08-04-2010 10:46 AM

قراءة في المشهد السياسي

مناهــــج مختلفة للإقتـــــــراب من قضايــــــا الوطـن (2)

د. الشفيع خضر سعيد

في مقالي السابق، أشرت إلى أهمية تجنب التنظير المجرد والمعلق في الهواء عند تناول موضوع مناهج التعامل مع قضايا الوطن. لذلك، إقترحت على نفسي أن أبتدر الحديث بخارطة زمنية سياسية للفترة من 1989 وحتى 2005، متضمنة بعض المنعطفات الرئيسية على مستوى الحراك الجماهيري وعلى مستوى التفاوض السياسي. وبالفعل بدأت برصد محطات التاريخ السياسي للمفاوضات خلال تلك الفترة، وأعقبت ذلك بتلخيص لبعض الملاحظات والنقاط التحليلية. وفي مقال اليوم أستكمل تلك الملاحظات، ثم انتقل بعد ذلك إلى الخارطة الزمنية لأهم محطات الحراك الجماهيري في تلك الفترة.
مواصلة للملاحظات من واقع التاريخ السياسي للمفاوضات.
* من البديهي، كما عبر عن ذلك د. قرنق ذات مرة، أن التوقيع على الاتفاقيات المختلفة، اتفاقية السلام الشامل، اتفاقية القاهرة، اتفاقية أبوجا وإتفاقية الشرق، لم يكن نهاية المطاف، وإنما هو مرحلة في عملية (process) طويلة لتحقيق الأهداف الممكنة وفق آلية المساومة، آليةالحل التفاوضي. وبالتالي، كان المطلوب من القادة السياسيين الذين وقعوا على تلك الاتفاقات، أن تكون لديهم رؤية واضحة لتحديد كيفية إستغلال تلك المرحلة للإنطلاق منها إلى النقطة التالية، والتي لابد أن تكون أفضل من سابقتها. إن إنهاء الحرب في جنوب الوطن وفتح الطريق لتحقيق السلام يعتبر قضية وطنية اساسية تم بموجبها وقف التقتيل والدمار، ولو إلى حين، كما شكلت مدخلا رئيسيا لمواجهة الازمة السودانية المزمنة، كما خلقت واقعا جديدا وفر مناخا ملائما للحراك السياسي السلمي في البلاد. وكان من المفترض أستثمار كل ذلك من قبل مختلف القوى السياسية والإجتماعية بهدف تحقيق المراحل التالية في تلك العملية (process) وعلى راسها التحول الديمقراطي الكامل. وأعتقد أن الطاقة الكامنة التي وفرتها الاتفاقيات لتحقيق التحول الديمقراطي كانت كبيرة جدا. لكن تفجيرهذه الطاقة كان يتوقف، في الأساس، على مدى قدرة الحركة السياسية لإحداث هذا التفجير. ولكن يبدو أن تلك القدرة كانت مكبلة بقيود وسلاسل البحث عن الكراسي في صالونات السلطة.
* من ناحية أخرى، اعتقد أن الرضوخ، في إطار المساومة بموجب الاتفاقيات، لتحقيق أكبر قدر من لامركزية السلطة وتقليص هيمنة المركز، كان عاملا كبيرا في إستمرار عملية السلام في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وبنفس المستوى، كان من الممكن توسيع ذلك ليشمل دارفور.
* بعض قيادات الحركة الشعبية كانوا يراهنون على أن اتفاقية السلام الشامل ستشكل تحديا كبيرا للمركز بالنسبة لمسألة التحول الديمقراطي، لأن الجنوب بعد بدء تنفيذ الاتفاقية، سيكون في نظر هولاء القادة أكثر ديمقراطية من الشمال..! يا ترى هل فعلا أفرزت الاتفاقية ممارسة ديمقراطية حقيقية في الجنوب؟
* في تنوير لقيادات التجمع حول مفاوضات مشاكوس ونيفاشا، ذكر د. جون قرنق أن مفاوضي الحركة حاولوا فرض مفهوم المحاسبة والمساءلة عبر صيغة \"المصالحة والحقيقة\"، لكنهم فشلوا في إقناع وفد المؤتمر الوطني بهذه الصيغة، لذلك ظهر مفهوم المصالحة بدون الحقيقة. وفي نظري كانت هذه من الاهتزازات الأساسية المخلة بنظرية المساومة، والتي رمت بظلالها لاحقا، خاصة في جهة استمرار حالة إختزان المرارات وحالة عدم الثقة بين الانقاذ وأطراف الحركة السياسية، وكذلك حالة التخوف من الإرتداد إلى مربعات اتفق، بحسب الموقع عليه في الورق، على تجاوزها.
* لم تتوقف اتفاقية السلام الشامل عند مسألة الحرب والسلام وحدها، وإنما سعت لتقديم معالجات لكافة جوانب الازمة السودانية المتمثلة في قضايا: السلام، الهوية وعلاقة الدين بالدولة، الوحدة، الديمقراطية، نظام الحكم، التنمية وتقسيم الثروة، قومية أجهزة السلطة بما في ذلك الجيش والأمن، العلاقات الخارجية...الخ. كما أنها سعت لإحداث تغييرات اساسية في بنية النظام السياسي القائم، بل وفي بنية الدولة ذاتها، بما في ذلك تقرير مصير البلاد (دولة موحدة أم دولتان) في نهاية الستة أشهر المتبقية من عمر الفترة الانتقالية. لكن الطريق الوحيد للوصول بهذه المعالجات إلى نهايتها المنطقية بما يضمن فعلا مخاطبة كافة جوانب الأزمة السودانية هو طريق الاجماع الوطني. والمفارقة الأساسية هنا، أن ما يجري الآن هو التقرير في هذه القضايا المصيرية من قبل طرفين فقط، هما الحكومة والحركة الشعبية بعيدا عن القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية الاخرى، مما ستترتب علي ذلك من تداعيات خطيرة في الوطن والإقليم.
* ملامح فرضية المساومة المقبولة يمكننا أن نلحظها في المثال التالي: في إحدى مخاطبات الدكتور جون قرنق للتجمع، ذكر أنه أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، سألته السيدة سوزان رايس بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل: ما هي خططكم بالنسبة للمؤتمر الوطني وبالنسبة لموضوع وحدة البلاد؟ وأجابها الدكتور: \"بالطبع لن نلقي بالمؤتمر الوطني في البحر أو في الصحراء، ولكن سنقبلهم ونتعامل معهم كحزب سياسي له حق المنافسة في الإنتخابات. أما بالنسبة لقضية الوحدة، فهذه مسؤولية الجميع، وهي تقع على عاتق أو أكتاف الذين حكمونا منذ 1956.. وعموما الفرصة لا تزال سانحة لتطوير، وربما ليس تغيير، اتفاق السلام الشامل عبر المعارك الراهنة والقادمة سواء معارك تفاوض التجمع مع النظام، أو عبر التفاوض حول قضية دارفور أو من خلال معارك التحول الديمقراطي\".
* إتفاقية السلام الشامل أفرزت نظاما للحكم يقوم علي أسس معقدة وهياكل متفاوته في صلاحياتها ومستوياتها: فالبناء الدستوري يقوم علي نظام رئاسي ودستور قومي في المركز، ودستور علماني للاقليم الجنوبي ودساتير مشابهة للولايات الجنوبية، دساتير مستمدة من التشريع الإسلامي (حسب وجهة نظر الإنقاذ) للولايات الشمالية، وضع خاص لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان ومنطقة أبيي (تابع للرئاسة) وكذلك وضعية خاصة للعاصمة القومية...! هذا الوضع عكس تناقضات واختلالات واضحة وعدم مساواة في صلاحيات الاقاليم المختلفة، وبرز ذلك بشكل جلي في تمتع الاقليم الجنوبي بوضعية اقليم موحد وصلاحيات كونفيدرالية شبه كاملة ومشاركة فعالة في ادارة المركز، في حين حرمت الاقاليم الشمالية من ذلك دون سبب محدد. وفي الوقت نفسه ظلت ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان تتمتعان بصلاحيات واسعة بينما منحت الولايات الشمالية الاخرى صلاحيات أدني، مما أضعف روح الترابط القومي وشكل سابقة خطيرة في وطن تصطرع فيه المصالح القبلية والجهوية. هذه الاختلالات والتناقضات كانت تحتاج الي معالجة سريعة تراعي الشمول والعدالة والمساواة مع تقوية المركز، وذلك عن طريق انشاء نظام لامركزي متوازن وبصلاحيات متساوية في كل المستويات وبين كل الأقاليم دون المساس بما جاء في إتفاقية السلام الشامل حول الإقليم الجنوبي.
* صحيح أن إتفاقية قسمة الثروة التزمت المعايير الجغرافية والإقليمية في اعادة تقسيم الموارد (خاصة عائدات النفط) بين الشمال والجنوب، لكنها جاءت في شكل الحساب التجاري والمصلحي، وفي الوقت نفسه تجاهلت ضرورة التخطيط الاقتصادي الاجتماعي ودور الدولة والقطاع العام في احداث تنمية شاملة ومتوازنة في كل أقاليم البلاد. بعض المفكرين الإقتصاديين انتقد الإتفاقية من زاوية تركيزها الضمني علي اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية. وأشار بعض من هولاء المفكرين إلى أن مثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشة الاخرى، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق اوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضرية وفئاتها الطفيلية والبيروقراطية. أعتقد أن التجربة أثبتت صحة هذه الطرح في كثير من جوانبه، كما نبهت إلى ضرورة العمل علي ربط عمليات اعادة الاعمار والبناء بخطة اقتصادية اجتماعية عامة يضعها مؤتمر إقتصادي قومي، خطة تراعي تنمية قدرات الاقتصاد الوطني بشكل عام والاستجابة لمتطلبات المناطق المتأثرة بالحرب والاقل نموا بشكل خاص وذلك بالاستفادة من كافة الخبرات الوطنية في هذا المجال ومن دروس تجاربنا في المراحل السابقة بدلا من ترك هذه المهام للخبرات الاجنبية ومؤسسات التمويل الدولية.
* معروف أن أي مساومة بين طرفين يفترض أن تؤدي إلى تمتع أي منهما بدرجة من الرضى والشعور بالمكسب (win – win)، لكن أحيانا يحدث ذلك على حساب طرف ثالث، هو موضوع المساومة نفسها. فالمعروف أن اتفاق السلام الشامل نجم عنه اختلال واضح في تركيبة المؤسسات التشريعية والتنفيذية الانتقالية، حيث سيطر حزب المؤتمر الوطني علي الولايات الشمالية، وسيطرت الحركة الشعبية علي الجنوب (70% لكل منهما في مجال سيطرته) وسيطر الطرفان علي رئاسة الجمهورية، والحكومة المركزية (52% للمؤتمر، 28% للحركة) مع منح القوى السياسية الاخرى مشاركة صورية بسيطة (20%). وكذلك الحال بالنسبة للجان الفنية والخدمة المدنية والاجهزة الامنية والعسكرية وغيرها، من خلال نصوص الاتفاقية نفسها. هذا الوضع عكس شراكة سيطرت علي مؤسسات الدولة خلال الفترة الانتقالية بصورة مطلقة. ونظريا، قبل التجربة العملية، ما كان من الممكن لوضع كهذا أن يخدم قضية السلام والإستقرار والحفاظ على وحدة البلاد. وهو ما تأكد عمليا، بعد التجربة، خاصة في ظل عدم التوافق المستمر بين الشريكين خلال الفترة الماضية.
كان من الممكن الإستمرار في رصد العديد من الملاحظات ذات الصلة بموضوع المقال، خاصة من واقع تجربة تنفيذ الاتفاقات الأخرى، القاهرة وأبوجا والشرق، ولكن حيز النشر لايسمح، خاصة وأن الملاحظات الواردة هنا حول اتفاق السلام الشامل ستؤدي الغرض المنشود وهو التمهيد لماقشة لاحقة حول مفهوم المساومة حيث نحن لا نهدف إلى كتابة رصد تقييمي لهذه الاتفاقات، إضافة إلى أن إتفاقات القاهرة وأبوجا والشرق كانت بعيدة نسبيا عن التأثير المباشر لجوهر الفعل السياسي خلال الفترة الماضية، وإكتفى عدد من موقعيها بالمشاركة في السلطة.
في المقالات القادمة سنقدم عرضا مختصرا للخرطة الزمنية الخاصة بالحراك السياسي الجماهيري مع بعض الملاحظات حولها، ثم ندلف إلى مناقشة صلب الموضوع المتعلق بالأسئلة المثارة في مقال \"أطلق حماسك\"

الأحداث

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 830

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية
تقييم
8.13/10 (81 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة