في


مجرّد خاطرة مجرّدة
08-05-2010 12:28 PM

بشفافية

مجرّد خاطرة مجرّدة

حيدر المكاشفي

كان لنا إبن خال شديد الولع بالطب ليس كمهنة بل كـ «برستيدج» أيام كان للطب شنة ورنة وضعته في أعلى سلم المقامات وليس كما هو حاله الآن الذي فقد فيه الطبيب أية ميزة فصار لا يجد حتى قوت يومه، ولهذا وعندما وُفق قريبنا هذا في دخول المرحلة الثانوية بشق الأنفس إذ أحرز بالكاد المجموع الذي يؤهله لدخول الثانوي، لم يضع هدفاً نصب عينيه وليس عقله إلا كلية الطب وحسب، ولكنه للأسف طوال دراسته الثانوية حتى تخصصه في المساق الذي يؤهل أصحابه المبرزين لدخول الطب والذي إنخرط فيه هو الآخر بعد لأيٍ وجهد جهيد، لم يكن للأسف يسلك الطريق المفضي إلى هذه الكلية التي كانت عصية أيامذاك إلا لأولى العزم والهمة، وهو طريق يصف معالمه أبناء الغرب من المولعين بالطب ويوصون من يرغب فيه بقولهم «تكبي كب تجيبي طب»، لم يكن قريبنا من الكبابين كما لم يكن من النابهين وإنما كان ينكب على اللهو والعبث ولهذا كان طبيعياً أن لا ينجح في المرة الاولى حتى في إحراز شهادة من النوع الذي كان يسميه الطلاب «أسترني» ويقول المتفلسفون منهم في الدفاع عن هذه الشهادة الضعيفة If fifty is enough why fifty one «لو ان خمسين كافية للنجاح فلماذا واحد وخمسين»، ثم لم يكن غريباً عليه وهو ما زال على حاله العابث أن لا يحرز حتى ما يؤهله لأن يحوم حول حمى الطب للمرة الثانية والثالثة على التوالي، وقد زاد عجب الناس فيه عندما رأوه وهو يستعد للجلوس لامتحان الشهادة للمرة الرابعة فاستنكروا عليه هذه المحاولات اليائسة ونصحوه بأن يترك الطب في حاله ويبحث عن غيره في سوق الله أكبر أو أن يغيّر مساره الاكاديمي ولكنه لم يأبه لنصيحتهم وردّ عليهم بكل برود «والله لن أترك الجلوس لامتحان الشهادة ولو بلغت مرات جلوسي ثلاثين إمتحاناً حتى يحدث أحد أمرين، إما أن أدخل الطب أو تصدر وزارة التربية والتعليم قراراً بمنعي أنا فلان ابن فلان من الجلوس للامتحان» وقد كان فقد دخل الطب ودرسه وتخرج فيه ولكن في إحدى جامعات خارج السودان، ولكم أن تزدادوا عجباً في الرجل بعد أن تعلموا أنه لم يعمل بالطب ولو لساعة وإنما قذف الشهادة بعيداً منذ أن حصل عليها، ثم تجلبب وتعمعم وولى وجهه شطر السوق ولكن هذه المرة وفق نظرية جديدة نسفت تماماً نظرته السابقة للطب، وحين كان يسأل عن لماذا أنفق كل زمنه وجهده السابق لنيل شهادة الطب ثم عندما نالها قذفها وإنتقل إلى وجهة أخرى، كان يقول «تسعة أعشار الرزق في التجارة والباقي في السابياء والطب سابية من عشرات السابياء فلماذا أضيّق على نفسي ولا أذهب إلى حيث توجد الاعشار التسعة» ثم أيضاً كان له ما أراد صح هذا الحديث ام لم يصح حيث أصبح الآن من أصحاب المال الوفير والعقار الكثير..
هذه الخاطرة، عنّت لي وأنا أطالع في عدد من صحف الأمس صورة زميلنا الصحافي المجوِّد عبد الماجد عبد الحميد وهو يلتقي ببعض كبار المسؤولين ليس كصحفي وإنما كمسؤول مثلهم كتفاً بكتف، وهذه مناسبة نهنئه فيها وإن تأخرت التهنئة بمنصبه الجديد كوزير ولائي ما دام أن ذلك كان هو خياره، واللقطة ذكرتني بحكاية بائعي الصحف الذين أصبحوا مادة لبيع الصحف باجتهادهم ومثابرتهم منهم أحد عظماء الروس سقط إسمه من الذاكرة لم يكن في يفاعته سوى بائع صحف من «السريحة» الذين يجوبون الشوارع راجلين وهم ينادون على صحف اليوم، ثم هناك المصري المرحوم الحاج محمد مدبولي الذي بدأ حياته العملية مبكراً منذ السادسة من عمره كبائع صحف جوّال ثم بدأ يقفز من نجاح إلى نجاح إلى أن أصبح أحد أهم الناشرين العرب، وهناك أيضاً الداعية الاسلامي المشهور أحمد ديدات والذي لم يكن في بواكير حياته سوى بائع صغير للصحف في كشك صغير، أما عندنا هنا في السودان فغالباً ما يحدث العكس حيث تجد بعض الخريجين يعملون كـ «سريحة» الأمر الذي يجعل الحِراك هنا هابط بينما هو في الامثلة المذكورة حراك صاعد...

الصحافة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 877

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية
تقييم
4.35/10 (53 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة