نكبة وطن
11-19-2011 06:39 PM

نكبة وطن

د. هاشم حسين بابكر
[email protected].com

ذكرت في المقال السابق أن أركان النظام الحاكم قد استخدموا الشعارات الدينية التي تجد القبول لدى الغالبية من الشعب السوداني، ولكنهم لم يضعوا ما كانوا ينادون به أساساً لبناء دولة جديدة بل ظنوا أنهم العماد الذي يمكن أن تُبنى عليه الدولة.
على ذات الأسلوب قامت دولة إسرائيل التي لم تكن دولة أصلاً إنما كانت بادئ الأمر جيشاً بُنيت عليه الدولة بعد أن اغتصب الجيش الأرض من أصحابها، ودولة تقوم على هذا النمط لن تبقى طويلاً، والدولة في هذه الحالة ستنهار بعد أول هزيمة لذلك الجيش.
وذكرت أن أسباب بقاء النظام مدة طويلة بفضل التماسك بين الطبقة الحاكمة والطبقة الاجتماعية التي ظهرت «الأثرياء الجدد» والتي تستفيد من طول بقاء النظام كما أن الشعارات المطروحة «وهي شعارات قوية» تقنع المواطنين، هذه العوامل هي التي أطالت عمر النظام، ويضاف إليها ضعف المعارضة، ذلك الضعف الذي استمد منه النظام الحاكم قوة نسبية.
لكن هذه العوامل يمكن أن تقود إلى عوامل تحلل وانهيار، وقد حدث هذا في تونس ومصر وليبيا، والسودان مُعرض لهذا المصير، هيكل الدولة نمى في حجمه، وقاده أهل الثقة لا المعرفة وتداخلت الوظئف والصلاحيات، وكل قطاع أصبح مستقلاً عن مركز السلطة، ورغم ذلك لا يجرؤ أي قطاع على المواجهة والخلاف مع الرئيس، ولا حاجة لهم في ذلك الخلاف لأنهم ركزوا مراكز نفوذهم الخاصة ووسعوا من صلاحياتها لتنفيذ أجندتهم الخاصة، وكل مركز نفوذ بنى جداراً عازلاً بينه وبين المراكز الأخرى، مع تجنيد المطبلين بحمد هذا المركز أو ذاك.
هذا الواقع أدخل النظام في ورطة تمثلت في عجز هذه المراكز عن احتواء النزاعات داخلها لعدم وجود إطار مؤسسي مستقل وهذا يسبب الاحتقانات بسبب فساد هذه المراكز، الأمر الذي يحدث في نهايته الثورات!!
وقد تسمع من رموز النظام الحاكم استبعاد قيام ثورة شعبية وهم في ذلك يعتمدون على أصوات المطبلين العالية الذين لهم مصلحة وأجندة خاصة فيُشبه لهم أن الشعب يهتف لهم: بالروح .. بالدم نفديك يا...!!
وفي مثل هذا لمناخ تنمو الانقسامات والصراع بين المراكز على السلطة، كل يسعى إلى ابتلاع المنافس ليبني مجداً شخصياً يقوده إلى كرسي السلطة، وعادة لا يمكن السيطرة على هذه الصراعات والانقسامات إلا من خلال الرئيس، فهو الممسك بخيوط اللعبة، وهو في هذه الحالة المحور الذي يطوف حوله الآخرون، فهو في نظرهم سبب بقاء النظام. هكذا يُصنع الطغاة والفراعنة.
أما طبقة الأغنياء الجدد الذين يساندون النظام ويدعمونه، حال شعورهم بهزة فيه فهم سرعان ما يتخلون عنه، فإن سقط النظام فإن بنيتهم الاقتصادية والاجتماعية ستسقط هي الأخرى، هؤلاء هم أول من يبتعد عن النظام، ويفكرون في نظام آخر يوفر لهم الضمان والأمن وحرية النشاط الاقتصادي، فهم أول من يؤيد القادم الجديد..
في ظل هذه الحالة يكون الخاسر الأكبر هو الرئيس، الذي تم عزله عن شعبه وأُحيط بسياج قوي لا يمكن لأحد اختراقه، وهذا المناخ يتيح للرئيس اتخاذ القرارات دون الاهتمام بتوضيحها، فقد تم عزله عن الرأي الشعبي الذي أصبح لا يعنيه في شيء..
الافكار السياسية القوية التي انطلق منها النظام حين استلم السلطة، تبدأ في الاضمحلال والضعف وتفقد معانيها، فعند رسوخ النظام الذي رفع تلك الأفكار تحولت هذه الأفكار إلى شعارات جوفاء مملة، وهذه بالطبع لا تولد أفكاراً جديدة، ولا تحرك النظام الاجتماعي ـ إن وُجدت ـ للتفاعل معها فهي جوفاء ملَّها المجتمع من كثرة ترديدها في الأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة..!
تحول الفكر الذي رفعه النظام ونال به رضى الجميع، إلى شعارات خاوية، فارغة لا روح فيها، يتوكأ عليها النظام في الداخل، ويتبرأ منها في الخارج خوفاً من حصار دولي أو عقوبات اقتصادية أو حتى حرب على الإرهاب «اسم الدلع للحرب على الإسلام»..
من هنا يتضح أن العوامل التي يرتكز عليها النظام لطول بقائه هي ذات العوامل التي تتسبب في انيهاره، والانهيار قد يكون كارثياً فلا ينهار النظام بل تنهار الدولة بحالها، وكما ذكرت فإن النظام أو بالأحرى الأفراد المسيطرين عليه قد جعلوا من أنفسهم هم الدولة، فإن ذهبوا ذهبت معهم الدولة..
وقد بدأت بالفعل تنقص من أطرافها، والنظام بتمسكه بالحكم ودولته الهشة إنما يقود البلاد إلى الهلاك، والطامعون في السودان لا يمكنهم السيطرة عليه إلا بعد تجزئته وتفتيته، وكل الاتفاقيات التي تُبرم والقرارات التي تُصدر تقود إلى هذا التفتيت والتمزق..
ولا أرى حلاً يمكن تطبيقه إلا بإزاحة هذا النظام وبطريقة سلمية، لأن هذه الإزاحة تبدِّد نسبة هائلة من السخط والبغض عليه، وربما يضع الكثيرون سلاحهم بعد إزاحة النظام، فالنظام أبدع أيما إبداع في كسب سخط وبغض الغالبية العظمى من الشعب!!

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1389

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#243437 [علي]
0.00/5 (0 صوت)

11-21-2011 12:26 AM
يمكن ان بضع الغالبية سلاحهم!!ويمكن لا!! فقد استمرا المسلحون العمل به!!واضحي هو الثقافة السائده للحصول ليس علي الحقوق المدعاة زورا بل علي المكتسبات والسلطة واقتسام الثروة الشخصي!!وسيظل الجنوب المثال المحتذي لسنوات طويله!تعلي من تلكم التوجهات .تطاف اليه الجهوية التي تغري الكثيرين الي الركوب عليها للحصول علي السلطه كهدف!!فالشعار الثوري في سوداننا مبني علي ايدولوجيات ان صحة تسميتها بايدولوجيات او مفاهيم هلامية ينساق خلفها طالبي السلطة والقفز الزاني الفجائي الذي توفره!! لتنهار مجموعة تلكم القيم عند اول امتحان لها بقدوم النفوذ والاموال!! وما شعارات الانقاذ البدائية المتماهية مع الحركه الاسلامية في بداياتها الا مثالا واضح علي خطل الموجهات التي تسوق الواقع السوداني العجيب!!فقد شارك في تلكم البداية والي يومنا هذا جموع من دعاة الثورة الهامشية!!بما فيهم امير المؤمنين خليل !!وشارك لبضع سنين ال الحركة الشعبيه بعرمانهم!!الذي لم تفتح عليه المكاسب المتحصله ان بقدم او يتقدم بخطوه ايجابية من اجل البلاد لا في تلكم الانتخابات التي ساوموا فيها ولا في التحركات التي قادها ماكان يدعي تجمع جوبا!!بل ايقظ بعد المناصب الشعارات المستغله لبدايات جديده لنضال لانعرف حدوده ولامرتجاه!!!فكل الخطوات تغلف علي مايبدوا في اطرها مصالح!! كانت من قبل لاجل الجنوب ولاندري أالان له ام لغيره!!! ومثله في ذلكم كثيرين!! اعجزوا الراوي والمتتبع لشأننا!!!


#242777 [Saifalhag]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2011 07:33 AM
د هاشم لك التحية وانت تكتب وتنبه لما يمكن ان ينكئ الجراح فليت الناس توعى لمثل هذه الكتابات الثرة ذات الرؤية الثاقبة-- ودمت


د.هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية
تقييم
2.00/10 (26 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة