المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رباح الصادق المهدي
من السيف والطغاة.. إلى الجمهورية الثانية
من السيف والطغاة.. إلى الجمهورية الثانية
10-15-2011 11:28 AM

من السيف والطغاة.. إلى الجمهورية الثانية

رباح الصادق

ذهبت إلى معرض الكتاب المصري هذا العام في وفد الحبيب الإمام الصادق المهدي بالأحد الماضي، وكنت قرأت باستمتاع واهتمام مقالة الأستاذ شوقي إبراهيم عثمان (ابن تيمية وحده لا شريك له.. معرض الخرطوم الدولي للكتاب-للسلفيين فقط) وما فيها من أن المعرض مضمخ برائحة السلفية وليس فيه بؤرة استنارة سودانية إلا دار عزة للنشر، كما لا مصرية سوى مكتبة مدبولي، مشيرا لاستخدام الأمن الشمولي في مصر لمدبولي كشرك اصطياد للمناكفين، وربما في السودان أيضا. وقد خرجت من المعرض بـكتاب (الجمهورية الثانية) لكاتبه العميد الركن/ السر أحمد سعيد.
والحقيقة أن سلفيي هذا الزمان لا يعودون للسلف زمن الرسول والراشدين الذين حرروا العقول من التحجر والتقليد، ولا السلف على عهدي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذين كسرا زجاجة التقليد في القرن الثامن الهجري بعد أن رزحت فيها الأمة لأربعة قرون. وربما أتيا بآراء متشددة هنا وهناك في قضايا فقهية، تماما كما فعل الإمام المهدي في نهاية القرن الثاني عشر الهجري، ولكن روح ما قاموا به هو كسر التقليد فذمه ابن تيمية وصاحبه باعتباره أس البلاء، وقال الإمام المهدي: ولا تعرضوا لي بنصوصكم عن الأقدمين إنما لكل مقام حال ولكل زمان وأوان رجال. فالسلفية التي يضجر منها شوقي أيما ضجر هي سلفية شائهة تحرق ألواح آبائها المؤسسين لتقدس رمادها.
لم تكف الجولة التي قضيتها في المعرض لامتحان مقولات شوقي حول طغيان المد السلفي لأنني كنت أبحث عن السودانويات، فوجدت خلا دار عزة: دار جامعة الخرطوم للنشر، ومركز عبد الكريم ميرغني، ومكتبة المصورات، ومركز محمد عمر بشير، وكلها بؤر استنارة وربما كان يعنى في إشارته لدار عزة بحجمها، فهي أضخم في مساحتها وفي مطبوعاتها بما لا يقارن بأولئك الناشرين.
لفت نظري كتاب (الجمهورية الثانية: دعوة لتأسيس جيوبولتيكا للسودان النيلي) الصادر هذا العام، وذلك لأن كاتبه، سعادتو السعيد، هو كاتب (السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة: دراسة تحليلية 1971-1995م) الصادر عام 2001م لنفس الناشر (الشركة العالمية للطباعة والنشر).
وحسب السعيد أن يخرج كتابا كل عشر سنوات، لأن كتابته تصدر عن اجتهاد وإعمال للفكر، وإن كنت لم أقض على كتابه الجديد بعد، فإن في كتابه القديم عبرا ودروسا ومعلومات، وأهم من ذلك، أسلوب التفكير المنطقي، وأعتقد أن مدرسة السعيد في الكتابة ينبغي أن تسود لتغذي العقل والمنطق وتضخ بالمعلومة الموثقة.
كتاب السيف والطغاة يمسح العلاقة بين الجيش والسياسة في السودان من مرصد قريب وبأعين ضابط بالقوات المسلحة، وما التاريخ الذي اختاره لرصده (1971-1995م) إلا تاريخ التحاقه بالخدمة العسكرية في الجيش الذي دخله متخرجا من الكلية الحربية في 71 وأبعد منه تعسفيا في 26 يوليو 1995م.
وقد مرت بفترة رصده أحداثا جساما: انقلاب هاشم العطا 1971م، اتفاقية أديس أبابا 1972م، انقلاب حسن حسين 1975م، حركة يوليو 1976م، قوانين سبتمبر 1983م، انتفاضة أبريل 1985م، مذكرة الجيش فبراير 1989، انقلاب يونيو 1989م، عمليات صيف العبور بدءا بـ29 فبراير 1992، وكان لها كلها تأثيراتها الضخمة على القوات المسلحة.
يقلّب السعيد في كتابه (السيف والطغاة) مختلف الآراء، ويحلل موقف كل لاعب مقلبا الاحتمالات والخيارات المتاحة. ولذلك فإن أسلوبه مهم لمن ينظر في الماضي للاعتبار، وأخذ الدروس، وأظن مثل هذا النظر غائب في بلادنا بل في عالمنا الثالث كله ولهذا سخر منا الساخر بأنا لا نقرأ ونكرر أخطاءنا.
ويتيح السعيد كذلك للمدنيين من أمثالنا التعرف على الذهنية العسكرية في أفضل تجلياتها لأننا لا نظن أن عقلية السعيد سائدة وسط العسكريين وإلا لما رأينا منهم ما نرى. ففي كتابه المذكور تظهر حمية العسكرية وحساسيتها تجاه السياسيين، وأبرز المواقف التي ظهرت فيها كانت لدى تحليله لموكب (أمان السودان) الذي سيرته الجبهة الإسلامية القومية أثناء مغازلتها للقوات المسلحة أيام الحكم الانتقالي بعد الانتفاضة فكسبت الحكم لصالحها ودقت إسفينا بينه وبين قوى الديمقراطية وأحزابها، وكذلك لدى موقفه المستاء من ميثاق الدفاع عن الديمقراطية في أكتوبر 1985م باعتبار أنه كان إساءة للقوات المسلحة.
ينسى السعيد في تحليله لموكب أمان السودان أن القوى الديمقراطية لم تكن يئست بعد من الحركة الشعبية وكانت تركز على استمالتها للانتفاضة بينما الجبهة التي سيرت الموكب إنما كانت تدق طبول الحرب الذميمة وتنافق القوات المسلحة (وهذا الموقف انقلب لاحقا حينما قدم الجيش المذكرة بعد أن وصل لضرورة السلام). أما موقفه من ميثاق الدفاع عن الديمقراطية فقد كان حمية محضة لعالم الضبط والربط، لأن كتاب السعيد كله إنما يذم التدخل العسكري في السياسة ويذكر كيف أضر بالبلاد والعباد وعلى رأسهم القوات المسلحة نفسها وهو التدخل الذي ذمه ميثاق الدفاع عن الديمقراطية.
ومن الدروس المهمة في كتاب السعيد الأول، هو أن انعدام التجانس القومي ووجود المظالم التي تدفع ببعض المواطنين لرفع السلاح فيما سماه (الحرب السياسية) كان وسيظل دائما وأبدا مدخلا للقلاقل في البلاد تجر رجل القوات المسلحة لما لم تصنع له. قال السعيد وهو يتحدث عن الضغوط المتشابكة بسبب سير العلميات في ظل اختلاف سياسي في تفسير الحرب أنها الظروف التي جاءت بمايو، «وهي نفس الظروف التي صنعت الانتفاضة، ثم جاءت بالإنقاذ في 30 يونيو 1989، وحتما سيعبر القادمون الجدد من ذلك الطريق أيضا». (ص 132)
شكرا للسعيد على كتابه (السيف والطغاة) ونتوقع ألا يكون كتابه الجديد (الجمهورية الثانية) إلا سيرا في درب التنوير المعرفي والتفكير المنطقي، فصاحبهما يفيدك حتى وأنت تخالفه الرأي.
وأهديه أينما كان، وتحيته في مكانه سلام، أبيات المرحوم صلاح أحمد إبراهيم في قصيدته (أوديب ملكا) صنعها أيام عبود، وفيها بكتاب السعيد صلات:
أيها الحاكم لا تركن إلى قول النفاق
هذه العصبة لن تحميك إن حان المحاق
لا ولا السيف فما في السيف للغادر واق
والذي أقوى من السيف أو السياف أرواح على النطع بريئة
فيك يا سفاح لا في الناس أسباب الخطيئة
فانج إن شئت فكم طاغية زال وظل الشعب باق!
وليبق ما بيننا


الراي العام

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3510

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية
تقييم
4.09/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة