11-11-2015 12:58 AM


نشر الدكتور حيدر إبراهيم ، مؤخرا ، مقالا حمل عنوان "الحوار السوداني بين السياسة والثقافة " تصدي فيه لتحليل الشخصية السودانية ، أو هكذا زعم ، و ذلك في محاولة منه لشرح راهن الحياة السياسية والاجتماعية في السودان ، استشرافا لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل القريب والبعيد .
و الدكتور حيدر معروف بكتاباته الكثيرة والمهمومة التي وجد بعضها كثيرا من التقدير عندي . و لكن مقاله المشار إليه ، جاء مقالا ساذجا و سطحيا ومتناقضا .
بدأ الدكتور حيدر مقاله بأن لعلماء الثقافة والاجتماع والانثروبولوجيا نصيب في التحليل والتنظير للسلوك والقرار السياسي لأن ثقافة الشعب تتجلى فيه ، و بالتالي تكشف عن الشخصية الأساسية للشعب صاحب هذه الثقافة .
و هذا صحيح . و ظل المثقفون وحملة المعرفة يمارسونه من لدن برومثيوس الذي سرق نار المعرفة من الآلهة الصفوة و منحها للشعب العامة ، مترجما بذلك واجب المثقف و حامل المعرفة في قضايا التغيير بما يتبع نصيبه في التحليل والتنظير . و هو ما يمارسه الكثيرون ومنهم الدكتور حيدر ، فما هو الجديد إذن ؟
يبدو أن الجديد في الأمر هو تخلّى الدكتور حيدر لمنهجه الذي أختطّه في كتاباته الذي أتسم بقدر من العمق ، ولجوؤه بدلا عن ذلك إلي أدوات بدائية في التحليل ، مثّلتها مسكوكات مبتذلة و عبارات معلبة يختبئ خلفها صغار المثقفين ، و يتمترس خلفها هزيلو الدراية بالشأن السوداني خاصة ، علّها تقيهم حرّ المسئولية ، و وعورة التفكير في ابتداع و شقّ طرق غير مألوفة للتعامل مع وضع غير مألوف .
يقول الدكتور حيدر في مقاله ، الممل هذا ، إن الحالة السودانية محيرة . و يرجع حيرتها إلى أن السودان قطر شديد التنوع ثقافيا ، و سريع التقلبات سياسيا . و يقول بالرغم من أن الإنسان السوداني طيب بالمعني المصري ( يقصد غبي) ، إلا أن الشخصية السودانية مركبة و داخلية ، أى إن الإنسان السوداني لا يفصح عن مشاعره ، و هو أيضا حساس و هذه صفة ، كما يقول ، لا يليق إطلاقها علي الشعوب الناضجة ، حتي إن هيكل (الصحفي المصري) قال إنه لا يريد أن يكتب عن السودان ..
ما هذا الهراء ؟؟
و هل التنوع الثقافي محمدة أم مثلبة ؟؟
لو قال الدكتور حيدر، إن عدم احترام و رعاية التنوع الثقافي في السودان ، و الاعتراف بذلك ، هو سبب التقلبات السياسية السريعة فيه ، لكان أصاب كبد الحقيقة . ولكنه يرويها في مقاله ، و في اكثر من موضع ، علي أنها في حدّ ذاتها تعيق تقدم المجتمع و تجعله هامشيا علي حدّ زعمه .. وهذا حديث يأتيه الباطل من خلفه و من أمامه ، و يدحضه التاريخ والحاضر والمستقبل . فها هي أمريكا ، سيدة العالم ، كانت و ما تزال تشترى التنوع الثقافي في كل عام ، حيث تفتح أبواب الهجرة إليها ، وذلك من أجل ازدهارها وضمان استمرار سيادتها علي العالم . فالتنوع الثقافي إنما هو تنوع في النظر إلى الحياة ، حيث تشكل كلَ ثقافةٍ نافذةً نرى بها الحياة في تجلياتها المختلفة ، لنصنع بها نُسخا متجانسة للحقيقة الممكنة علي متصل الزمان و المكان .. فليست هناك ثقافة أكثر أصالة من غيرها من الثقافات الأخري . إنما الثقافات كحروف الموسيقى ، تتآلف معا لتعزف سيمفونية الحياة . فإن طغى بعضها على بعض ، دون تطور طبيعي ، أو أهملت بعضها ، جاء غناؤك نشازا على المتصل السياسي والاجتماعي . وفي حقيقة الأمر ، ما التقلبات السياسية التي أشرت أنت إليها في مقالك إلا صدىً صادق لذلك النشاز .. إذن يكون الشعب السوداني ، بهذا التنوع الثقافي ، مؤهلا بالفطرة ليصنع سيمفونيته الخالدة ، وحقيقته الممكنة . و لا يغرنك وضعه البائس الحالي الذي وضعه فيه أبناؤه المهووسون بالدين ، فسرعانما يهب من غفوته لأنه عميق الدروس ، مجيد المهابة ، مديد القوام ..
و أنت ، أيضا ، تقول إن الإنسان السوداني طيب رغم إيحائك بأنه غبى . نعم هو طيب ، حتى إنه يمكنك خداعه باستغلالك لفضائل يجلّها وعزيزة عليه كالدين و الكرم و الشجاعة . و لكنه ليس غبيا ، و لا يسمح بخداعه على طول الخط ، فها هو قد اكتشف خداع الإسلاميين و الأحزاب العقائدية ، و لم يعد يتفاعل معها كأول العهد به . فكل ما يحتاجه هو أن يتناغم عدم التفاعل هذا في تفاعل جديد ، نرجو له أن يكون تفاعلا انتخابيا وليس تفاعلا انتفاضيا ، وقد تناولنا هذه المسألة في اكثر من مقال بما يغنى عن إعادته هنا .. إذن الشعب السوداني شعب طيب . و هذه صفة حميدة . أم إنك تعتقد أن الإنسان اللئيم أفضل من الإنسان الطيب ؟
و أنت تقول ، أيضا ، إن الشعب السوداني حساس و هي صفة لا تليق بالشعب الناضج !!
و هذا أيضا هراء ..
و في حقيقة الأمر، لا يستطيع أى شعب أو إنسان ، بما فيهم أنت ، أن يرتقي ، إن لم يهزم بهيميته و غلظته و شراسته ، ليكون أكثر حساسية تجاه مشاعره ومشاعر الآخرين . فعلى سبيل المثال ، لم ترتق الشعوب الأروبية حتي لتصبح ملاذا لمتطهدي الشرق الأوسط و أفريقيا و أروبا الشرقية ، إلا بعد أن تخلت عن بهيميتها وغلظتها و شراستها في حروبها في ربع ومنتصف القرن الماضي ، الأمر الذي نمّا حساسيتها و إحساس شعوبها ومكنها من قبول الآخر و التعايش معه في سلام . و توكيدا منها لهذا المعنى ، أنشأت مع غيرها منظمة الأمم المتحده ، لتترجم هذه الحساسية فى تشريعات عديدة ، أهمها صون حقوق الإنسان من حيث هو إنسان بما يشمل حقوقه السياسية والثقافية و الاقتصادية . بل تشترط هذه المنظمة ، و هي أرقى المنظمات ، على الأقل على المستوى النظري ، على المتقدمين للعمل معها أو التطوع فى خدمتها ، أن يتمتعوا بالقدر الكافي من الحساسية الضرورية تجاه الثقافة والدين والجندر ، أى أن يكونوا حساسين تجاه مشاعرهم و تجاه مشاعر الآخرين .. إذن ، الشعب السوداني متقدم و راق بفطرته ، مرة ثانية . و عليه يجب اعتبار المحنة التي يمر بها الآن ، مجرد قشرة تسكن خلفها أصايل طباع يبلغها الآخرون بشق النفس والنفيس .. و لو لم أكن سودانيا و حساسا و طيبا ، لوصفت مقالك ، موضع التعقيب هذا ، بأنه **** لا قيمة له بدلا عن وصفي له بأنه ساذج و سطحي و متناقض .
ثم ما هي حكاية أن هيكل لا يريد أن يكتب عن السودان هذه ؟؟ فماذا ينفع السودان و الشعب السوداني إن كتب عنه هيكل أو لم يكتب ؟؟ لعلك ، يا صديقي ، تنتابك عقلية ستينات القرن الماضي بكل نزقها و تنطعها ، حين كان هيكل يستطيع أن يلفت نظر القوى الكبرى بالكتابة عن مشاكل المنطقة حيث كان متاحا له معرفة ما يجرى في دهاليز حكام المنطقة من حلفاء وخصوم النظام الناصري .. دعنى أذكرك أننا نعيش في القرن الحادى والعشرين حيث يطوف فوق رؤوسنا ما يربو على اربعين ألف قمر صناعي ، و تعكس هذى المرايا السماوية ما يجري في السودان و في غير السودان . فكل المعلومات أصبحت متاحة على قفا من يشيل و لم تعد حكرا علي قله . و إنما العبرة بتوظيف هذه المعلومات المتاحة و تحليلها و من ثم التنبؤ بمآلات الأمور ، أو استنباط النظريات التي تعالج قضايا المجتمع البشري وترفع من قيمة الإنسان و ترتقي بنظرته إلى الحياة . أم أنك ترى هيكلا بارعا في التحليل و التنبؤ بمآلات الأمور ؟؟ هذا خطأ !! فعلى سبيل المثال ، عندما كان هيكل يملك كافة المعلومات عن الأطراف المتحاربة في اليمن ، في ستينات القرن الماضي الماضي ، بين الجمهوريين والملكيين ، تنبأ هيكل بفشل الثورة اليمنية ، و لكن ثوار اليمن الأبطال نجحوا في ثورتهم و أطاحوا بحكم الإمام يحي حميد الدين وأسرته إلى الأبد ، و أخرجوا اليمن من عزلتها و حكم الإمامة البائس .. أم تريد أن تقول إن هيكلا هذا أمتلك خبرة على مرّ السنين في التحليل و التنبؤ بمآلات الأمور ؟؟ خطأ مرة أخرى !! فعلى سبيل المثال ، عندما سئل عن توقعاته بشأن المنافسة بين الحزب الديمقراطي الأمريكي و مرشحه باراك أوباما ، و الحزب الجمهوري الأمريكي ومرشحه جون ماكين ، أجاب هيكل بكل ما يملك من ثقة إن الفائز هو جون ماكين لأن الشعب الأمريكي غير مستعد ليحكمه رجل أسود !!
و في فقرة تالية أنت ، أيضا ، تقول إن عدم فهم الثقافة السودانية والإنسان السوداني تسبب في عزوف من كان مهتما بالشأن السوداني من أصدقائك ، عن الاهتمام به . وتعليقنا عليه هو نفس تعليقنا على عزوف هيكل ، و بالتالي يمكنك أن تعيد قراءته مرة أخرى . و لكنك تضيف هذه المرة ما كتبه كاتب إنجليزى من أن السودان كلب نائم لا يجب إيقاظه حتي لا ينبح ويعض ، و أيضا ما كتبه صحفي إنجليزى عن أول انتخابات جرت في السودان عام 1953 ، بأنها غير مفهومة و وصفها بعبارة " حين يضحك القدر " . ما هذا الكلام الفارغ ؟؟ فالشعوب يا دكتور حيدر لا تولد مستيقظة و قادرة ، و إنما تعيش طفولة تطول أو تقصر حتى تنهض بجهد أبنائها الذين يشحذون همتها ويغرسون فيها مشاعر أنها تستحق حياة أفضل ، و أنها جديرة بأن ترفع رأسها بين الأمم ، لا بأبنائها الذين يقللون من شأن شعوبهم و يحتفلون بمن يرى في شعوبهم كلابا نائمة لا يجب إيقاظها !! فعندما سئل نيلسون مانديلا عن لماذا هو دائم الهم بشعبه ، أجاب أريد لشعبي أن يمشى مرفوع الرأس .. و غني عن القول ، إن بريطانيا هذه ، التي ينتمي إليها الكاتب و الصحفي المذكوران ، كانت نائمة ذات يوم قبل أن تستيقظ و تعض !! أم لعلك تراها كانت مستيقظة حين كان رجالها ، قبل خروجهم إالى العمل ، يربطون أفخاذ نسائهم بحزام الحديد حتى لا يواقعن غيرهم في غيابهم !! أما انتخابات 1953 ، فقد كانت أول انتخابات يعرفها الشعب السوداني ، و شئ طبيعي أن تكون فيها مفارقات يضحك لها القدر . و في حقيقة الأمر، إن القدر يضحك في كل لحظة على متصل الزمان و المكان . فعلى سبيل المثال ، إني أراك متقدما على هيكل و المزروعى ، وتملك أدوات تحليل تستحق الاحترام . فما حاجتك لاستلاف قول من هم أدني منك ، على الأقل فيما يختص بالشأن السوداني . فلماذا تبخس نفسك وتبخس شعبك ؟؟ فقد كتبت أنت ذات مرة ، في ما معناه ، إن حزب الإسلاميين الحاكم وشيوخهم ، لم يعيشوا فترة الصبا العادية ، إذ كانوا مهمومين بفكرتهم عن المجتمع الفاضل ، و لم يخالطوا أقرانهم في تلك الفترة حيث يعيش الشباب فتراتهم الطبيعية ، ولذلك عندما وجدوا أنفسهم في السلطة اندلعت في دواخلهم نوافير الشباب المنسية و لعل هذا ما يفسر شرههم بنهب المال العام و تعدد الزوجات . و هذا تحليل رائع يتجاوز علم نفس الأفراد الى علم نفس الشعوب و المجموعات المكونة لها . و تقول ، أيضا ، في موضع أخر إن على المحامين الديمقراطيين إستلام تقارير المراجع العام التي ترصد فساد ما يسمى بالقوي الأمين و تقديمها بلاغات قانونية للنائب العام و محاصرته . و هذه ، لعمري ، ضربة معلم تتجاوز بها كل مماحكات المعارضة وقعودها السياسي . و يعتبر هذا ، عندي ، أكبر تفكير إختراقي من شأنه إرخاء قبضة الإسلاميين علي السلطة و الثروة ، لينفتح المجال لصعود قوى التغيير.. فها أنت ، إذن ، تغوص في بحار تتكسر دونها مجاديف هيكل ، متعه الله بالصحة و العافية ، و مجاديف المزروعي رحمه الله . و بدلا عن أن يستلفوا مفرداتك ، تقوم أنت بالاتكاء علي مسكوكاتهم الجوفاء . فلماذا تغادر يقينك إلى ظنونهم ؟؟ أو ليس هذا موضع يضحك فيه القدر !!
و أنت ، أيضا ، تقول إن مشكلة السودان هي هامشيته و إنه هامش الهامش جغرافيا و ثقافيا كما يقول المزروعي !!
في حقيقة الأمر ، هذه أمّ العبارات المسكوكة المبتذلة . و لا تعدو أن تكون كلاما ساكتا . فماذا يعني إن السودان هامشيّ الثقافة و الجغرافيا ؟؟ و سؤالي هو: هامشيّ بالنسبة لمن ؟؟ و ما هو المركز الذي يُعتبر السودانُ هامشا له ؟؟
ما هذا الهراء ؟؟
لعلك تعلم ، عندما كنت تدرس الجغرافيا ، إن أى نقطة على الأرض هي مركز لما حولها حينا و هامش لما حولها حينا آخر . فحتي الأرض نفسها هي مركز للقمر حينا و هو هامش لها يدور حولها ، و كذلك هي هامش للشمس تدور حولها ، و التي هي بدورها تتحول من مركز إلى هامش تدور حول قلب مجرة الطريق اللبني إذ تقع في طرف الأصبع الصغير للمجرة . إذن ، أنت تعني مركز النفوذ السياسي و الاقتصادي و الثقافي في العالم . إن هذه الفقرة لمحزنة في مقالك العجيب هذا . فلكأنك تعتقد أن الحياة قد برزت إلى الوجود في هذه اللحظة و انتهت عندها ، و بالتالي المركز مركز إلى الأبد و الهامش هامش إلى الأبد !! و هذا الطبع اعتقاد ساذج وسطحي .. فالمجتمعات البشرية تتقلب في الألوان و الصور و تنافح تحديات البقاء التي تواجهها بكل أشكالها ، فإن فهمت التعايش معها و حولت تحدياتها إلى فرص للتطور و الارتقاء ، أصبحت مركزا قويا و مشعّا . فالهامشية ليست ضربة لازب . فعلى سبيل المثال ، كانت أمريكا ، ذات يوم ، هامشا بالنسبة لأروبا و لكنها ، اليوم ، قوة كبرى تسيطر على القرار الأروبي ذاته . إذن ، ليس هناك داعي ليولد السودان داخل واشنطون أو لندن أو باريس أو موسكو أو بكين حتي لا يكون هامشيا .
أم لعلك تقصد فضاءات السودان المباشرة التي ينتمي إليها السودان إسلاميا و عربيا و أفريقيا . فأما إسلاميا ، فالعالم الإسلامي يعيش ورطة كبرى و كذلك أحزابه الإسلامية التي تتحدث بلسانه . فالسلفيون يطعنونهم من الخلف بآيات سنان ، لا يستطيعون التنصل منها . و حقوق الإنسان ، من أمامهم ، تهددهم بركلهم خارج التاريخ . فطفقوا يتقافزون بين الآيات القرانية في محاولة للتصالح مع ما بدا منها من تضارب ، و لذلك جاءت اجتهاداتهم مليئة بالزعر والقلق ، الأمر الذى أفقدها أصالتها ، و هكذا تمثل اجتهاداتهم نتفا متنطعة و ممسوخة لما جاء به المفكر السوداني ، الحساس و الطيب ، محمود محمد طه الذي لم يبن نظريته على مجاملة الماضي و الخوف من المستقبل ، و هو ما نعنيه بالأصالة . إذن الشعب السوداني مركز و ليس هامشا في الفضاء الإسلامي .. و أما الفضاء العربي ، الذي اكتشف معاني الحرية في القرن الواحد و العشرين ، و ما يزال يرفس و يرفث ، قد سبقه استاذ الشعوب بثورتين نحو نصف قرن من الزمان حين كانت تربة الفضاء العربي تعجّ بجثث الحرية المتحللة . و لذلك لو طلبنا من الشعب السوداني أن يقتفي أثر الشعوب العربية في ثوراتها ، نكون كمن نطلب من من هو في الأمام أن يسير خلف الذين يسيرون خلفه !! و هذا ، مرة اخري ، موضع ضحك للقدر .. و أما الفضاء الأفريقي ، فيعيش ، في معظمه ، اضطرابا منذ نشؤ الدولة ما بعد الكلونيالية ، بما يشمل كينيا بلد المزروعي التي ضاق بها و ضاقت به ، فهجرها للأبد . و تتلخص اضطرابات القارة الافريقية في أن بعض إثنياتها تري أنها الأسمى و الأحق بامتلاك الثروة و السلطة ، أي إنها أكثر أصالة من غيرها . و في الواقع ، لن تشهد أفريقيا و العالم الثالث عموما ، سلاما و نهضة ما لم تدرك أن تنوعها العرقي و الثقافي الحاضر الآن ، إنما هو امتداد لتنوع تاريخي عميق الجذور. و بالتالي لا يجب اعتبار أيا منها طارئا على الحاضر ، إنما هي مكون أصيل في المجتمع الذي تعيش فيه ، و هو الإطار النظرى الذي وضعه المفكر السوداني ، الحساس و الطيب ، الدكتور جون قرنق . إذن ، الشعب السوداني رائد في هذا الفضاء ، أيضا .. في حقيقة الأمر، كنا نريدك ، و ما نزال ، أن تنافح عن هذا الشعب الكريم وتشد من أزره حتي يستعيد ثقته نفسه ، و تعلي من شأنه بدلا عن الاحتماء بمسكوكات مبتذلة أطلقها هزيلو الدراية بالشعب السوداني . فلكأن الشاعر السوداني ، الحساس و الطيب ، سماعين حسن عناك و هو يقول ، حِليل الكان بيهدي الناس ، صِبِح محتار إكوس هداي..
و أنت تقول ، أيضا ، في خواتيم مقالك هذا ، إن الرئيس البشير وحزبه قد قرروا أن يكون الحوار بالطريقة السودانية التي تنعتها بحوار الطرشان . ثم تقول ، إن السودان ما يزال هجينا و خلاسيا حتي بعد انفصال الجنوب ، ثم هو يميل للوسطية التي تمكنه من التعايش مع التناقض.
ما هذا الكلام الخارم بارم ؟؟
فحوار الطرشان هذا ، ليس صفة سودانية كما تقول ، إنما هو صفة الأحزاب الحاكمة في العالم الثالث . أما في السودان فهي صفة الحزب الإسلامي لأنه يرى أن الآخرين كفار أو غير حسُنيّ الإسلام و بالتالي يحلّ خداعهم و نهب ثرواتهم . ثم إن الوسطية التي تمكن التعايش مع المتناقضات إنما هي شرط جوهرى لإحلال السلام في السودان و في غير السودان . فالوسطية هي التي تمكنك من مدّ بصرك أفقيا حيث يمكنك أن تتعايش بسلام على مدّ البصر . أم لعلك ترى أن التطرف هو الذي يخلق سلاما ؟؟
ثم ما هي مشكلة الهجنة و الخلاسية ؟؟ بالطبع لا نريد أن نقول إن العالم كله يتجه للهجنة ، حتي إنه سيكون هجينا كاملا بحلول العام 3150 ، و بالتالي سيكون دولة واحدة . و لكننا نقول أن الهجنة تزيد من الذكاء الضروري للارتقاء بالحياة و شروطها ، و هو ذات السبب الذي يدفع الأطباء أن ينصحوا بالتزاوج مع الأباعد و ليس الأقارب لتحقيق قدر و لو يسير من هذه الهجنة . أما الخلاسية ، فما أحلاها يا رجل !! فها هو الشاعر السوداني ، الحساس و الطيب ، ود المكى ابراهيم ، حين استفاق من صرعته ، أنشد يقول ، إن الخلاسية هي بعض أقواله أمام الله ، و إن من اشتراها اشتري للجرح غمدا و للاحزان مرثية ، و إن من اشتراها اشترى منه ومنها تواريخ البكاء و أجيال العبودية ..



عادل إسماعيل
[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2012

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1368102 [سيف الدين خواجة]
1.00/5 (1 صوت)

11-11-2015 09:19 AM
شكرا استاذ عادل علي تحليلك القيم العادل والسليم والمنطقي بحجج قوية واقعية ولعلي اقولك كل مشكلتنا اننا لم نحسن ادارة التنوع والسبب في تقديري ان خروج المستعمر جاء من قبل ان تتواطئ النخب والفعاليات والوان الطيف السياسي علي مشروع الدولة لخلق قومية الشخصية فهما وسلوكا حتي نتمكن من مغالبة دولة ما بعد خروج المستعمر من ناحية ومن ناحية انشاء انشاء اجيال حبلي بقوميتها تجاه الوطن لصهر القبيلة والحهة في تماسك وحدوي تتمثل فيه قيم الدولة مبني ومعني لذلك دار الصراع السياسي بتنافر وان كان الاوائل كانوا علي قدر كبير من التسامح والمحافظة علي النسيج الاجتماعي وكان سلوكهم وثقافتهم تساهم في البناء ببطء وكان الاسهام الاكبر للمشاريع الكبري مثل الجزيرة سكه حديد النقل النهري والمخازن والمهمات والنقل الميكانيكي كحقول اجتماعية للمصاهرة والتعرف اكثر فاكثر اضافة لنظام الداخليات في التعليم كان ايضا من الاليات لذلك كانت حرب الانقاذ علي المشاريع الكبري ونظام التعليم لتفيك المشروع وجعلنا ايدي سبأ لاستمرار حكمهم لكن للاسف (لا ارضا قطعوا ولا ظهرا ابقوا ) والحوار الان يجري لاستمرارهم دون المنزلق للحاقا بالاقليم . ومن اكبر عجز المعارضة الان وهو عجز الحكومة بامتياز ايضا ان تتكلم عن السلطه من غير مشروع جامع لاعادة قيم الدولة المختطفه لذلك سيستمر هذا السجال الحزين وتستمر الغيبوبة حتي تنضج الثورة علي نار هادئه فللوطن الخلصاء الذين يتحرقون شوقا لاعادته لجادة الطريق . وشكرا


#1368037 [ودالعوض]
0.00/5 (0 صوت)

11-11-2015 07:48 AM
دكتور حيدر ابراهيم صادق ومحلل بارع للحالة السودانية شخصية وكيان. الرجل يا استاذ عادل كتابته علمية وتثقيفية ونحن في امس الحاجة بل الضرورة القصوي في فهم تركيبة وشخصية الأنسان السوداني والوطن والبلد. الوطن لم يضيع ويدمر ويقتل الا بسبب الهوية وهي بألأكيد اللذي لا يرقي اليه اي شك السبب الرئيسي زالوحيد في مانحن فيه الآن من خروب وانحطاط في كل شيئ. الرجل علم نفتخر به ولا يكتب الا ما نعايشه ونراه امامنا من حياة في السودان بكل انواعها. اما هيكل فهو كما قلت اكبر كذاب ومنافق ومدلس وعشاش شأنه ككل المصريين فهل تعلم ان تاريخ مصر كله مزور وزائف وان ادعاء البطولات والجولات والأنتصارت والتقدم علي الشعوب الأخري كله كلام فارغ ولم يحدث في مصر اطلاقا وفي سطر واحد فهذا الشعب لم يعرف الا بسبب حكامه الأجانب بنوا لهم تاريخا بجهدهم وحكمهم والغريب ان البطش والتكيل بهم علي مرور الاف السنين حعلهم من اجهل الشعوب بما حولهم علما وثقافة ختي حملة الشهادات منهم والمؤسف انهم يصدقون كذبهم قبل غيرهم ومنهم كتابهم حسنين وغيرهم ولهذا ومن اجل هذا نتلهف لكتابات حيدر ابراهيم لأعادة الشخصية السودانية الهوية الحقيقية والجوهرة البراقة حتي لاتضيع كما ضاع المصاري لا عقول ولاعدول بل همهم اكل الفول- لا اقصد التجريح- وليكن كتابتك وطنية ذات اخلاق سودانية تتعامل بالطيبة بيننا مهما فسرها التافهون الساقطون من الشعوب الأخري ولكن نبرز انيابنا وعضلاتنا لكل حاقد **** يحاول استصغارنا واحتقارنا ونعامله بالمثل اللهم اصلح سوداننا واحفظ كتابنا ومثقفينا وأصلح شعبنا اللهم آمين


#1367953 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

11-11-2015 02:13 AM
Great article
Great critique: sound, succinct, pointed, logical, balanced, intelligent, and compelling

باستثناء جملة واحدة وددت لو كنت تركتها خارج المقال، حتي لا يزجه البعض (خاصة الخصوم الفكريون) في درج ايدولوجي او فكري معين، ويقفلون الدرج، ثم يتنفسون الصعداء اذ يعتبرون ان ذلك الفعل في حد ذاته تفنيد لكل حجج المقال الماسية صلابة وشفافية.
الجملة هي هذة:
【 . إذن الشعب السوداني مركز و ليس هامشا في الفضاء الإسلامي .. و أما الفضاء العربي ، الذي اكتشف معاني الحرية في القرن الواحد و العشرين ، و ما يزال يرفس و يرفث ، قد سبقه استاذ الشعوب بثورتين نحو نصف قرن من الزمان حين كانت تربة الفضاء العربي تعجّ بجثث الحرية المتحللة .】

لن تستطيع اثبات ان الشعب السوداني ١. مركز الفضاء الاسلامي 【الا من منظور ايدولوجي جمهوري _ ربما】، او ٢. استاذ الشعوب 【الا من منظور شوفيني】. ومقالك لا يحتاج الي ذلك (حتي اذا كانت النقطتين اعلاه تعكسان قناعاتك) لانه كامل الحجة بدونهما، وهما يضعفانه اكثر مما يقويانه.


عادل إسماعيل
مساحة اعلانية
تقييم
9.77/10 (23 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة