10-05-2011 07:48 AM


علاقة الأحزاب بالحركات المسلحة

صلاح شعيب
[email protected]

هناك فجوة ـ أو قل جفوة ـ فكرية، وسياسية، بين تيار الأحزاب التقليدية وتيار الحركات المسلحة في دارفور. وذلك على الرغم من محاولات هنا لردم الفجوة، وأخرى هناك لتجسير التباعد ما بين التيارين. إذن لا بد أن كل طرف لديه مسوغات لهذا التباعد. وله من الأسباب ما يجعل إتحاد النضال السلمي ـ العسكري حلما فقط للراغبين الآن في تقارب التيارين بهدف تقوية بعضهما بعضا، وبالتالي تفعيل الدور الوطني المعارض لإحداث إختراق في جدار الأزمة السودانية التي إستطالت، وكادت أن تطيح بما تبقى من إستقرار في البلاد.
ـ تيار الأحزاب التقليدية، بقضه وقضيضه، ما يزال طرفا مؤثرا على جملة الواقع السياسي السوداني، ولاعبا اساسيا من اللاعبين في ميدان الأزمة. ومهما أسهم المؤتمر الوطني في إضعافه بترهيبه، أو بترغيبه في المشاركة في سوءة الفشل، إلا أن ما لاحظناه أن بعض قواعد الأحزاب قادرة حتى الآن على ترجيح خيار المعارضة دون التورط في مسؤولية الحكم الإسلاموي العضوض. فضلا عن ذلك، ولأن الواقع لم يفرض تيارات سياسية قوية لسحب البساط من تحت أرجل قواعد وقادة الأحزاب، فإنها ظلت تملك تجربة تاريخية لتجاوز إشكالات تنظيمية، ووجودية، وبالتالي تعمل هذه الأحزاب بما لديها من أفق سياسي وحراك مدني ضيقين. إذن يمكن إنكار تأثيرها الأتم على مجريات المشهد السياسي، ولكن لا يمكن تجريد هذه الأحزاب من ثقلها التاريخي، وخبرة كوادرها، وقدرة قواعدها على النهوض متى ما إستجابت قياداتها إلى آمالها.
الأحزاب، أيضا، ولكونها تضم كفاءات مقدرة، وإذ هي موائل للولاء المذهبي، والآيدلوجي، ما تزال منابر سياسية مزعجة للحزب الحاكم رغم قدرته على حجب صوتها، وكتم أنفاسها. وإذا نظرنا جيدا إلى تأخير تشكيل الوزارة الجديدة بسبب إنتظار نتائج المفاوضات بين الحزب الحاكم والأمة والإتحادي من أجل إشراكهما مجتمعين في عرس الجمهورية الثانية كما سميت، لإتضح لنا أن الحزبين الكبيرين تحديدا يعتبران الشغل الشاغل لحزب المؤتمر الوطني في محنته الحالية، وهو كما نرى لم ينثن من تركهما لحالهما الذي وصفه نافع بأقذع الأوصاف، ومع ذلك لم يكتف الحزب الحاكم بالأحزاب التي إستنسخت إسم الحزبين الكبيرين حتى صار هناك نصف دستة من حزب الأمة وأربع وقيات من الحزب الإتحادي.
والحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه ما لم يفرض الواقع أحزابا فاعلة ومؤثرة سيكون لقواعد الأحزاب التقليدية دورا رائدا في أي تغيير قادم، نظرا لقدرتها السياسية، ولذلك فإن الوضع الذي تعيشه هذه الكوادر من إرهاق، أو إحباط، أو سأم، إنما هو إستثنائي، ومتى ما تغير الوضع، فإنها ستتحرك لملأ الفراغ كما حدث في إكتوبر، وأبريل. ومهما يكن الضعف البنيوي لهذه الزعامات، وكوادرها، وقواعدها، في صنع التغيير إلا أن لديها التدريب السياسي الكافي لتتقدم قادة التغيير. والحقيقة الأكبر أن كاريزما قيادة الحزبين برغم إضعافهما للعمل المعارض بعدد من المواقف الخاطئة إلا أنهما يملكان ثقلا سياسيا، ليس مرده إلى فاعليتهما، وإنما لكونهما قيادتين تاريخيتين يمثل وجودهما سببا من أسباب بعض التماسك في الحزبيين الأصليين. ثم ما هي القوى السياسية الحزبية البديلة التي سعت لملأ الفراغ السياسي المركزي رغم وجود تنظيمات سياسية جديدة وطموحة؟
ـ تيار الحركات المسلحة في دارفور، والشرق، بسلبياته، وضعف حيلته الفكرية، يمثل ـ في خاتم المطاف ـ إفرازا طبيعيا لضعف الأحزاب في تمثل قضايا الهامش بالقدر الذي يتيح لأبنائه الفرصة لتجديد مجهوداتهم من خلالها، عوضا عن التفكير في تنظيمات سياسية ـ عسكرية جديدة تعبر عنهم. وبخلاف هذا فإن هناك أسبابا أخرى يدركها الناس تتعلق، عموما، بحالة غياب رجال الدولة الراشدين عبر الحكومات المركزية، رجال يفكرون إستراتيجيا لقفل الطريق أمام عوامل الظلامات الإثنية، والجهوية، بالإضافة للظلامات التي يعاني منها السودانيون جميعا، من غياب لفرص التنمية، والإستقرار السياسي، والعدالة، والتوظيف، وكبح جماح الإستبداد، والأمن، إلخ.
حقيقة هذه الحركات هي أنها أجبرت على حمل السلاح للتعبير عن مظالم، إتفقنا أو إختلفنا حول سقوفها، ولعل أهدافها في الأصل سياسية، وما وجود السلاح في أيدي المحاربين إلا لأن الطريق سد أمامهم، ولذلك لم يجدوا سبيلا آخر للعمل السياسي الذي يحقق أفكارهم المطلبية والقومية. والحقيقة أن الظروف التاريخية التي صاحبت تكوين الدولة كان لا بد أن تفرض وجود التمرد العسكري، وإن لم تكن هذه الحركات قد نشأت بقياداتها، فإن أخرى كان يمكن أن تحل محلها ما دام أنه لا بد لمعطيات تاريخ العلاقة بين المركز والهامش من أن تفرز متمردين كما تسميهم الدولة. إذن فإن المطالب القومية والإقليمية لهذه الحركات المسلحة يمكن أن ينتهي بها إلى شكل من التنظيمات السياسية متى ما وقفت الحرب، ووصلت العلاقة بينها والدولة إلى صيغة سلام عادل، وشامل، يحقق تلك المطالب والتي لا يوجد هناك من يرى صعوبة تحقيقها، أو مشروعية المناداة بها ضمن مناداة كل السودانيين بإحقاق الحق في شؤونهم.
وعلى الرغم من أن الأحزاب ـ الموسومة، عاليه، بالضعف لأسباب تنظيمية ووجودية ـ تمسك بعوامل قوة سياسية حركية في التغيير المتوقع، فإن الحركات المسلحة ـ المفتقرة إلى تحالف عريضة بينها ـ تمسك أيضا بعوامل قوة عسكرية تتيح لها فرصا لإحداث التغيير، والتفاوض في كيفيته، والإسهام في تحقيق إستقراره.
إذا جازت إضافة الحزب الشيوعي إلى تأثير الاحزاب المركزية، والحركة الشعبية إلي تأثير الحركات المسلحة فإن هذين التنظيمين ولأسباب عديدة يستطيعان أن لعب دور مهم في تجسير العلاقة بين الأحزاب التقليدية و(الحركات المسلحة في الغرب والشرق وكل قوى الهامش). فالحزب الشيوعي ونسبة لمواقفه التاريخية المعروفة من القضايا الجهوية يظل أكثر تفهما لطبيعة عمل الحركات المسلحة. وكما كان لديه القدرة على التعامل مع الحركة الشعبية فإنه لا يجد مانعا يحول دون تعامله مع الحركات المسلحة، على الأقل لناحية تفهمه لأسباب نشوئها. وكما تعلم أن خطاب حركة تحرير السودان، جناح عبد الواحد، يتوائم تماما مع برامج الحزب الشيوعي المتمثلة في خلق دولة مدنية وديموقراطية تحقق شروط الإصلاح السياسي، فضلا عن ذلك أنه لا خلاف هناك بين ما يطرحه الحزب الشيوعي من أفكار وحركة العدل والمساواة ولا يختلفان إلا في تعريف كل طرف للدولة المدنية التي ينادي التنظيمان بوجودها، والحال هكذا فإن الحزب الشيوعي لديه ـ لا بد ـ جولات من التنسيق مع بعض حركات الشرق والغرب والشمال الأقصى، ويناصر في خطاباته سودان ديموقراطي يحقق توازنا في التنمية الشاملة.
أما بالنسبة للحركة الشعبية، قطاع الشمال، والتي سعت خطوات أبعد إلى تحقيق إتفاق كاودا بينها والحركات المسلحة في دارفور، ولعلاقة الحركة الأم بالأحزاب التقليدية، وما تزال هناك إمكانية في التواصل بينها وهذه الأحزاب، خصوصا وأن حزب الأمة يطرح في أجندته الوطنية مشروعا للتوأمة مع دولة جنوب السودان، كل هذه الأسباب قد تجعل من الحركة السعبية، قطاع الشمال، حلقة وصل بين الأحزاب التقليدية والحركات المسلحة، ويمكن بقليل من الجهد أن يتطور إتفاق كاودا إلى إتفاق وطني تمليه فداحة الواقع بحيث أن يضم الأحزاب التقليدية المركزية على أن يطور إلى ميثاق وطني يخاطب جذور الأزمة السودانية، ويوجد الثقة بين تيارات المركز السياسية والحركات المسلحة، ونعتقد أن ميثاقا كهذا تفرضه ظروف التحولات السياسية الماثلة أمامنا، خصوصا وأن كل طرف يملك عناصر قوة ذاتية تحتاج للتوحد مع قوى جمعية. وما يجعل إتحاد الأحزاب والحركات ضرورة هو أن الحكومة كثيرا ما إستقطبت هذه الحركات بعد التفاوض وبالتالي إستقوت ردحا بها، إذن فما الذي يمنع تحالف الأحزاب والحركات ليعضد كل طرف عناصر قواه إذا كان من الممكن للحركات المسلحة الإندماج في دورة الفعل السياسي السلمي؟، وأمامنا نموذج جناح مناوي، وجبهة الشرق، والحركة الشعبية التي تركت السلاح بعد نيفاشا، وقبلت بهذه الإتفاقية التي لبت تطلعاتها، وبالتالي عاد الإستقرار إلى الجنوب، وجبال النوبة، والنيل الأزرق وتخلصت الخرطوم من متاعب لا حصر لها إلى أن عادت مرة أخرى لإفساد أجواء السلام في الولايتين المعنيتين. التاريخ القريب يدلنا أن الأحزاب التقليدية، بالإضافة إلى الحركة الإسلامية، كانوا قد إتحدوا يوما في جبهة عسكرية في ليبيا بعد أن أجبرت على رفع السلاح، ولاحقا دخلت أحزاب الأمة والإتحادي والشيوعي وبعض التنظيمات الأخرى في تحالف عسكري لإسقاط النظام، أيضا بعد أن أجبرت على هذه الخطوة، ووقتها لم يكن هناك حكيم وسط الأجنحة العسكرية للأحزاب ليجهر بخطورة حمل السلاح كما يجهر بعض كوادرها بحمله الآن. ولعل الأسباب التي أجبرت الأحزاب على منازلة النظام هي نفسها الاسباب التي جعلت نشوء الحركات المسلحة أمرا ممكنا. إذن فما الذي يجعل الشر ينطوي في سلاح الهامش بينما هو كل الخير إن حملته أحزاب المركز، ألهم إلا إذا كان الشر أصلا مرسوما في قسمات أبناء الهامش الذين تتعرض مناطقهم للقصف الجوي المركز، وبقية جرائم الحرب التي يرتكبها نظام الخرطوم؟
هذه الأمنيات الشخصية الممزوجة بالتطلعات القومية، حتما، تواجه بعدد من العثرات في بداية ومنتصف الطريق، وحتى بعد تحقيقها، ولكن ـ على الأقل ـ تحتاج إلى التضمين في أي خارطة طريق وطني للتغيير، وإلا ستضرب الإنقاذ في وجهة تمزيق البلاد، والأحزاب التقليدية في وجهة التكلس، والحركات المسلحة في وجهة الإنشقاقات، ومن ثم يصبح الوطن نهبا لتطلعات المذهبيين، والعنصريين، وغلاة الآيديولوجيين.
حتى الآن لا توجد خريطة طريق تفضي إلى تجسير العلاقة بين مكونات المعارضة، بكل شقائقها، وربما لهذا إستطال ليل الجبهة الإسلامية القومية في السلطة، وإلى أن يتم تمتين الثقة عبر ميثاق قومي بحد أدنى أو أعلى، وعمل جماعي، وسط مكونات المعارضتين السلمية والمسلحة تصبح معادلة الساحة السياسية مائلة لقوى الخراب، والتدمير، والتهليل.

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1064

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#221651 [عبد العزيز سام]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2011 10:33 PM
أستاذ صلاح شعيب لك التحية، اتفق مع تعليق الأخ الذي سبقني أن تكثر من الكتابة في كل المواضيع وبخاصة هذا الموضوع.. مشكلة أحزاب المركز ثقافية في المقام الأول!! وازمة السودان ثقافية، كُرِّست عبر القرن الماضي وما زال، مشكلة تتمثل في عدم ثقة أهل المركز بأهل الهامش وإزدرائهم وتحقيرهم لهم ، يقولون أن الخليفة عبد الله التعايشي قدم تجربة إقصائية لأهل المركز في الحكم، والخليفة لم يحكم السودان بل أسسه!! وكمان ناس المركز الآن وأقصد الأحزاب السياسية ليس بيدها حيلة، يعني مافي تفكير جماعي لمؤسسة الحزب إن وجدت مؤسسة أصلاً، الكل عليه الإئتِمار بأوامر زعيم الحزب وأولاد وبناته، وزعيم الحزب وأسرته للأسف رجل خارج التاريخ والجغرافيا بسبب الوجدان السقيم القديم، وتمجيد قواعد الحزب له بسبب أصله وسلالته التاريخية، أو بسبب أن زعيم الحزب هو مورد الرزق وحامي حمي الحزب، ومفكرها الأوحد، الغريبة ان زعماء أحزابنا التقليدية لا يعرفون معاناة قواعدهم من العامة، كيف؟؟ هل في زعيم حزب تقليدي يوم ركب مواصلات ولا نام في حوش بيت سوداني ؟؟ ولا فلس وعدم الملين؟؟ ولا عاني مرض ولا غلاء أسعار ولا مصاريف مدارس لأبناءه؟؟ ووو .. لذا الحل يكمن في خروج قيادات وشباب الأحزاب التقليدية من قبضة قيادتها التاريخية التي تعمل فيهم السحر بسرابات خاوية، ليست بماء.. لتحقيق الحلم الذي ناديت به بقوة في هذا المقال المفيد كالعادة، أو أن تقوم تلك القواعد التقليدية إبجبار قيادتها التاريخية علي تبني قضايا الحال والساعة وهذه ممكنة لو أن الأزمة الثقافية قد تداوي منها شباب وقواعد تلك الأحزاب التقايدية.. لك الود علي ما يخطه يراعك.


#221061 [Lama]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2011 07:38 PM
أفضل ما كتب حتى الاّن في هذا الموضوع

نتمنى أن تلتفت القوى المدنية لهذه النداءات
نتمنى الا تستجيب الحركات لمغريات الحكومة

نتمنى من الجميع الكف عن التلاوم والحديث الغير مفيد عن مدنية وعلمانية دولة لا نعرف هل سترى النور أم لا

الاتفاق يجب أن يكون على الحد الأدنى الذي يكفل الحريات والعدالة واقامة دولة مواطنة

أجندة حزب الأمة مع اعلان كاودا ...ممكن يلبوا المطلوب وأكثر

ما زلنا نأمل أن تتحق هذه الأماني


#220812 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2011 09:31 AM
نعم جسر المسافة بين الاحزاب التقليدية المعارضة وثوار الهامش.
نعم هذا هو الموضوع العاجل الملح.
ارجو الا تكتفي بمقال واحد.فليكن نداء بل حصارا لتلك القوى المعنية لتجتمع وتتفاكر وتنقد بعضها البعض وتتواثق على وحدة البلاد.
انا اضعف خلقه كررت هذا النداء عشرات المرات.
انظر تعليقاتي فى هامش جبهة د.الشفيع العريضة.
والباقر موسى كشف عن هذا الخلل وطالب بالتقارب بين تلك القوى السلمية والمسلحة.
فى سودانيزاون لاين
اخطر ما يواجه البلاد هو التشظي وكفى به دافعا لجسر برى بكاودا..
كفى بع دافعا للاسراع بهذا اللقاء.
ارجو الا تكتفي بمقال واحد.
ربما نحن مضطرون لتكوين كتلة ضاغطة ,همها دفع الاحزاب المعارضة التقليدية لتلتقي بتجمع كاودا.من جانبي ارشح السيد الصادق المهدي لتراس جانب القون السلمية.


صلاح شعيب
صلاح شعيب

مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة