ضل الفيل وكيفية التغيير
10-05-2011 10:42 PM

قراءة في المشهد السياسي:

ضل الفيل وكيفية التغيير

د. الشفيع خضر سعيد
Elshafie Khidir Saeid [[email protected]]

في العديد من المنابر المتاحة، تحتدم مناقشات جادة ومخلصة تجاه قضايا الوطن وتجاه بناء الجبهة العريضة لإنقاذه. وفي معظم هذه المناقشات تطرح تساؤلات، أغلبها يبتدئ بأداة السؤال كيف. مثلا: كيف نخترق الواقع السياسي الراهن ونأتي بفعل خارق يزيل عنا الكابوس الحاكم؟ كيف نحدث التغيير المنشود، وكبف نبني أدواته وآلياته؟ كيف نستعيد زمام المبادرة ونكون مؤثرين ونفجر الحراك الجماهيري؟ كيف نردم الهوة بين القيادة والقاعدة؟ كيف....وكيف...وكيف؟! كما تثار أسئلة أخرى تعبر عن قلق شديد تجاه مآل الحال في البلاد، وفي الذهن سوريا، اليمن، ليبيا، أو ربما حالة خاصة جدا إسمها السودان وحربه الأهلية شبه الدائمة. ردة فعلي الأولى والمباشرة في الرد على السؤال كيف، هي، أن أي فرد منا، السائل أو المجيب، يمكن ان يساهم في الاجابة، وأنه لا يوجد مرشد أو دليل (manual) جاهز لكيف يتم التغيير أو تبنى أدواته، وأن الإجابة الأقرب إلى الصواب تأتي نتيجة جهد جماعي، من مؤسسات أو منابر. وأعتقد أن أي إجابة تدعي الصواب، لا بد أن تكون ملهمة للشباب المتشوق للتعبير عن رفضه لأي ظلم، حتى يضاعف من قدرته على إدارة الوقت والاستفادة القصوى منه، وحتى يقمع أي احساس باللاجدوى، ويقتنع بأن أي عمل في هذا الواقع، المتشعب المشكلات، مجدي. وبالطبع، أنا هنا أتكلم عن الذهن المفتوح لإستيعاب الآخر، المتفق في الهدف وإن اختلف معه آيديولوجيا، الذهن الذي يشرع الأبواب لكل ما هو مطروح للمقاومة وتثوير الشعب من اجل إقتلاع الحقوق وتحقيق حياة تليق بقيمة الإنسان. نحن في السودان، نتوق لحياة ديمقراطية تحت ظلال السلام والأمان، حتى نبني الوطن وننعش التنمية ونؤهل الأجيال. ولما كان هذا الهدف تلتقي فيه كثير من الاحزاب والحركات والكيانات السياسية، فلا بد أن تتفاعل طرق تفكيرها وأدواتها، مهما إختلفت، حتى تتكامل لتحقيقه. وإذا تركنا التعميم وأخذنا إعلان تحالف كاودا كمثال، فسنجد أن الاعلان لم يهدد بحملات الدفتردار الانتقامية، بل تحدث عن قضايا يتفق معها الكثيرون، وربما الجميع ما عدا المؤتمر الوطني! فالاعلان، في جوهره، ينص على قيام نظام حكم لا مركزي ديمقراطي، يساوي بين المواطنين على أساس المواطنة، ودون أي تمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو النوع, ويكفل الحريات العامة وحقوق الإنسان وسيادة حكم القانون وإستقلال القضاء والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويضمن المشاركة العادلة في السلطة وتوزيع الثروة مع تطبيق مبدأ التمييز الإيجابي للأقاليم والمناطق المتضررة بالحرب....، هل من عاقل حادب على مصلحة الوطن يمكن أن يرفض هذا الحديث؟
نحن، مجموع أهل السودان نفكر بطرق مختلفة ونرى الأشياء من زوايا مختلفة، ولكنا نسعى لتوحيد الأهداف الأساسية التي تسمح بتعايشنا السلمي الذي يحفظ لكل منا تماسكه الوجداني، وثقافته، وكرامته الإنسانية، بل وتطلعاته الإقتصادية. وفيما يخص الأزمة التي تعيشها بلادنا، من حروب وغلاء وإجحاف سياسي وخراب تنموي، هناك من يفكر بطريقة راديكالية مباشرة: فعل سياسي يؤدي إلى التغيير. وقد تشمل خيارات هذا الشخص، الانتفاضة الشعبية المصحوبة بالعصيان المدني أو المحمية بالسلاح، او الانقلاب العسكري، أو المقاومة المسلحة. ونجد آخر يفكر بطريقة إصلاحية تهدف لمحاولة تقويم النظام دون الدخول في مواجهات اصطدامية معه، فيعمد إلى الحوار، التوعية، اصداء النصح، التنبيه إلى ملفات الفساد، والحد من الشطط والعسف السلطوي، محاربة الغلاء بمقاطعة السلع...الخ. وبالطبع هناك الكثير من مناهج التفكير الأخرى، ما بين هاتين الطريقتين، تتشكل بحسب الرؤى والمشارب الفكرية، ويعبر عنها بالتاكتيكات المختلفة، وإن كان لها هدف واحد هو إحداث التغيير في البلاد. ولعل الاستنتاج الرئيسي هنا هو أهمية وحتمية تكامل الأدوار والتاكتيكات المختلفة لتحقيق الهدف الواحد. لكن ليس أي دور بالضرورة يكون سياسي، أو يبتدئ سياسي، وإن كان في الغالب سينتهي سياسي. فالتغيير ليس له مسار واحد، ولا يجب أن نطلب من كل الناس ان يكونوا سياسيين، أو نحدد لهم الهدف النهائي كما نشتهيه نحن. الآن مثلا، ارتفعت حدة الصراع السياسي في البلاد بسبب الحرب الأهلية المشتعلة في الهلال الدامي، واصبحت هنالك كثير من المخاوف من الصوملة أو الحالة الرواندية. فتحركت جهات عديدة، حركات واحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية، في اتجاه رفض هذا الواقع. لكنا لا نشترط أن تعبر هذه الجهات عن مطالب خارج نطاق تخصصها. فالأحزاب السياسية مثلا، ترفع مذكرات تدين الحرب، تدعو إلى المواكب، تنادي بمؤتمر دستوري..الخ. ومنظمات المجتمع المدني تكوّن شبكات وقف الحرب، تتقدم بالعون الانساني للنازحين والمشردين من جراء الحرب، أو، وفي مجال مختلف، تدعو لمقطعة السلع الغالية، كما فعلت جمعية حماية المستهلك، بدعوتها لمقاطعة شراء اللحوم مبتدرة بذلك فتح جبهة محاربة الغلاء، وهي ليست \"شتارة\" وإنما جبهة أساسية من جبهات الصراع السياسي/ الاجتماعي.
جمعية حماية المستهلك، دعت الشعب لمقاطعة اللحوم كرد فعل لغلاء أسعارها، وكفعل احتجاجي اجتماعي يساعد في الضغط على مافيا السوق. كثيرون إنتقدوا هذه الدعوة، من منطلقات مختلفة. فهناك من يرى ان الحياة في السودان تحتاج إلى مقاطعة شاملة، وهناك من يرى أن المقاطعة ستؤثر فقط على شريحة الجزارين وهم ليسوا المتحكمين الفعليين في الأسعار، وهناك من إرتاب عندما لاحظ حماس الحكومة للمقاطعة!، وهناك من قال إن جمعية حماية المستهلك \"عينا في الفيل وتطعن في ضلو\"، مشيرا إلى أن الأجدى هو الدخول مباشرة في معركة إسقاط النظام. والقول الأخير يشترط على الفعل اللازم، أي مقاطعة اللحوم، أن يتعدى السوق ويسقط النظام، محملا هذا الفعل فوق طاقته. فالجهة التي صدر منها الفعل ليست كيانا سياسيا، كما أن أي تاكتيك سياسي يحصر نفسه فقط في هذه الدرجة من المباشرة: فعل سياسي يؤدي إلى اسقاط النظام، يضع نفسه في مأزق نفسي خطير. أولا، لأنه يظلم الجماهير التي تريد ان تشارك في أداء الفعل بتحميلها مسؤولية الفشل وإشعارها بالعجز السياسي. وثانيا، لأنه يقلل من قيمة الفعل في تصعيد الحراك الجماهيري. إضافة إلى أنه سيحرم الفعل السياسي من مجموعة أفعال مساعدة تمكنه من الوصول إلى تحقيق المشتهى. أما حملة مقاطعة اللحوم في حد ذاتها، فقد لا تؤدي إلى أكثر من تخفيض أسعار اللحوم، وربما مؤقتا، ولكنها من جانب آخر تمثل إختبارا حقيقيا لإستجابة الشعب لنداء التوحد، لا تحت شعار موحد فقط، وانما في حراك عملي موحد لإنجاح فعل إحتجاجي ضد سياسات النظام. ثم أن الاسقاط لن يتم من فعل واحد ومن جهة واحدة ومن أول خطوة. ولكن، عبر الحراك الجماهيري المتصاعد والموحد كمحصلة تحركات متعددة ومتنوعة ومن جهات مختلفة. أنظر مثلا تجربة المناضل الهندي أنا هازاري. بلباسه الابيض، وبسمته البسيطة، افترش هذا العجوز (74 عاما)، المعجب بالمهاتما غاندي، الأرض في حديقة راميلا العمومية بدلهي، معلنا اضرابا مفتوحا عن الطعام حتى يتم تحقيق مطلبه بتفعيل محاربة الفساد في الهند. في البدء، سخر كثيرون من هذه الخطوة، وشككوا في قدرتها على إحداث تغيير ما. لكن الحملة بدأت تحشد يوميا آلاف المؤيدين، مما شكل ضغطا سياسيا متزايدا على الحكومة الهندية. قالت احدى المتحمسات للحملة: \"الفساد يزداد يوما بعد يوم في بلادنا، هذه فرصتنا للتنديد به، لأن هازاري قد لا يتكرر مرة اخرى، وأنا لا افعل الكثير بخلاف إهتمامي ببيتي وعملي، لذلك طلبت يوم عطلة لمساندة هذه الحملة\". وتحولت حركة هازاري من إحتجاج فردي محدود إلى نشاط جماهيري واسع هز الحكومة، وأجبرها على الاستجابة إلى مطالبه. أما تهافت حكومتنا على تأييد دعوة مقاطعة اللحوم، فلا يعكس التحامها بالشعب بقدر ما يعكس مدى الخوف من تحركه، كأنما المباركة ستعطيها صك براءة من تسببها في الغلاء الفاحش وضنك المعيشة. لكن، الشعب يعرف أن \"غول\" الأسعار هو صنيعة وتربية الحكومة في حظيرة سياساتها الاقتصادية البعيدة عن هموم الجماهير، وفي تورطها في حرب الهلال الدامي. كما إن نظرية مؤامرة القوى الخارجية الصهيونية، وفكرة العدو الخفي المتوهم، الذي يتلاعب بقوت الشعب، لا يمكن بلعها وهناك، 500 شركة حكومية تعمل متخفية في زي الشركات الخاصة، كما ذكرت الصحف، مما يعني الفساد ثم الفساد.
الجنيه السوداني يواصل تدهوره مقابل الدولار، ونسبة التضخم وصلت 21%، الشعب يتضور جوعا، والقلة التي تحتكر الثروة مأزومة، وتضع يدها على قلبها خوفا من قادم، حتما سيأتي طارقا الباب بقوة، أو كاسرا له بعنف ودون إستئزان. فقد اتسعت دوائر معارضة النظام، وهي تبحث عن فعل يوازي الاحداث المتصاعدة، المجموعات المعارضة التي إختارت طريق المقاومة المسلحة تتوحد في كاودا، الأصوات الرافضة للحرب تعلو وتتعدد، والاطراف التي يلهث النظام خلفها تتردد في ان تشارك في جنازة، وتسريبات ويكيليكس تدفع بملفات ساخنة أخرى على السطح، وإجتماع تعبئة \"أهل القبلة\" ينفض قبل ان يبتدئ حقنا للدماء! إنه وضع حرج، وأي محاولة للرتق ستؤدي لتوسيع الفتق. ورغم ذلك تحاول الحكومة تضييق دائرة صنع القرار السياسي كرد فعل طبيعي لتوسع دائرة أخطاءها، وتحاول إعادة إنتاج \"الصحّاف\"، فتلجأ لخطاب القطع والبتر و\"جردوها...\". ولكن خلفية هذا المشهد تشكل معه لوحة من المفارقات (paradoxes)، فهناك تحركات الوسطاء النشطة، زيناوي وأمبيكي، ودعوة مجلس تشريعي جنوب كردفان مع تأكيد الدعوة للواحد وعشرين نائبا عن الحركة الشعبية/الشمال التي يسعون لتجريدها في جنوب النيل الأزرق، وزيارة رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير، التي سبقها اتفاق على فتح الحدود بين الشمال والجنوب، وتضارب تصريحات كبار قادة المؤتمر الوطني...، والمجالس تتحدث عن أن نظام الإنقاذ منقسم على نفسه بشكل حاد، وصراع الأجنحة فيه بلغ مرحلة انتظار المفاجاءات.
ولكن أي مفاجاءة أكبر من مفاجاءات الشعب السوداني؟!.

تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 2236

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#221257 [رابحةالكنانيه]
4.15/5 (8 صوت)

10-06-2011 08:04 AM
يجب انفكر بطريقه للخلاص من هذا الكابوس يعنى اذا قدر لنا ان نعمل لاذالت هذا الفساد هل سيكون القادمون هم ولاة الامر ان لايعبثوا بهذا الوطن


#221254 [رابحةالكنانيه]
4.11/5 (7 صوت)

10-06-2011 07:56 AM
يعنى نعمل شنو؟
كابوس والرصاص يقزفنا والبندقيه حارسانا


د.الشفيع خضر
د.الشفيع خضر

مساحة اعلانية
تقييم
9.01/10 (35 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة