11-24-2015 01:38 AM

(1) يتملكنا الاعجاب والفخر و شعور طاغي لا يقاوم من الفرح ونحن نحكي عن بعانخي وهو يغزو مصر ويصل حتي البحر الابيض المتوسط ، ونفرح في سعادة بالغة ونحن نحكي عن ود النجومي فارس المهدية وهو يحاول غزو مصر حتي مجرد المحاولة تدخل في نفوسنا السعادة والبهجة رغم مرارة الهزيمة في تلك المحاولة البائسة ، ذاكرتنا الشعبية تشعر بشموخ وشجاعة وهي تتذكر حادثة المك نمر وهو يحرق ضيفه اسماعيل باشا في عشش بأطراف شندي رغم ان هذا الفعل لا يمتد لأخلاق الضيافة والكرم والشجاعة بأي صلة ، ذاكرتنا السياسية تنتعش فرحاً وهي تتذكر الموقف البطولي للجنرال عبد الله خليل وهو يحشد القوات السودانية في حلايب ضد عبد الناصر ، ذاكرتنا الرياضية تضحك بفرح غامر و هستيري وهي تتذكر هدف اسحق كرنقو في مرمي الاهلي المصري فهذا الهدف عندنا يساوي كل الاهداف السودانية رغم انه لم يحقق بطولة ولم ننال بسببه كاساً .

(2) الخرطوم يومئذ تخرج هادرة وإسلاميها يهتفون ضد عبد الناصر المصري الذي اعدم سيد قطب الاسلامي وتمر السنوات وإسلامي مصر يفرحون بخروج زعيم الاسلاميين السودانيين من السلطة ويهرولون اليها ، والخرطوم التي لا تخرج حتي في ساعات الفرح السوداني تخرج و تستقبل عبد الناصر الزعيم المهزوم الذي انكسر جيشه في ستة ساعات فقط كأسرع الهزائم العسكرية في تاريخ البشرية ، والخرطوم التي لم تعرف الفرح وهي تنال كاس افريقيا في السبعينات ، تخرج فرحاً وسروراً ومصر تنال كاس افريقيا وتستقبل الفريق المنتصر في الخرطوم وينال ما لم يناله أي فريق سوداني من الهدايا والعطايا ، والخرطوم التي لم تصفق لأيقونة الكرة السودانية امين زكي وهو يرفع كاس افريقيا تهتف فرحاً لابو تريكة وهو يرفع قميصه ويظهر ما تحته شعار من اجل غزة بعد هدف تاريخي في مرمي المعز محجوب والمعز محجوب ليس ديفيد كوهين حارس المرمي الاسرائيلي ، والخرطوم تستقبل ام كلثوم بالحشود والمع مذيع سوداني علي مر الازمان بروف علي شمو كل انجازاته التي يتحدث عنها الناس لقاء استمر لدقائق معدودة مع الست وجلس امامها كأنه تلميذ في مدرسة ابتدائية بالسيدة زينب ، والخرطوم يضحكها عادل امام اكثر مما يضحكها كل كوميدينيات السودان من لدن تور الجر والفاضل سعيد حتي محمد الفادني ، والخرطوم يوجع قلبها حباً وشجناً ولوعة عبد الحليم حافظ اكثر مما يوجع قلبها وردي في لو بهمسة و عثمان حسين في شجن وقصتنا ، ولا تجد تفسيراً منطقياً لهذا الحب الاعمي إلا عند تولستوي في أنا كارنين عندما يقول بعض الناس يحبون البعض لأنهم حثالة،ونحن ابتلينا بهذا الحب الحثالي .

(3) ذاكرتنا الدينية تحدثنا ان من مصر تمسيح السودان ، وان من مصر تأسلم السودان ، وما تريد كتب التاريخ القديمة ان تقوله ان الوعي والثقافة والأديان كلها جاءت من شمال الوادي ، وما تريد ان تقوله ان المسيحية لم تأتي من الجنوب ولا الشرق ولا الغرب بل جاءت من الشمال مركز الحضارة ، وما تريد ان تقوله ان الاسلام لم يأتي من الشرق ولا الغرب بل جاء من الشمال مركز الايمان ، وكأن التاريخ كان في نزهة حين جاء الصحابة رضوان الله عليهم وحطوا رحالهم في ارض السودان من الشرق عابرين البحر الاحمر ، ولكن ذاكرة التاريخ السوداني مثقوبة مثل الجبن السويسري ، ولك ان تعلم لماذا تاريخنا مشوه ومزور ولا وجيع له وانه يكتب في مكاتب الاستخبارات وليس في قاعات العلم والمعرفة .

(4) يحدثنا التاريخ ان في خمسينات القرن الماضي كان هناك طالب سوداني اسمه عبد الخالق محجوب يدرس في مصر وانه كان تلميذاً لهنري كوريل المصري و بعد سنوات قليلة جاء الي السودان حاملاً معه المذهب الماركسي قاطعاً صحراء بيوضة وفي بيوضة ما في سراب ، هكذا يتحدث التاريخ عن دخول الحزب الشيوعي الي السودان وإذا رجعت الي كتب التاريخ ذاتها لوجدتها تتحدث عن الحزب الشيوعي السوداني افضل نسخة للشيوعية في العالم العربي وتفرد له المقالات والمجلدات ولا تجد ذكراً او سيرة لحزب اسمه الحزب الشيوعي المصري ، وتتعجب من الدونية التي يحاولون ان يلصقوها بنا ولكن حين تعرف مصر وعقلية مثقفيها لا تتعجب كثيراً .

(5) يحدثنا التاريخ ان في اربعينات القرن الماضي جاء مندوب الاستاذ حسن البنا ليؤسس جماعة الاخوان المسلمين في السودان ، وذات التاريخ لا يتذكر بابكر كرار وميرغني النصري ومحمد يوسف وهم يؤسسون جماعة طلابية اسلامية لتصبح من بعد ذلك الحركة الاسلامية السودانية اول حركة اسلامية تعتلي السلطة في العالم العربي وتجلس عليها ربع قرن وتفشل حركة الاخوان المسلمين المصرية ان تجلس علي الحكم سنة واحدة ، وتتعجب كثيراً من مواقف الجماعة العجوز في مصر وعداوتها للحركة الاسلامية السودانية ودولتها ولكن حين تعرف مصر وعقلية مثقفيها حتي ولو كانوا يتدثرون بالدين لا تتعجب كثيراً .

(6) يقولون ان حركة الوعي السوداني مصدرها شمال الوادي ولكن اذا تتبعت حركة الوعي فستجد ان الوعي كان سودانياً وستعرف ان ابا يزيد بن حبيب السوداني تتلمذ علي يديه اعظم فقاء مصر الليث بن سعد ، وستجد ان الدولة السودانية عاشت ثلاثة ديمقراطيات من بعد ثورات شعبية ، وستجد ان مصر عاشت سبعة الف سنة تحت حكم الفراعين ولم تشهد مصر طوال تاريخها الحديث والقديم سوي رئيس ديمقراطي واحد انقلب عليه فراعنة الجيش المصري ، ولذلك مصر يأكلها الغيظ وتظهر عورتها كلما تتجه الديمقراطية جنوباً .

(7) اذا بحثت في ذاكرة الفن والغناء والطرب ستجد عبد الكريم الكابلى يغني مصر يا أخت بلادى يا شقيقة يا رياضاً عذبة النبت وريقة ، وستجد البرعي ينادي مصر المؤمنة بأهل الله ، وسيرهقك البحث ولن تجد فناناً مصرياً او شاعرياً مصرياً واحداً تغني للسودان ولذلك تلفزيون السودان كلما بحث عن ذاته عند العرب لم يجد غير الكويت من جنوب الوادي هلت بشائرنا من السودان .

(8) تحكي النكتة عميقة المعني عن حوار بين طالب سوداني ومصري ، سأل الطالب المصرى زميله السودانى قائلا كيف تذهبون للمدرسة هل عندكم سيارات ؟!! فأجابه السوداني أبدا انا كنت أركب الفيل للوصول الى المدرسة وعبد الله كان يركب أسده ، وعلي فكان له قرد كبير يوصله الي المدرسة و الطالب المصرى فى كل مرة يقاطعه والنبى !!!!!! ، هذه الصورة الذهنية للسوداني لن تجدها عند المواطن المصر البسيط بل تتعمق عند المثقفين المصريين الذين يظنون ان الخرطوم مثلها ومثل غابات الاستوائية كما رسمها الطيب صالح في موسم الهجرة الي الشمال وهو يحكي لإيزابيلا سيمور عن حياته في ضفاف النيل .

(10) في العام 1989 والسودان يشهد انقلاب الانقاذ كان الرئيس المصري حسن مبارك يطوف البلدان مبشراً بالنظام الجديد بعد سماعه تقرير المخابرات المصرية (ديل اولادنا يا بيه ) ولأول مرة في تاريخ العلاقات بين الدولتين ينجح الاسلاميين السودانيين في خداع المخابرات المصرية التي كانت تعين وزير الداخلية السودانية ، واحتاج النظام المصري الي خمسة سنوات حتي يرد الصفعة التي نالها علي قفاه حين زار علي عثمان القاهرة بعد سنوات من محاولة اغتيال مبارك في اديس ابابا وحينها دخل عليه في اجتماع مغلق ضابط المخابرات المصرية وهو يقول له (يا شيخ علي ما عرفتني يا بيه ) .

(11) في فجر 30/ ديسمبر /2005م و حتي تشهد مصر عيد ميلاد سعيد أحاطت قوّات غفيرة من الجيش والبوليس المصري جموع اللاجئين السّودانيّين في المهندسين وقتلت منهم 256 سودانياً ، وفي فجر 14/اغسطس / 2013م احاطت ذات القوات المصرية في رابعة العدوية بجموع من ابناء الشعب المصري وقتلت ثلاثة الف مصري ، الدمع السوداني الذي ابي ان يخرج من المآقي السودانية في حادثة اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفي محمود كان كريماً جداً و كان غزيراً جداً وهو يبلل الدقون علي ابناء مصر في ميدان رابعة العدوية .

(12) اذا نظرت الي السياسة السودانية في حاضرها فستجد ان التسويات السياسية لقضايا السودان تجري في العواصم الافريقية الشقيقة وغير الشقيقة وستجد ان اديس ابابا صارت شقيقاً اكثر من القاهرة ، وستجد ان نيروبي صارت شقيقاً اكثر من القاهرة ، وستجد ان الخرطوم ذاتها بعد نيفاشا صارت شقيقاً اكبر للجارة الحديثة ، ومصر لا تشعر ان مياه كثيرة جرت تحت الجسر وان تحولات كبيرة حدثت في السودان وان الصورة الذهنية عن العبد الاسود الذي جاء محمد علي باشا باحثاً عنه لم تعد إلا في خيال رجال السياسة المصرية ومثقفيها وان الحب والعشق السوداني لشمال الوادي تحول الي نقيضه و يجب ان يموت هذا الحب الملعون الذي اشقانا ولم يسعدنا .

[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1984

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1374669 [لتسألن]
0.00/5 (0 صوت)

11-24-2015 02:29 PM
لا جديد في الافكار و لكن المقال لا يخلو من براعة في الصياغة، و لكن يلزم الكاتب تدقيق في اللغة.


#1374662 [عبدالرحيم عبدالرحمن ودالفكي]
1.00/5 (1 صوت)

11-24-2015 02:11 PM
في البداية احيي اخونا علي عثمان علي هذه المعلومات الثرة عن مواقف الشعب السوداني الاخلاقية والبطولية تجاه المصريين علي مر العصور والازمان - لكن للاسف الشديد وعلي العكس تمامافيما يتعلق بمواقف اخوتنا المصريين تجاه قضايا السودان المختلفة- إذ لم يثبت يوما ان المصريين قد وقفوا معنا في شي بل كانوا ضدنا في كل شي ابتداء بوعدهم لنا بمد خط كهربائي من خزان السد العالي منذ ستينيات القرن الماضي لم يقم حتي الان بل كانوا وما زالوا خميرة عكننة لعلاقاتنا بالدول المجاورةومعظم مشاكلنا مصدرها المصريين حكومات وافراد- لم يحترموا جوارنا وجعل اعلامهم يصور الانسان السوداني تابع لهم وان السودان عبارة عن ولاية مصرية غير قابلة للتحرر من براثن السلطة المصرية في اي وقت من الازمان لذا اضم صوتي لصوت اخونا علي واقول بأنه ان الاوان لتعريف المصريين من نكون .


#1374507 [Abu Ahmad]
1.00/5 (1 صوت)

11-24-2015 11:00 AM
شكرا ليك أخ علي .. ما خليت لينا حاجة عشان نضيف .. إفحام بلا حدود .. كتر الله أمثالك ولا فض فوك..


#1374400 [واعي الراعي]
5.00/5 (1 صوت)

11-24-2015 09:18 AM
كلام دسم ورائع ومفيد


علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية
تقييم
8.84/10 (57 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة