المقالات
السياسة
خطاب مفتوح الى رئيس اللجنة العليا للحوار الوطنى
خطاب مفتوح الى رئيس اللجنة العليا للحوار الوطنى
12-25-2015 06:28 PM


خطاب مفتوح الى رئيس اللجنة العليا للحوار الوطنى

السيد رئيس اللجنة العليا للحوار الوطنى
قاعة الصداقة الخرطوم
المحترم،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسمح لى سيادتكم ان اضع امامكم هذا الخطاب.
لقد تابعت باهتمام بالغ منذ البداية ما يدور فى محاور اللجان الستة فى قاعة الصداقة .وذلك عبر وسائط الاعلام المختلفة وخاصة قناة الشروق الفضائية. ومع مرور الزمن ترسخت قناعتى بجدية الحوار وان ما كان مسكوتا عنه طيلة السنوات الماضية ،وكان سببا لخلافاتنا الى حد الاحتراب، اصبح يقال الان بكل شجاعة وهذه هى البداية الصحيحة لوضع اسس متينة ودائمة لاركان الدولة وخلق وجدان مشترك لبناء الامة.
لهذا قررت ان لا يفوتنى شرف المشاركة فى هذا الموقف التاريخى العظيم للشعب السودانى.
ان مشاركتى تتلخص فى الاجابة على السؤال الاتى:
لماذا فشلنا فى خلق وجدان مشترك لمكونات الشعب السودانى طيلة هذه المدة؟؟؟
وقبل الاجابة على هذا السؤال ارجو ان انوه الى ان رائى هذا لا ينطلق من موقف سياسى او اثنى وانما تحليل لواقع ونقد تجريدى للوصول الى تشخيص العلة من وجهة نظرى . وارجو المعذ رة ان تشابهت بعض الصياغات والامثلة مع بعض العبارات التى تستعمل فى اللغة السياسة.
فى رائى المتواضع ان مادة التاريخ السودانى التى تدرس فى المراحل المختلفة هى السبب الاساسى فى عدم ايجاد منصة انطلاق مشتركة لوجدان الشعب السودانى.
ولغرض التوضيح دعنا نتحدث بايجاز عن التاريخ القديم والتاريخ الحديث للسودان.
(أ) التاريخ القديم:
1- التعامل السطحى مع التاريخ القديم للسودان
ان تاريخ السودان القديم يحكى عن اعظم حضارة قامت على ضفاف النيل فى ذلك الزمان. وقد وصل نفوذ ملوك النوبة فى حينها الى بلاد الشام وجنوب تركيا.

لكن السؤال المطروح: لماذا لم يغرز فى وجداننا حب تلك الحضارة وحب الاعتزاز بعظمة اجدادنا ، كما يفعل المصريون؟ ان الطفل المصرى فى اولى اعدادى يقول لك " مصر ام الدنيا وحضارة سبعة الف سنة".
فى اعتقادى ان المنهج الذى كتب به تاريخنا القديم لا يرتقى بوجداننا ولايخلق فى دواخلنا صور ذهنية زاهية لهذا التاريخ ،وانما يحيلنا الى الارشيف ويجعلنا ننظر لتلك الحضارة العظيمة نظرة عابرة لا تختلف كثيرا عن نظرتنا لحضارة الجمع والالتقاط عند اجدادنا القدماء.
2- شعب النوبة فى جبال النوبة
ان النوبة فى الجبال جزء اصيل فى الحضارة النوبية فى الشمال ولاسباب جوسياسية تمت هجرتهم الى مكانهم الحالى فى الجبال. لكن الذين لايريدون بناء وجدان مشترك بين مكونات الشعب السودانى جعلوا من الفصل الجغرافى جدارا للفصل العرقى. وقالوا ان النوبا فى الجبال لا علاقة لهم بالنوبة فى الشمال واصبح الطفل فى الجبال يعيش غربة وجدانية عن الطفل فى الشمال.
ومرة اخرى فشل منهج التاريخ فى تجسير هوة الوجدان وتركها تتسع على مر الازمان.
(ب )التاريخ الحديث:
1- الثورة المهدية
لا شك ان الثورة المهدية تعتبر من الثورات العظيمة والكبرى فى القرن الثامن عشر. ولا شك ايضا ان هذه الثورة قويت شوكتها عندما انتقلت الى جبال النوبة ،وعسكر جيشها فى جبل قدير. فى ضيافة المك ادم اندبلو سلطان مملكة تقلى الذى قام بامداد المهدى بالاف من فرسان النوبة. وقد مكنه ذلك من حصار الابيض وكان له الانتصار الساحق لهكس باشا فى معركة شيكان. ثم واصل الزحف الى ان دخل الخرطوم .وكان مهر النصر ودخول الخرطوم هو رأس غردون باشا.
وفى عهد الخليفة عبدالله التعايشى عندما غزا كتشنر السودان، استشهد فى معركة كررى الاف من ابناء النوبا فى جيش الخليفة.
لكن عندما نتحدث عن هذه الثورة العظيمة لا نذكر هذا الدور البطولى والمحورى الذى لعبه ابناء النوبة فى توطيد اركانها.
وعندما ياتى اسم جبال النوبة فى السرد التاريخى لهذه الثورة ، فانه يأتى باستحياء حينما يقال ان جيش المهدى كان قد عسكر فى جبل قدير فى جبال النوبة، وكأن المهدى أتى بجيشه واقام هناك من دون وجود احداث تفاعلية جسام مع شعب النوبا.
ان هذا الاختزال المتعمد يجرد ابناء وبنات النوبا من شرف الانتماء الاصيل لهذه الثورة.
2 ثورات جبال النوبة ضد الانجليز
قامت ثورات كثيرة فى جبال النوبة ضد المستعمر، وكبرى هذه الثورات هى ثورتى السلطان عجبنا ارويجا الذى يماثل عمر المختار، وثورة الفكى على الميراوى. لكن كتب التاريخ تتحدث عن هذه الثورات فى اقصى الهامش فى سطرين. ونفس هذه الكتب عندما تتحدث عن سيرة المك نمر تفرط فى الاسهاب . وانا لا اعترض على الاسهاب فى سيرته العظيمة لانه بطل نعتز به جميعا كسودانيين ، لكنى ادعوكم ان تعيشوا معى هذا السناريو:
تلميذان فى الفصل ،واحد جعلى والثانى نوباوى عند دراستهما لمادة التاريخ ينتاب التلميذ الجعلى شعور بالزهو والفخر، لان اجداده لهم القدح المعلى والتاريخ الناصع المشرف فى السودان. ويزرع هذا فى نفسه بذرة التعالى التى تنمو مع الايام .وعندما يكبر التلميد، يتحول هذا الشعور الى عقله الباطنى ويظهر ذلك فى بعض سلوكه وتصرفاته ومواقفه ،دون ان يدرى هو نفسه بعقله الواعى. مثال ذلك ان يرفض ولو باضعف الايمان، ان يمتهن ابناء العرب بعض المهن التى فصلتها المجتمع لبعض العرقيات.
اما التلميذ الاخر فانه يشعر بعدم وجود دور لاجداده فى تاريخ السودان بل يشعر بانه من سلالة نكرة. ويزرع هذا الشعور فى نفسه بذرة الدونية التى تنمو مع الايام. وعندما يكبر التلميذ يتحول هذا الشعور الى عقله الباطنى ، ويظهر ذلك فى بعض سلوكه وتصرفاته وموقفه. دون ان يدرى هو نفسه بعقله الواعى. مثال ذلك التردد فى اتخاذ بعض القرارات او الجلوس فى المقاعد الخلفية فى المناسبات العامة. ان هذا الشعور بالتعالى او الدونية مدمر للمجتمع والدولة ،و يمكن تلافيهما اذا كتبت مادة التاريخ بامانة وحيادية واعطى كل ذى حق حقه.
3 – ثورة 24(اللواء الابيض)
ثورة 24 رغم عظمتها لم تاخذ قد را كافيا من الاهتمام. وبما ان معظم المقاتلين فى هذه الثورة كانوا من ابناء جبال النوبة ونعرف كثير منهم بالاسم ،على رأسهم الشهيد البطل أردا بيكو ضارب مدفع الرشاش الذى فشل الجيش الانجليزى فى اسكات مدفعته الا بقذفه بالطائرة .وعند استشهاده وجدوه جاسما على المدفع عاضا سبابته.
وامام هذه المواقف الاسطورية الا يحق لنا ان نسأل: اين مادة التاريخ فى اظهار هذه الادوار العظيمة؟
لقد اوردت هذه المقتطفات التاريخية كامثلة فقط لنقول ان ابناء النوبا لم ولن يكونوا يوما خلف الصفوف عند الاحداث الجسام فى التاريخ السودانى قديما وحديثا. بل جزء اصيل وعنصر احتراق فيها. لكن التاريخ تنكر لهم وحصرهم جغرافيا وقدمهم للمجتمع كائنات مشوهة، ظلت تطاردهم بعض العبارات المهينة مثال ذلك ( الجاى من الغرب ما بسر القلب).
وحتى نخرج من هذا النفق المظلم نوصى بالاتى:
1 – اعادة كتابة تاريخ السودان القديم وجعله جاذبا لكل المستويات ليبقى متقدا فى دواخلنا ونتباه به امام العالم مثل ما يفعل المصريون.
2 – ربط ابناء جبال النوبة بالتاريخ القديم للسودان وتاكيد انتمائهم لتلك الحضارة العظيمة.
3 – اعادة كتابة تاريخ السودان الحديث وابراز الدور المحورى لابناء النوبا فى الثورة المهدية وثورة 24 ( اللواء الابيض).
4 – اعادة كتابة تاريخ ثورات جبال النوبة ضد المستعمر.
كل ذلك لكى ننقل للمجتمع السودانى الصورة الحقيقية والمشرفة لابناء النوبا فى التاريخ السودانى قديما وحديثا حتى يغير المجتمع النظرة النمطية من ابناء النوبا التى حوصروا فيها. وعندما تتساوى الكتوف تتغير الصور الذهنية. وهذا يؤدى تلقائيا الى خلق الوجدان المشترك للشعب السودانى
فى الختام اقول ان ذكر جبال النوبة هنا فى هذا الخطاب لغرض الاستدلال فقط لكن مضمون الخطاب ينسحب على كل الاثنيات والمكونات التى تعيش ظروفا مماثلة، كتلك التى تعيشها الجبال. والمعالجة المطلوبة هى كلية لا حصرية.
وهلموا جميعا نغنى انت تربح و انا اربح وسودانا فوق.


حسين قطر جديد - جوبا
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2165

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حسين قطر جديد
مساحة اعلانية
تقييم
9.02/10 (12 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة