المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الصفوة تحكم بأوهامها..!ا
الصفوة تحكم بأوهامها..!ا
12-01-2011 08:00 PM

الصفوة تحكم بأوهامها!!

د.هاشم حسين بابكر
[email protected]

مازالت أزمة الحكم في السودان تراوح مكانها، بل وتتفاقم، لذلك صعب وصفها لسبب بسيط وهو أن أنظمة الحكم التي مرت عليه لا تعترف أصلاً بوجود أزمة.. ولا تمنح حرية للتعبير عن هذه الأزمة..
وهذا ناتج في تقديري لحكم الصفوة التي تحكم بأهوائها، حتى وإن كانت تؤمن بفكرة أو نظرية علمانية كانت أم دينية، والمعروف عن الصفوة انعزالها عن المجتمع الذي تعيش فيه أو تحكمه فهي تضع سياجاً حول نفسها وخطاً أحمر لا تتعداه هي ولا يتجاوزه الآخرون!! هكذا كان الحال منذ بداية الاستقلال حيث تبادلت الطائفية والعسكر الحكم، فقد كانت الطائفية أمراً أقرب إلى القداسة منه إلى أي أمر آخر، وحتى العسكر الذين انقلبوا عليها لم يتجاوزوا الخط الوهمي الأحمر بينهم وبين الطائفية، لكن الأحزاب التي تمثل الطائفية هي من عانى.. والصفوة أنواع، طائفية، سياسية، واجتماعية، وانعكست حتى على التعليم حيث برز نوع من الطائفية الأكاديمية التي تجعل من خريجي جامعة بعينها أعلى شأناً من بقية المؤسسات التعليمية الأخرى رغم أن الشهادة النهائية لأي منها لا تتميز عن الأخريات، وقد كانت هذه الطائفية الأكاديمية سبباً أساسياً في هدم التعليم الفني حيث طالب دارسو التعليم الفني بمنحهم شهادات جامعية وتمت الموافقة على ذلك من الصفوة الحاكمة بأوهامها، فأصبح التعليم لا هو بالأكاديمي ولا هو بالفني إنما تحول إلى تعليم «Funny»!! وقد عايشت في حياتي العملية كمهندس هذه الصراعات بين خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتي كانت سبباً في تدني الإنتاج وتدهور المؤسسات، وقد كنت خريجاً لجامعة أوربية وما عندي دفعة كما يقول إخواننا في جيشنا الباسل، وكانت كل نخبة جامعية كانت أم فنية تبث لي شكواها وتحاول استمالتي لجانبها، حيث كنت أقف في الحياد، وحقيقة كان الأمر محزناً فالمؤسسات التي يقودها خريجو الجامعة تحتكر وظائفها العليا لهؤلاء والعكس بالعكس والصراع يدور بين تلك النخب في الخفاء بينما العجز والتدهور في الإنتاج ظاهر للعيان!!
هذا الوضع السياسي والمدني خلق مجموعة أزمات، أزمة في الحكم وأزمة في الأحزاب وأخرى في منظمات المجتمع المدني وكلها انعكست على النخب والمثقفين وعلى المؤسسية وشكلت أعراضاً لمرض عضال وقد شكلت هذه الأعراض الضعف والتصدع في بنى الدولة الأساسية ونظمها!! هذا وقد بيَّن الدكتور الصادق الفقيه هذه الحقيقة في تحليله العميق للثورات العربية فقال: «على الرغم من أن المتتبعين لحركة الثورات العربية يعترفون بأن أزمة الحكم وأزمة الأحزاب والقوى السياسة ومنظمات المجتمع المدني، والنخب والمثقفين والمؤسسية في مجملها هي أعراض لمرض حقيقي، قبل هذه الثورات وبعدها، لأنها هي مقدمات الضعف وبوادر التصدع في البنى الأساسية للدولة ونظمها!!
فإذا كان هذا حال النخب بمختلف مستوياتها، فكان لا بد أن تظهر طوائف أخرى تشارك في تشكيل المجتمع بل هي المكون الأساسي له وأعني بهذا القبيلة، ومن الطبيعي حين تتقسم قمة الهرم أن يسري هذا التقسيم على القاعدة وهنا برزت القبيلة كعنصر صراع قوي ومخيف ومدمر لبنية الدولة الأساسية الهشة، الأمر الذي لم يكن ملموساً إبان فترة الاستعمار وعقود الحكم الوطني الأولى، حيث كان على سبيل المثال مدير مديرية دارفور من إقليم غير دارفور، ولم يسأل أحد في دارفور من أين أتى ولا إلى أي قبيلة ينتسب، هذا مستحيل تطبيقه اليوم!! فالقبيلة أرادت أن تفرض نفسها كما الصفوة والنخب. والصفوة التي تحكم بالأوهام لا تعير التغيرات في المجتمع اهتماماً فهي لا تنظر إلى الواقع وتتعايش معه فالوهم الذي عشعش في عقلها سلبها خاصية فهم الواقع المعاش ذي التأثير المباشر على حاضر الدولة ومستقبلها!! وكمثال أورد ما يسمى باتفاقية السلام الشامل والتي بُنيت على الوهم، ذلك الوهم الذي خيل لصاحبه أن القبول بسحب الجيش رمز السيادة من ثلث الوطن والموافقة على تقرير المصير سيؤدي إلى وهم آخر أطلقوا عليه اسم الوحدة الجاذبة، التي ستضع حلاً لكل قضايا السودان بالسلام الوهمي الذي افترضه دون مرتكزات علمية كانت أم عملية فتحول السلام الشامل إلى دمار شامل، في حين ظن البعض أن قضايا السودان قد حُلت، يقول البعض الآخر وأنا منهم إن مشكلات السودان بدأت تواً!!. وقضية الجنوب لا تحل بافتراض وهمي، فهي القضية الوحيدة التي كانت سبباً في إسقاط أنظمة الحكم منذ الاستقلال حتى اليوم، ولا تحل بالافتراض الواهم الذي لن تكون نتيجته إسقاط النظام كالسابق إنما انهيار السودان كله هذه المرة!! يجب النظر إلى قضايا البلاد التي تهدد بقائها بنظرة مشاركة وتحاور لا بنظرة صفوة كل ما يجمع بينها وهم خيل لها أنها صفوة، تتعامل فيما بينها على هذا الأساس ولا أحد فيها يسأل الآخر عما يفعل، بل يزينون لبعضهم البعض أعمالهم مهما ساءت وفسدت، لذلك كوَّن كل فرد منهم إمبراطوريته الخاصة به دون المساس بإمبراطوريات الآخرين، رغم اختلاف وتباين وجهة النظر بينهم، لا يستطيع أحدهم انتقاد الآخر إلا سراً وهو يعلم أن سقوط ذلك الآخر يعني سقوطه هو، وإيقاظه من الوهم الذي كان يعيش فيه ليواجه الواقع الذي أوصله للبلاد، وحين ينظر إلى الواقع المعيش يكون الأمر قد انتهى تماماً ويمضي العالم سعيداً بلا سودان؛ فالسودان وهذا حال أبنائه لا بواكي عليه!!..

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1033

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية
تقييم
8.13/10 (34 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة