاة للأسى ومضيعة للوقت والجهد ومثار لمتعاظم الأحزان. أوضحت أن مُبتغانا ودافعنا لإثارة هذا الموضوع والعودة اليه مجدداً نابعٌ من عشقنا اللامحدود للسودان وحرصنا اللامتناهي علي سمعته بغض النظر عن من هو في سدة الحكم ، وأن حافزنا لذلك هو الشعور الوطني الذي تشرَّب به جيلنا والمسئولية التي نحملها في أعناقنا تجاه الخدمة المدنية وتقاليدها الراسخة التي طالما أستظل الجميع بسلامتها وأستقامتها. وبمواصلة الكتابة حول ذات الموضوع ، يتنازعني شعوران: أولهما ” المكتولة ما بتسمع الصايحة ” وثانيهما أنه يحقُّ لنا البكاء على الخارجية مثلما حقَّ للخنساء يوماً البكاء على صخرٍ إذ رابها فيه الدهر، مثلما رابنا في الكثير من شؤون وطننا، فإن الدهر ضَّرار.


للتذكير، تساءلت في المقال الأول عن كيفية التصرف في الحالات التي تستدعى الحاجة أو يقتضي طارئ دبلوماسي أو سياسي أو إنساني الإتصال بحكومة أو خارجية البلد المضيف كندا، في الوقت الذي ظلت فيه سفارتنا في أتوا لردحٍ من الزمان بدون أي كادر دبلوماسي، و عما يمكن فعله إن تطلبت تطورات وضعٍ ما كما هو الحال الآن إقامة مؤتمر صحفي أو إصدار بيان أو إتخاذ خطوات بعينها تُراعى فيها الأعراف والأصول المرعية والمقتضيات المهنية في ظل الغياب المذكور للكادر الدبلوماسي ومغادرة رئيس البعثة السابق قبل وصول دبلوماسي يتولي القيام بالأعمال إلى حين وصول خلفٍ لرئيس البعثة يكون معتمداً رسمياً. أشار المقال كذلك إلى العبث والاستهتار بالمال العام في زمن الإنقاذ الذي وصل حد أن صار السفير أو رئيس البعثة يصطحب لموقع عمله بالخارج حشداً من المعاونين الذين من بينهم السائق والطباخ والحلاق. أُختتم المقال بمقترحات للتعامل مع مبنى السفارة وسكن السفير بصورة بعيدة عن البذخية تليق بدولة كدولتنا نامية متعثرة بل ساقطة إقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً أمام مواطنيها والمجتمع الدولي .



لم تخطر بالبال مواصلة في هذا الموضوع غير أن تعقيباتٍ وإفاداتٍ من مواطنين كرامٍ، بعضهم من أهل البيت وأقصد بذلك الخارحية ، أوضحت أن ما تطرقنا إليه لا يمثل إلا القمة الطافية و البادية للعيان من جبل جليدٍ تحجبه المياه، the tip of the iceberg و أن ما “خفي أعظم” و أن الذي تطرقنا له ليس سوى اليسير من كثيرٍ مخزي ومثير نأمل أن ينزاح في القريب العاجل بنضالات شعب السودان . آلينا على النفس أن نقوم بدورنا إزاءه و لو بالبنان وذلك أضعف الإيمان. إزاء توفر مادة تصلح لمتابعة ما بدأناه ، فإن السكوت على ما حدث ويحدث يكون مشاركة فيه وخيانة للوطن وتنصلاً عن الواجب القومي وقبولاً بممارسات الإعتداء على المال العام وجُنح الفساد الإداري وتكريساً لكل القيم الفاسدة يجعل من كل البدع سنناً وشرائع ونواميس تتسارع على هديها خطى أمتنا نحو الهاوية خاصة وأن رأس الدولة بعد أن حكم أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً ووصلت رائحة الفساد الي مضجعه إنتابته صحوة ودعا الي تكوين مُفوضية لمكافحته وكأنه لا يدري في مثل هذه الأحوال لا تُجدي المسكنات وأنما الأستئصال .



إن التفاصيل المثيرة لفساد رئاسة وزارة الخارجية و السفارات – كيف يستقيم الظل و العود أعوج - أصبحت حديث القاصي والداني بمن في ذلك من لا ينتمون بصورة مباشرة للسودان ، وجعلت من الذي يحدث شبيهاً في كثير من وقائعه بـالمسلسلات الدرامية “soap opera” وقد رأيت أن أشرك في ذلك من فاته الإستماع أو المشاهدة فلربما تكون في ذلك عبرة لمن يعتبر وربما يستفز ذلك غيور النفر لأن يعينوا على وضع الأمور في نصابها السليم ، ويحفِّز لإزالة الأذى ودرء الخطر من بقي من حب السودان في نفوسهم أثر وهم السواد الأعظم من بني وطني.



ذكرت في المقال السابق أنه حدث في عهد الإنقاذ ( المبارك ) أن تزامن وجود ثلاثة سفراء بكندا و سأحاول هنا أن أوضح كيف تفتقت عبقرية وزارة الخارجية عن هذا السبق البلوماسي. بدأت الميلودراما بتعينٍ سياسي تمَ في عام 2005 لسفير(ة) من خارج المؤسسة لصلة القربي مع الوزير آنذاك السيد مصطفي عثمان الأخير زمانه والآتي بما لم تستطعه الأوائل وليس بحديثه الذي أدلي به في الرياض ونقلته الشرق الأوسط ببعيد عن الأذهان حينما أساء الي شعب السودان ونعته بصفة المتسولين والشحاذين حتي أنطبق عليه المثل ” الفيك بدر بيه “. نشرتُ حينها مقالاً بصحيفة سودانايل في بداية عام 2005 تحت عنوان ( لهذه الأسباب لم ألب دعوة السفارة) طرحت فيه عدة تساؤلات علي الرغم من عدم تعرضنا لإمكانيات ومقدرات الدكتورة التى تمَّ تعينها سفيرة للنظام بأتوا وسرورنا لأن تكون على رأس البعثة الدبلوماسية سيدة مما يبعد لحدٍ ما عن النظام تشبيهه بـ(طالبان) حينما كان المغفور له الدكتور مجذوب الخليفة والياً علي الخرطوم وتلك أيام كالحات أعادتنا الي القرون الوسطي وعصر الأنحطاط . كان من ضمن التساؤلات المشروعة هل توقفت وزارة الخارجية عن الانجاب وعقمت ولم يجد السيد الوزير من بين أبنائها وبناتها من هو جدير بملء هذا المنصب؟ كذلك أستفسرنا عما أذا كانت الدكتورة من كوادر الجبهة الأسلامية أو المتعاطفين معها؟ تكرمت المعنية بردٍ نقدر صدقه وصراحته ضمنته في مقالٍ عنوانه (يستحق الشعب السوداني الاعتذار) علي نفس الصحيفة التي تم فيها نشر مقالنا أكدت فيه بعضمة لسانها أن المعرفة الشخصية وعلاقة القرابة والدم بالوزير الهمام وغيره ساعدت على ترشيحها لمنصب السفير ومناصب غيرها في زمنٍ صار الولاء السياسي فيه مقدماً على كل مؤهلٍ علمي ، جاء في ردها:

صحيح أن المعرفة الشخصية في كلا الحالتين (مركز الدراسات الأستراتيجية أو وزارة الخارجية) ساعدت علي ترشيحي للمنصبين –مديرة لقسم التقرير الأستراتيجي أو(خبير وطني من وزارة الخارجية ثم سفيرة) . ذلك لولا هذه المعرفة الشخصية بالدكتور بهاء حنفي وهو زميل الدراسة من جامعة الخرطوم والمدير العام لمركز الدراسات الأستراتيجية آنذاك ، ثم المعرفة الشخصية للسيد وزير الخارجية الحالي د. مصطفي عثمان إسماعيل والذي تربطني به علاقة قرابة ودم لما توفرت هذه الفرصة لتولي المنصبين في زمن كان الولاء السياسي مقدم علي كل مؤهل علمي فالشكر والعرفان لهما من بعد الله

أنتهي الأقتباس من مقال السيدة السفيرة .

عقبت علي ذلك بمقالٍ عنوانه (لا أريد أن أفسد عليك فرحة يومك هذا) نشر بسودانايل بتاريخ 2005-02-06 وضحت فيه أن تعيين السيدة السفيرة بكندا والذي تمَّ بُناءً على رابطة الدم والقربى لا يجد منا استحساناً ونرى فيه مثالاً آخر للمحسوبية وإستغلال السلطات و أنه يعود على المعنية ورصفائها من ذوي الكفاءة بضررٍ من بعض مظاهره فقدان الاستقلالية إذا تعارض منهجهم وفكرهم مع سياسة الدولة التي تُفرض عليهم الطاعة والاذعان للسلطان وولي النعمة وصاحب الفضل والمنَّة والرضوخ لسياسة الوزير، ولنا فى وزراء “مايو” التكنوقراط أسوأ العبر وخير برهان. (نواصل)

الميدان





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2333

خدمات المحتوى


التعليقات
#218015 [عبد الله]
1.00/5 (1 صوت)

09-30-2011 05:02 PM
سمعت اليوم فى خطبة الجمعة حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فى ما معناه من

من وكل اى وظف احدا لقرابة أو مودة أو واسطة فقد خان الله ورسوله وانى أتسائل

أنى لنا أن نفلح وقد بعدنا عن تعاليم نبينا الكريم ولقد ت\\كرت تعيين وزير الداخلية

بعد استقالته اثر فضيحة سقوط عمارة جامعة الرباط الى وزير الدفاع فيا ترى كم مرة

خان الله ورسوله؟


#217882 [مغبون]
1.00/5 (1 صوت)

09-30-2011 12:13 PM
بكل اسف وزارة الخارجيه تم افراغها من الدبلوماسيين الحقيقيين مثلها مثل القوات المسلحة والشرطه ووصل الحال حتي يومنا بأن لا يتم تعيين اي موظف او دبلوماسي ما لم يوصي عليه من الحزب الحاكم
تم تعديل الهيكل الراتبي والوظيفي واصبح الدبلوماسي السوداني يعادل راتبه راتب الدبلوماسي الخليجي في اي دوله غير الحياة الرغدة للدبلوماسي خارج حدود الوطن من تأثيث منزله باغلي الاثاث ودفع ايجار المنزل في اغلي الاحياء وتسديد فاتورة موبايله غير الامتيازات في حال رجوعه للوطن باعفاء عربته واثاث منزله من الجمارك
ويا ليت كان الاعفاء لمرة واحده !!! لا بل يتم الاعفاء عند الانتهاء من اي محطة خارجية ويمكن ان يصل الاعفاء الي 6 مرات في الحياة
هذه غير النثريات المفتوحه والتي تكون علي شكل هدايا وولائم للمسئولين الذين ينزلون ضيوفا علي الدبلوماسي
لك الله يا وطني


حامد بشري
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة