12-25-2015 01:47 PM


الأنبياء كما علمنا أنهم إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وفي هذا العام الميلادي 2015م توافقت لحكمة يعلمها الله ذكرى ميلاد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام، ولا يخفى على أحد أن ميلاد صاحبنا وافقت ذكراه عيد المسلمين غرة شوال وكذلك أعياد الميلاد إذ وافق ميلاده ميلاد السيد المسيح، ولكل فطن ذي لب إدراك العلائق الروحية التي تربط بين النبي عليه الصلاة والسلام المسيح عليه السلام وصاحبنا الإمام، إذ ظل على الدوام ينادي بوحدة أهل القبلة فسطر نداء المهتدين، وإخاء أهل الملل فكتب نداء الإيمانيين، ونادى بالكف عن إيقاد نار الفتنة التي قال بها فرانسيسكو فوكاياما وصموائيل هنتجتون، بأن قال حوار الحضارات لا صدام ولا نهاية كارثية لتاريخ البشرية فسطر عن كوكبية عالمنا الذي ينبغي علينا التعايش فيه بإخاء إنساني وسلام مستدام والاستفادة القصوى من موارده، هذه السطور هي مقدمة للسير في مسيرة طويلة سارها صاحبنا ثمانين عاما وسنة، فكانت أعوامه قليلة مقارنة بطول السنين المليئة بالألم والقسوة والرهق والبلاء اختار صاحبنا أن يجعل عنوانها بيت شعر قال قائله:
قَدْ يَنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ*** وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ الْناس بِالنِّعَمِ

فكانت تلكك الحياة المباركة رغم ما بها من عجاف نحسات من السني، نعمة شكر صاحبنا عليها ربه الذي أنعم بها عليه راجيا باصطباره عليها أجرا أخرويا لا حصر ولا عد له إذ قال المتعال جل جلاله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ):الزمر: 10.

وكثيرون يظنون أن ذلك الصبر والاصطبار ابتغاء مجازاة دنيوية وتكريم بالنصب والتماثيل والأنواط والأوسمة والشهادات التي ضاقت بها حوائط مكتبه الخاص وإن كانت كلها مستحقة وبجدارة، ولكن صاحبنا ظل دوما يجلس تحت هذه الأبيات التي رسمتها ابنته رباح المهندسة والفنانة التشكيلية والأديبة التي مزجت كل هذه التخصصات وانتقت هذين البيتين:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه **** ويعرف عند الصبر فيما يصيبه
ومن قل فـيما يتـقيه اصطبـاره ***** فقـد قل فيما يرتـجيه نـصيبه
ورسمتها على هيئة فرس أصيل فهو من أشد الكائنات اصطبارا على المشقة والبلوى، وظل صاحبنا يعرف بتلك اللوحة التشكيلية كل من زاره في تلك "القطية" وهي نوع من البنيان الشعبي، الذي يستقبل فيه صاحبنا كل زائريه، فيظن الناس أنه يرتجي فوزا دنيويا ولكن رباح المسكونة بحب صاحبنا كانت تقول لي عندما تسمع إساءة، نلقاها قدام، وقدام هذه لا يعي قدرها إلا الراسخون في العلم ومن أنعم الله عليهم بخشيته، فكان حظه مما يرتجيه "قدام" كثيرا كثيرا وقد جعل الله له جل هذه الثمانين شدة ابتلاء فصبر عليها دون جزع.


ففي هذه الثمانين نشأ فيها صاحبنا وأمامه حياة مخملية ملاعقها من ذهب وفضة لكنه اختار طريقا آخر فجل سني حياته كانت عادية بل بلغت من البساطة مبلغا متواضعا، وقد قضى جل تلك الحياة بين منفى قسري واعتقال تعسفي وإقامة جبرية وإساءات من الشموليات والشمولين وصلت درجات بالغ مبالغوها أن قذفوه وهتكوا عرضه فضلا محاولات الاغتيالات المعنوية والتصفية الجسدية، فاستحالت تلك الملاعق الذهبية إلى حديد ملتهب يشوى الجسد قابله صاحبنا بصبر وجلد.
هذه الثمانين فيها استعمار بريطاني ناهضه صاحبنا بشدة وتمرد عليه وروى في شهادته على العصر كيف أنه اشتبك مع السيد جراهام توماس عند زيارته له نيابة عن جده وأبيه حينما كان مريضا، ولمن أراد الاستزادة بإمكانه مراجعة مذكرات السيد جراهام، وفي جامعة أكسفورد التي دخلها بعد أن اعتزل التعليم النظامي في المدارس الانجيلية وكلية فكتوريا لمدة ليست بالقصيرة، وانتظم في السلك التعليمي التقليدي بين يدي سيدنا علي السيوري مجودا للقرآن والشيخ السراج مجيدا للعربية وعاد بعدها لصفوف الدراسة فعاش حياة وصفها بالتشدد والتزمت في بلد مفتوح عن التحاقه بأكسفورد ببريطانيا فلم تلهه هناك مدهشات الغرب ومغرياته بل ظل مشاركا وفاعلا ومؤسسا لكثير من المنابر التحررية والمدافعة عن الاسلام والعروبة والمسلمين والأفارقة وقضايا العوالم المستضعفة.

هذه الثمانين فيها تحرر واستقلال لوطن ظل تحت نير المستعمر ولا يوجد من بين الحاضرين اليوم من أهل السودان أقدر وأبرع من صاحبنا لرواية قصة الاستقلال، الذي جاء بالدم والعرق والدموع والمال وقوة إرادة الجموع، فالقاريء لجهاد في سبيل الاستقلال الذي حرره صاحبنا برا بجده أبو الاستقلال سيجد أن صاحبنا أخبر الناس بهذه الأرض وبتاريخها لأنها أرض أجداده ومنبت رزقه.

هذه الثمانين فيها تغير كبير طرأ لشخص جاء من الغرب ليجد انقلابا على الديمقراطية الأولى بعد الاستقلال الكامل والسيادة غير المنقوصة التي انقض عليها العسكر بموافقه رئيس الوزراء وقتها على الحكم، السيد الأميرالاي عبد الله خليل الذي يرى البعض أنه كان محقا في تسليمه للسلطة على عكس ما رواه شهود العصر أمثال السيد أمين التوم ساتي في مذكراته زكريات ومواقف، والوالد يوسف بدري، والأستاذ عبد الرحمن علي طه، فكان أن عجل ذلك الإنقلاب بوفاة والده الإمام الصديق الذي لم يقو قلبه على تحمل فجيعة تسليم السلطة الديمقراطية للعسكريين وفوق ذلك إراقة دماء الأبرياء في ساحة المولد الذي نزلت فيه مرثية لصاحبنا تعدد مآثرهم من حيث لا يحتسب فهو إلى اللحظة لا يعرف من خط تلك الأبيات الرصينة، ومنذ تلك الحادثة تصدى صاحبنا بقوة وبصورة مباشرة للعمل العام وتقدم صفوف المواجهة في حزب الأمة وكيان الأنصار الذي أراد العسكريون دفنه كما فعل كتشنر بالدولة المهدية.

وانخرط صاحبنا بقوة مدافعا ومنافحا عن استقلال البلاد والحرية والديمقراطية، ليست لأنها قيما إنسانية سامية فحسب، بل لأنها وصية والد لابنه ومن البر انفاذها، وهنا ذكر صاحبنا أن والده الإمام الصديق ضرب مثلا في بر أبيه الإمام عبد الرحمن مرحلة لا يستطيع أحد وصولها، وأسال صاحبنا من يستطيع أن يصل درجة برك بوالدك وأجدادك؟ انت لا زلت متمسك بوصية الوالد وتسعى لتنفيذها وإقامة الحريات العامة والديمقراطية ومطالب الشعب السوداني، من منا يستطيع أن يصل تلك المرتبة العلية؟ وأنت تزداد إصرارا على الحفاظ على سيادة الوطن واستقلال أراضيه التي حررها جدك الأكبر وابنه المؤسس الثاني، وأي بر ذاك الذي جعل من قضية الإعتدال وبعث هداية الحق في الأمة وحماية الوطن من كل فتنة وغمة نهجا وحياة عاشها صاحبنا ويحيى لأجلها؟، فبالتزامك هذا وضعت لنا يا قرة العين وماءها مقاييس للبر لا نستطيعها!!


هذه الثمانين فيها جهاد واجتهاد لاسترداد الديمقراطية لأن صاحبنا مؤمن بأن الديمقراطية عائدة وراجحة بإذن الله، ففي هذه الثمانين سعى حثيثا لإخماد النيران التي أججتها الحكومة العسكرية (عبود) في جنوب السودان، فكتب صاحبنا في مارس 1964م كتيبا أسماه مسألة جنوب السودان، منعه الدكتاتوريون وقتها من النشر، وفي أكتوبر من نفس العام صلى على القرشي شهيد ثورة أكتور المجيدة وكان القائد لجموع المشيعيين بعد الاتفاق مع أسرة الشهيد على تشييعه في موكب مهيب، بل كتب ميثاق تلك الثورة، وفاوض العسكر ببيت الإمام المهدي حتى انحازوا للموجة الشعبية التي انتظمت البلاد واسترد صاحبنا الديمقراطية وهتف الشعب بحياته، جسد وقتها الوجه الجديد للتحرير على خطى الجد المؤسس الأول والجد المؤسس الثاني.
يتبع...

[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2181

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1390802 [سارة عبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

12-26-2015 09:46 AM
نحن لم نعبد الناس نحن نعبد الله الحى الذى لا يموت ولكن في شخصية الصادق نفتخر بها وف المهدى عندك كلام في محمد احمد بن عبدالله ذاك المصلح الثورى الراقى اعطاكم صفة الدولة المستقله يا كوز هل انتم ما عملتوه في السودان شرع الله تجوبونا في الأرض فساد
لنا في المهدى اسوة حسنه


#1390652 [سارة عبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

12-25-2015 10:06 PM
لبس ا لصادق بردة الامام المهدى
لان همه الوطن

اذكر تاريخ لا يعرفه الا من كانت له صلة روحيه بذاك المقام الدينى الطاهر
الصادق المهدى وجدته السيدة ام سلمة حافظة القران والتفسير كانت السيدة ام سلمة لهاحكمة في الدواء ومعالجة العلل ابنة الامام المهدى لها في الخلوة مقام نشاة الامام الصادق علي يديها ولا ننسى لها جزور مصريه اعطته هذااللون فارعةالقوام
ومن امه ابنة الشيخ عبدالله يكفى الشجاعة ومن المهدى العلم لم يطوى مخدته وينتظر بل صقل نفسه بالعلم .تابعت شاهد على العصر التي روى كل ما ورد في حياته وما اكتسبه من معرفه . صادق الصغير والكبير
كل ما ذكر عن عودته للسودان من يفسرها انه يخشى الحكومة لا مثل هذه الشخصيه النادرة ليستفيد منها العالم من وسطيه وكتب ومؤلفات وزخيرة ونادى مدريد
أسس الحزب . ومن قال يحرسه ابنه بشرى هو ابنه .
وفى الفيس بوك اليوم قام حوالى أربعين من المكتب السياسي للحزب لحضور هذه الاحتفائيه الاماميه الرائعة
يا اخو اتقوا رب العالمين في الصادق المهدى
الامام الصادق انصارية الامام المهدى وتقول عقبال الف سنه


ردود على سارة عبدالله
[غربة وشوق] 12-26-2015 01:45 AM
أنا مستغرب ليه انتو بتحبوا تعبدوا بشر عاديين ماعندهم قدره وتتركوا الله الذى هو حى لايموت .قومى لفى قال آمو من أصل رقصى ونحن من أصل زنجى نفتخر إنّو نحن عبيد الله مش عبيد المهدى....عجبى


#1390591 [fadol]
0.00/5 (0 صوت)

12-25-2015 07:04 PM
- نتمني من الله تعالي ان يمد في عمر الامام المهدي ويمتعه بالصحة التامة والعافية الكاملة،ويهديه،ويرشده للطريق السليم، ان يتخلي عن ديكتاتوريته وتمسكه بمنصب ظل فيه طوال خمسين!!..

***- اللهم نسالك، ان يعود الصادق الي اولاده وبناته واحفاده ويبقي الي جانبهم ما تبقي له من عمر....

***- "الموت في المنافي حار شديد يا الصادق المهدي>>>)(هذا مقال للاستاذ بكرى الصائغ)


عروة الصادق
مساحة اعلانية
تقييم
8.50/10 (3 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة