هل السلطة شي شرير؟
10-27-2011 07:36 AM


هل السلطة شي شرير؟

رائد قاسم
[email protected]


تعتبر السلطة روح الحياة وشمسها الأزلية ، فلا حياة من دونها، ويمكن لمس آثار وجود السلطة في كل جوانب الحياة دون استثناء ، فالمخ هو مركز السلطة في الكائنات الحية ، والقوانين في الكون تمثل سلطة الطبيعية التي لا تقهر ، في البيت يعتبر الأب رب الأسرة وسلطتها العليا، في دوائر العمل الإداري والصناعي والتعليمي والزراعي ، وفي كافة جوانب الحياة لا بد من وجود سلطة ما ، الفرد بما هو فرد يتمتع بسلطة على نفسه ، تصل إلى قدرته على تعطيل جسده وإنهاء حياته، في حياة الحيوانات والطيور والحشرات تشكل الغرائز قوانين غير قابلة للتطور يتم الالتزام بها بكل دقة ، فقد اثبت العلم أن حياة النحل تعج بالقوانين والأنظمة ، فمثلا عندما يبدأ موسم الإخصاب فان على النحلات الملكات خوض قتالا ضاريا ضد بعضهن البعض ، لتنصب الملكة المنتصرة ملكة وتحظى بتخصيب بويضاتها من قبل أقوى ذكر في الخلية.
ومن قوانين عالم النحل هو طرد النحلة السكرى! فبعض النحلات يتناولن أثناء رحلاتهن خارج الخلية مواد مخدرة مثل الايثانول ، تنتجها بعض الثمار الغير ناضجة ، ما يؤدي إلى تسمم العسل وتغير عدواني في سلوك النحلات ، وقد زود الخالق النحل بقدرات تمكنه من اكتشاف النحلات السكارى ! فيمنعها من دخول الخلية حتى تنتهي أعراض السكر ، ويقول العلماء إن بعض النحلات السكارى يتعرضن لكسر الأرجل والقتل في حال تكرار سكرهن، وفي عالم النمل أجرى العلماء تجربة على نملة أرسل إشارات لزميلاتها عن وجود طعام ، ثم قاموا بإخفائه ، فغادرة النملات المكان ، وبعد ذلك أعادوا الطعام مرة ثانية ، فأرسلت إشارة أخرى ، فلما رجعوا إليها أعادوا إخفاءه ، فما كان من النملات إلا أن قتلن النملة ! ويبدوا أن ذلك كان عقابا لها على إرسالها إشارات كاذبة عن وجود طعام.
في المجتمعات البشرية تتعدد السلطات وتتداخل، ابتداء بسلطة الفرد على نفسه إلى سلطات الأسرة والعائلة والمجتمع والسلطات السياسية والاقتصادية والدينية ، وجميعها سلطات متشابكة ومتداخلة، ولا يكاد يخلوا جانبا ولو كان بسيطا ومحدودا من الحياة البشرية من وجود سلطة ما تنظم شئونه وتشرف على أوضاعه.
إلا إن أهم سلطة في حياة المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها وحتى ألان هي السلطة السياسية، لكونها الأكثر تأثيرا وقوة وسيطرة على بقية السلطات المكونة للبيئة الإنسانية.
وقد عانت المجتمعات البشرية من الصراع على السلطة السياسية ، فسالت دماء وأزهقت أرواح ودمرت حضارات وضاعت أمم وسقطت دول على مر التاريخ ، ولكن بعد التطور الهائل في الحياة البشرية ابتكر الفكر الإنساني نظاما مدنيا للوصول إلى السلطة من خلال ما يمكن تسميته ب \" العقد الدستوري \" إلا إن العديد من دول العالم ما تزال تشهد صراعات دامية على الحكم ، من خلال الانقلابات العسكرية أو الحروب الأهلية أو الانتفاضات الجماهيرية.
إن احتكار السلطة السياسية وعدم الوفاء باستحقاقاتها واتخاذها إقطاعية والاستثتار بالثروات ، يؤدي إلى تحول الدولة إلى عائق أمام التطور والازدهار ، ما يجعل وقوع الاضطرابات أمرا حتميا ، وقد تتحول إلى نزاع دموي مدمر.
في اندونيسيا حكم سوهارتو مدة 30 عاما، وشهدت فترات من حكمه ازدهار وتنمية جيدة، حيث اتخذت مئات الشركة من جاكرتا مقرا لأنشطتها، ولم ينازع سوهارتو في القيادة منازع يعتد به ، ولم يهتم شعبه بالتغيير السياسي والمشاركة في الحكم ، ولكن في سنواته الأخيرة شهدت اندونيسيا فساد في جهازها الإداري وتراجعا اقتصاديا حادا ، ولم يعد سوهارتو قادرا على الوفاء بمتطلبات بقاءه في سدة الحكم ، فعمت الاحتجاجات المطالبة باستقالته ، حتى قدمها أخيرا واخضع للمحاكمة هو وعدد من أبنائه وأركان حكمه.
في عهد رئيس جورجيا السابق شيفرنادزه عانت جورجيا من الجريمة والفساد ، إذ كان مقربون من الرئيس وأفراد عائلته قوة اقتصادية كبيرة ، حتى خمن البعض أن مقربيه يسيطرون على 70% من الاقتصاد الجورجي! واحتلت جورجيا في عهده موقعا متقدما في سلم الفساد،
وفي عام 2003 نظمت انتخابات لم تعترف بها الأمم المتحدة ومعظم المراقبين الدوليين، الأمر الذي أذى إلى مظاهرات عارمة انتهت بإجباره على التنحي.
في رومانيا وبعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الشيوعية كقوة عالمية بدا واضحا أن نظام الجنرال نيكولاي تشاوشيكو اقترب من نهايته ، فشعب رومانيا كان في عهده من أفقر الشعوب ويعيش في ظل نظام فاسد وقمعي ، وكانت النهاية ثورة شعبية أسقطته ، والقي القبض عليه واعدم مع زوجته بنقل حي على شاشات التلفزيون.
في مصر كان المصريون يعيشون في ظل نسبة فقر قاربت ال40% ، وفي ظل نظام حكم أصبح غير قادر على تحمل مسئولياته ، وفي ظل جمودا وفسادا وبيروقراطية حكومية شاملة ، علاوة على زيادة النفوذ الأمني وطغيانه على مختلف شئون الحياة المدنية ، وقد أذى ذلك إلى شيوع مشاكل متراكمة ومستعصية ومتشعبة لم يعد بمقدور نظام الحكم حلها أو التعامل معها، فكانت أحدث ثورة ال25 من يناير2011م.
وفي تونس أدى كبت الحريات الشديد والجمود السياسي واحتكار السلطة وتراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي( خاصة بعد الأزمة العالمية ) وشيوع الفساد الواسع النطاق إلى حدوث ثورة الياسمين .
من الواضح أن من أهم عوامل سقوط هذه الأنظمة هو العامل الاقتصادي، فالاقتصاد المنتج لا يمكن أن ينموا في بيئة فاسدة ، من ناحية أخرى فان هناك عشرات الدول الفقيرة ولكنها مستقرة، والسبب هو أن النظام السياسي يقوم بواجباته تجاه شعبه، بغظ النظر عن طبيعته ، ولكن عندما تكون الدولة عائقا أمام الازدهار فان احتمالات حدوث الاضطرابات والصراعات ستكون مرتفعة ، ولعل الصين مثالا بارزا ، فالدولة الصينية دولة مركزية شمولية وغير ديمقراطية، وتعتبر من الدول الشيوعية القليلة الباقية ، ولكنها اليوم من اقتصاديات العالم الكبيرة ، وقوة دولية صاعدة، ويرجع ذلك إلى قيام النظام الشيوعي الصيني بإصلاحات واسعة ، اقتصادية واجتماعية وثقافية، أتاحت قدرا معقولا من تحقيق التنمية في جوانب متعددة ، علاوة على تنمية اقتصادية كبيرة وواسعة، إضافة على إحداث تغييرات كبيرة على أجهزة الدولة ، أتاح لها القيام بواجباتها بمسئولية وفاعلية ، مما حافظ على استقرار نظام الحكم وتحقيق تنمية شهد لها العالم .
إن المشكلة الجوهرية في العالم الثالث تتمثل في عدم تطور الأنظمة السياسية في كثير من البلدان، بحيث لا تقوم بأداء واجبات الحكم ومسئولياته على الوجه المقبول، ما يحول مؤسسة الدولة إلى عائق أمام تحقيق آمال وتطلعات الشعب.
قبل عدة أسابيع حدثت تظاهرات وول ستريت في الولايات المتحدة، ولكنها لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام السياسي الأمريكي ، بل إلى الضغط باتجاه القيام بإصلاحات واسعة على النظام الاقتصادي ، بعدما بدا واضحا أن الاقتصاد الأمريكي تغلب عليه الاحتكارات والعمليات المالية القمارية ، وقبل ذلك حدثت مظاهرات مماثلة في إسرائيل، وكانت هي الأخرى تطالب بإصلاحات اقتصادية واجتماعية ، ولم يطرح فيها أية مطالب بإصلاح نظام الحكم .
في تركيا سأل اردوغان عن ردة فعله لو وقعت مظاهرات تطالب برحيله فأجاب :\" سادعوا إلى انتخابات مبكرة!!.\"
وهذا هو حال العديد من رؤساء الدول المتقدمة ، فعندما غادر بيل كلينتون البيت الأبيض قال بأنه سعيد لعودته مواطنا عاديا!! وصرح والد الرئيس الفرنسي ساركوزي بأنه لا يشجع ابنه على الترشح لفترة رئاسة ثانية ! وقالت كارلا بروني زوجة ساركوزي بأنها تتمنى أن لا يرشح ساركوزي نفسه للرئاسة خوفا على صحته!! بينما يتشبث معظم الرؤساء في العالم الثالث بالسلطة حتى الرمق الأخير، وكأن لسان حالهم يقول إما القصر أو القبر!! فلا منطقة وسطى يقبلون بها ، وذلك لأسباب عديدة لعل من أهمها أن ممارستهم للحكم لم تكن بناء على دستور شرعي يضمن لهم خروج آمن من السلطة، حيث لا تداول للحكم ولا محاسبة حقيقية للمسئولين ، وعلى رأسهم رئيس الدولة ، وبالتالي فان خروجهم من السلطة لن يتم إلا بالقوة وممارسة الضغوط ، مما يعني تعرض أشخاصهم للخطر، حتى لو قدمت لهم ضمانات بسلامتهم ، يذكر في هذا الشأن القائد العباسي أبو مسلم الخراساني، فقد نصحته زوجته باعتزال الحكم والسياسة، فأجابها بأنه إن فعل ذلك فسوف لن يؤمن على حياته بسبب الدماء التي أهدرها ،وان وجوده في حصن السلطة هو السبيل الوحيد لضمان سلامته.
ولعل ما كان من امر الرئيس المصري السابق حسني مبارك دليلا أخر على ذلك، فرغم تنازله السلمي عن الحكم ، إلا انه اليوم يواجه محاكمة قد تجعله يقضي بقية حياته وراء القضبان.
يقول احد الفوضويين أن السلطة شي شرير ، وهو قول حق ، فالسلطة إذا لم تهذب وتروض وتقنن ستصبح وحشا كاسرا ومخلوق متوحش ، لذلك لا بد من تحويل النظام السياسي في العالم الثالث إلى نظام مفتوح من خلال دستور تعاقدي شرعي، وان تتحول الوظيفة السياسية إلى وظيفة عامة خاضعة للقانون ، وان تحدد مهام ووظائف مؤسسة الدولة لكي لا تطغى على الأنظمة المركزية ألأخرى بكل ما تحتويه من منشئات ودوائر ، وبحيث لا يصبح شغل المنصب السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق الآمال والطموحات والتطلعات ، ولتصبح كافة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية عناصر جاذبة لطاقات الأفراد والتيارات والقوى المختلفة ، ليتم توظيف الموارد والثروات البشرية والاقتصادية في التنمية والازدهار والتطور ، بدلا من حرقها في أتون صراعات سياسية أو دينية أو عرقية لا تخلف ورائها سوى الدمار والخراب.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 570

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رائد قاسم
مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (12 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة