01-14-2012 02:43 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

من مصلحة مصر وليبيا الابتعاد عن حكومة الخرطوم

د.أحمد حمودة حامد
[email protected]

مقدمة:

زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى ليبيا الأسبوع الماضي والحفاوة التي قوبل بها من قبل قادة الثورة الليبية أتت مباشرة بعيد إعلان الإدارة الأمريكية فك حظر السلاح الأمريكي على حكومة السودان الجنوبي. فالزيارة لا شك – في ظاهرها على الأقل - تعبر عن التضامن بين جماعات الإسلام السياسي الحاكمة في السودان مع نظيراتها في المنطقة, ورد على زيارة بلحاج إلى السودان بعيد انتصار الثورة الليبية. إلا أن توقيت الزيارة المفاجئة وتزامنها مع إعلان الإدارة الأمريكية فك حظر السلاح على حكومة السودان الجنوبي يشي بأن ثمة حشد للمواقف. فهل هناك نذر مواجهة بين معسكرين حلبتهما السودان؟: معسكر حكومة الخرطوم يناصرها إسلاميو مصر وليبيا ومعسكر جوبا بمناصرة الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وإذا ما قدر أن تجر الخرطوم جارتيها مصر وليبيا لهذه المواجهة, فمن يا ترى سيكون الخاسر؟
الإسلاميون يسيطرون على دولاب الحكم:
إثر تسنم الإسلاميين الحكم في كل من مصر وتونس وليبيا في أعقاب ثورات الربيع العربي, والتضحيات الكبيرة التي قدمتها شعوب هذه البلدان مهراً للحرية والكرامة, لم يتضح بعد ما إذا كانت أشواق الشعوب ستتحقق إثر اعتلاء الإسلاميين سدة الحكم – أو ربما يخبئ المستقبل الكثير من المستور الذي ربما جعل هذه الشعوب تتحسر في مقبل السنين على ذهاب حكم الطغاة من أمثال مبارك والقذافي وزين العابدين بن علي. نقول ذلك مستندين إلى تجربة حكم الإسلاميين في السودان التي جعلت السودانيين يتحسرون على ذهاب الحكم السابق النيابي تحت وزارة الصادق المهدي والعسكري في عهد الجنرالات عبود والنميري رغم سوء تلك الأنظمة البائدة إلا أنها ملاك كريم (عليها النور مجرور) مقارنة بشيطان حكم الإسلامويين الرجيم. يحلو لإسلاميي السودان أن يذكرونا دائماً بأن ثورات الربيع العربي قد سبقت إلى السودان من نحو ربع قرن من الزمان بطابعها الإسلامي إثر انقلاب الجبهة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي والتي قوضت الحكم النيابي الذي كان قائماً آنئذ.
مخازي تجربة حكم الإسلاميين في السودان:
يتفق الجميع الآن – بمن فيهم الإسلاميون أنفسهم كالشيخ الدكتور حسن الترابي والبروفسير الطيب زين العابدين والكثير من نخبة الإسلاميين وشبابهم - بفشل التجربة الإسلامية في الحكم بما جلبت على السودان من ويلات وخراب وتفكك, دماراً وخرابًا خططت له قوى الصهيونية العالمية ونفذته نيابة عنها حكومة الإسلامويين في الخرطوم. نجمل في ما يلي بعضاً من هذه المخازي.
أولاً: فصل جنوب السودان:
فصل جنوب السودان قصد به حسب المخطط الصهيوني إضعاف السودان وحرمان شعوبه من الاستفادة من ثروات بلادهم البكر الظاهرة منها وتلك المطمورة في باطنها من بترول وذهب ويورانيوم, ووضع الرأسمالية العالمية وأدواتها الصهيونية يدها على تلك الثروات الطائلة, وتوجيهها للسوق العالمي لإحكام المزيد من الهيمنة على مصادر الطاقة والغذاء في العالم. كما المقصود أيضاً خنق مصر من جهة اعتمادها على مياه النيل شريان حياة مصر.
ثانياً: إضعاف السودان:
(كان) السودان أكبر دولة في أفريقيا وأحد أغنى بلدان العالم من حيث مصادر ثرواته الكامنة غير المستقلة ومستودعاً للغذاء في العالم. شغل السودان بحروب داخلية لا تنتهي وتبديد ثرواته في شراء السلاح لتقتيل بنيه بدلاً من توجيه تلك الثروات للتنمية والبنى التحتية ورفع مستوى معيشة الناس. فبدلاً من أن يتقدم السودان إلى الأمام بما يستحقه حسب مصادر ثرواته واستغلالها فيما يفيد وينفع, تم توجيه هذه الثروات لتحطيم البلد حسبما هو مرسوم له في الخطة الصهيونية ما أطلقت عليه في مقال سابق \" مفهوم التنمية والاستثمار في الخراب\" (راجع مقالاتنا في صحيفة سودانايل الإلكترونية).
ثالثاً: إفراغ البلد من العقول:
كما يندرج تحت مخطط إضعاف السودان إفراغ البلد من العقول Brain Drain وتهجيرها إلى الخارج. تقوم بذلك حكومة الإسلامويين تحت مسميات الصالح العام, حتى لا يستفيد السودان من أهم عناصر التنمية على الإطلاق: العنصر البشري المؤهل لقيادة المستقبل. يدرك الآخرون - دون ذوي القربى- أن الكفاءات السودانية هي من أميز الكفاءات على مستوى العالم, تجدهم يؤمون المواقع المتقدمة في الكثير من البلدان, بينما لا يجدون في داخل بلدهم إلا الحرمان والنكران والجحود (دونك ما حاز عليه مؤخراً أخونا الدكتور الحارث إدريس من تكريم من الأمم المتحدة وتكريم الدكتور محمد الواثق بجائزة سلطان بن زايد من دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرهم الكثير فلهم منا التجلة والاعتزاز بإنجازاتهم) بينما لا يجدون إلا التجاهل والنكران حتى من داخل أحزابهم التي ينتمون إليها. يكفي هنا أن نشير أن التقديرات تشير إلى نحو من سبع إلى تسع ملايين من السودانيين من خيرة الكفاءات المؤهلة - الآن يتفرقون على المهاجر في أصقاع المعمورة يقدمون خدمات جليلة للبلدان التي يعملون بها أو التي استقروا فيها.
يتم تنفيذ كل هذه السياسات الجهنمية على أيدي المتأسلمين الممسكين بزمام الحكم وباسم الإسلام ينفذون المخططات الصهيونية بحذافيرها. منذ ثلاث وعشرين عاماً وحكومة الإسلاميين تصرف حوالى 80% من ميزانية الدولة على الجيش والأمن وشراء السلاح لتوجيهه لقتل السودانيين. في الوقت الذي يطالب فيه السودانيون حكومتهم الإسلامية بأن ترعى حال معاشهم وترأف بحالهم, تجد ثروات البلاد طريقها إلى شركات صناعة السلاح العالمية شرقاً وغربًا وجلبها لقتل المواطنين المطالبين بلقمة عيش و جرعة دواء وكراسة مدرسة في دار فور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق والمناصير.
رابعاً: تراجع دور السودان وإنهاك قدرات الإنسان السوداني:
كان للسودان دوراً رائداً في محيطه الأفريقي والعربي وعلى مستوى دول عدم الانحياز وعلى الصعيد الدولي. انحسر هذا الدور الريادي للسودان, وأصبح السودان هو رجل العالم وإفريقيا والعالم العربي المريض. كما أنهك الفقر والجوع والمرض والجهل الإنسان السوداني. الإنسان السوداني مشهود له بالنجابة والنباهة والنبوغ (كونه هجيناً من السلالات الكوشية والعربية والأفريقية) التي حدت بداك همرتشولد أول سكرتير عام للأمم المتحدة أن ينعت السودانيين بأنهم أحد أميز الشعوب التي يجب أن تسخر لهم معطيات الحضارة المعاصرة (one of the finest races to whom the benefit of civilization should be harnessed) كي يتمكن من الإبداع. كثير من القوى لا تريد أن ينعم الإنسان السوداني بخيرات بلاده الوفيرة حتى يتمكن من الإبداع والتميز ويبز غيره من الأمم, القريبة منها والبعيدة. ولذلك سعت هذه القوى التي لا يعجبها تميز السودانيين إلى زعزعة استقرار الإنسان السوداني حتى ينشغل بنفسه ويكون جل همه هو اللهاث اليومي لتوفير لقمة العيش له ولأسرته. فالضائقة المعيشية التي تخنق السودانيين والإفقار المنهجي وشظف العيش والجهل المستشري وتدني مستويات التعليم وانتشار الأمراض الفتاكة وانعدام الخدمات الصحية كلها القصد منها إنهاك الإنسان السوداني وشغله بنفسه. تقوم حكومة الإسلامويين في الخرطوم بإنفاذ هذه السياسات الجهنمية على نحو منهجي في إفقار الشعب السوداني وحرمانه من حقوقه المستحقة في العيش الكريم والصحة والتعليم حتى يقدم خير من ما لديه من إمكانات خدمةً للبلد وللبشرية جمعاء.
خامساً: إضعاف الإسلام والمسلمين:
من مخازي حكم الإسلامويين في السودان أن جر الضعف على الإسلام والمسلمين. تحطيم السودان وإضعافه وإنهاك إنسانه قصد منه إضعاف الإسلام. فإذا ما قدر للسودان أن يستغل ثرواته الضخمة فسيكون ذلك إضافة ومنعة وقوة للإسلام والمسلمين عامة. إلا أن السودان اليوم هو دولة ضعيفة تستجدي حتى قوت شعبها, مفككة تشتعل فيها الحروب وتتقاذفها لأزمات وتكتنفها المشكلات الداخلية والخارجية من كل جانب. كل ذلك خصماً على قضية الإسلام, بل لقد صار حكم الإسلامويين سبّة على الإسلام يستدل بها الأعداء على سوء حكم الإسلاميين وظلمهم وبطشهم ودمويتهم وإسقاط كل ذلك على الإسلام الحنيف والإسلام برئ من كل المنكرات التي ترتكب باسمه.
سادساً: قفل الطريق أمام الإسلام للتغلغل داخل إفريقيا:
فطن الاستعماريون المسيحيون البريطانيون منذ وقت مبكر إلى حقيقة أن السودان المسلم يشكل جسراً لعبور الإسلام إلى داخل إفريقيا. ولذلك سعوا باكراً إلى وقف التمدد الإسلامي إلى داخل القارة السمراء. فكان أن لجأت السياسات الاستعمارية إلى سن قانون \"المناطق المقفولة\" في جنوب السودان للحد من تأثير المد الإسلامي والثقافة العربية إلى داخل إفريقيا. وكان الحلم الذي يراود الإمبريالية والصهيونية العالمية وقف التمدد الإسلامي إلى داخل إفريقيا تماماً, وقد تحقق لهم هذا الحلم الذي كان بعيد المنال حتى على أيامهم, تحقق لهم بكل سهولة ويسر على يد حكومة الإسلامويين في الخرطوم دون أن يكلفهم ذلك طلقة واحدة, بل كان ممهوراً بدماء السودانيين راح ضحيته أكثر من مليونين من الأنفس السودانية في حروب عبثية سميت زوراً وبهتاناً ب \" الحروب الجهادية\". وغني عن القول أنه بانفصال الجنوب وقيام دولة السودان الجنوبي يكون الطريق للتمدد الإسلامي داخل إفريقيا قد أغلق على يد حكومة الإسلامويين, ويا لها من مفارقة.
هذه بعضاً من المخازي الكبيرة والبائنة لحكم الإسلامويين في السودان, وغيرها الكثير من التفاصيل التي تأتي في ثنايا هذه الإشارات: مثل أساليب التعذيب الشيطانية التي تفتقت عنها عبقرية زبانية الحكام الإسلامويين التي يمارسونها في بيوت الأشباح, وتكميم الأفواه ومحاربة الوطنيين والشرفاء من صحفيين وناشطين بأخسّ الأساليب, واستشراء الفساد والتزوير والغش والتدليس وإفساد الأخلاق وشراء الذمم كلها من الموبقات والأمراض التي هي سمة حكم الإسلامويين في السودان.
لكن الأخطر من ذلك كله – والحال أن حكومة الإسلامويين في الخرطوم تقر بانتمائها العضوي لثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا – الأخطر من كل ما ذهبنا اليه هو سعي حكومة الإسلامويين إلى التمترس في حلف يجمعها مع حركات الإسلام السياسي التي أتت إلى سدة الحكم في مصر وتونس وليبيا وغيرها, ما يعني أنها تجر حلفاءها إلى فتنة إقليمية (صليبية؟) مع حكومة السودان الجنوبي, التي لها حلفاؤها أيضاً.
سابعاً: معسكر الخرطوم الإسلامي ضد معسكر جوبا المسيحي/اليهودي:
جاء قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما على لسان نائب وزيرة خارجية الولايات المتحدة بفك حظر مبيعات السلاح الأمريكي على حكومة السودان الجنوبي ليؤكد عزم الإدارة الأمريكية الساعي إلى تقوية حكومة السودان الجنوبي وقلب موازين القوى لصالحها ضد جارتها وخصمها اللدود حكومة السودان في الخرطوم. وقع الخبر على الحكام المتأسلمين في الخرطوم وقع الصاعقة وأصابهم بالهلع والذعر – وهو ذعر مبرر ومفهوم لكون أن تمكين حكومة السودان الجنوبي يتسق تماماً مع المصالح الأمريكية ومعها المصالح الصهيونية/الإسرائيلية في \"الحفاظ على المصالح الأمريكية الحيوية وعلى السلم والأمن في المنطقة\" حسبما جاء في القرار الأمريكي الخاص بفك الحظر على السلاح. ما يعني أن السياسة الأمريكية تعتبر حكومة السودان مهدداً لمصالحها في المنطقة وخطراً على السلم والأمن الدوليين.
على خلفية الذعر الذي أصاب قادة حكومة الإسلامويين في الخرطوم, عجّل الرئيس السوداني عمر البشير بالزيارة المفاجئة لليبيا الأسبوع الفائت ما أثار ردود فعل غاضبة محلية ودولية. هدف الزيارة المعلن هو تقوية العلائق الثنائية وعرض السودان مساعدته وخبراته في بناء الجيش الوطني الليبي, وتأكيد وتثمين المجلس الانتقالي الليبي للدور السوداني والمساعدات العسكرية التي قدمها السودان للثوار الليبيين أثناء الثورة التي أطاحت العقيد القذافي. لكن الهدف الحقيقي غير المعلن هو الخوف والهلع الذي أصاب قادة النظام الحاكم في الخرطوم من القرار الأمريكي, ورغبة الحكومة السودانية الاستقواء بليبيا في الوقوف معها في خندق واحد ضد جوبا ومن خلفها الولايات المتحدة وإسرائيل. أراد البشير أن يذكر القادة الليبيين بالمساعدات الجمة التي قدمتها حكومة السودان لهم أثناء الثورة حتى تحقق لهم النصر.
فعل البشير ذات الشيء وفي مناسبات عدة في سعيه الاستقواء بإخوان مصر الذين أتوا إلى سدة الحكم الآن. تحالف الإسلامويين الذي تسعى حكومة الخرطوم لحشده مع اخوان مصر وإسلاميي ليبيا للاستقواء بهم ضد خصمها اللدود في جوبا, يواجهه تحالف آخر بدت ملامحه واضحة الآن بين حكومة السودان الجنوبي ومحيطها الاقليمي (يوغندا, كينيا, رواندا) يجمعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل التي تحلق طائراتها الحربية طليقة في سماء السودان (مثل طائرة إيتان من غير طيار) تجوس في أجواء السودان ترصد دبيب النمل على الأرض, حسبما جاء في التقرير الأمني لرجل المخابرات السوداني الأول الفريق عطا لرئيس الجمهورية قبل أسابيع. جاء فيه – في مقال للأستاذ ثروت قاسم ما يلي:
سلم الفريق محمد عطا تقريراً سرياً للرئيس البشير يفيد أن سلاح الجو الإسرائيلي بدأ في تشغيل أضخم طائرة بدون طيار – إيتان – من أجل القيام بمهام استخبارية حالياً وهجومية مستقبلاً فوق السودان. مجال الطائرة مخصص حصرياً للسودان وإيران. بدأت عدة طائرات من طراز إيتان التحليق فوق سماء السودان انطلاقاً من قاعدة \"تل نوف\" في إسرائيلز الطائرة يمكنها التحليق لمدة 20 ساعة متواصلة (ثروت قاسم, الراكوبة: نقلاً عن صحيفة يدعوت أحرنوت الإسرائيلية).
السؤال والإجابة:
هل تنجر مصر وليبيا لمعسكر فتنة حكومة الخرطوم الإسلامي في مواجهة معسكر جوبا/الولايات المتحدة/إسرائيل/إفريقيا البحيرات؟ وما هي الحظوظ والمآلات المترتبة إذا هي قبلت الانضمام لمعسكر الخرطوم؟
اولا, فمصر وليبيا ليستا في الوقت الراهن في حاجة الى المزيد من المشكلات, فما بين ايديهم يكفي ويزيد. هما أحوج ما يكونان إلى الأمن والاستقرار وبذل الجهد لإيضاح الرؤية لقيادة البلاد في مقبل الأيام, كما إنهما أحوج ما يكونان إلى المصالحة والتوافق مع شعبيهما, وتطمين الأقليات المسيحية والقبطية واليهودية في مصر, والمصالحة بين مكونات المقاومة في ليبيا, والّا ينجرا إلى نصائح حكام السودان الذين كان نتاج سياساتهم الانهيار في البلاد وضياع قضية الإسلام كلية. وإلّا سيكون نصيب شعبيهما هو نصيب الشعب السوداني وحظه العاثر حين أتى الاسلاميون إلى الحكم.
أما إذا قبلت مصر وليبيا التخندق في معسكر الخرطوم, فالنتيجة معروفة ومحسومة سلفا في مواجهة غير متكافئة بكل المقاييس. أولها أن تفقد مصر وليبيا التعاطف الذي أبدته الولايات المتحدة والغرب عموما والقبول المبدئي بأن لا غضاضة في أن يتسلم الإسلاميون السلطة. وسوف ينسف التطمينات التي أبدتها القيادات الإسلامية لمندوبي الولايات المتحدة وقبلتها الأخيرة علي أن تتبع القول بالعمل.
قبول إسلاميي مصر وليبيا بنظام الحكم القائم الآن في السودان, والحفاوة التي يلقاها قادة نظام الخرطوم, تكشف زيف دعاوى إسلاميي مصر وليبيا تبنيهم نهجا ديمقراطيا والتزامهم بحقوق الإنسان والحقوق المدنية وإمضاء دولة القانون والمؤسسات. وهنا تكمن مشكلة الإسلاميين في علاقتهم مع الولايات المتحدة والغرب والمجتمع الدولي. فهم يمكن أن ترحب بهم الولايات المتحدة وحلفاؤها كممثلين شرعيين لتسلم السلطة في بلدانهم, على أن يلتزموا بالمحددات الأمريكية آنفة الذكر conditionalities, وهي شروط ومحددات تفرغ مشروع الإسلام السياسي من مضامينه تماماً, وتجعله \"إسلاماً أمريكانياً\" حسب عبارة سيد قطب. هذا أو المواجهة. والمواجهة الآن لم تعد في الأرض المحتلة مع إسرائيل, أو الولايات المتحدة في مركز التجارة وهجمات 11 سبتمبر, بل صارت المواجهة الآن في عقر دار المسلمين. فمصر لا تستطيع المواجهة وإلا قطع عنها شريان حياتها الذي يمدها بالبقاء (النيل). وليبيا لا تستطيع المواجهة أيضاً, وإلا لحق بها ما لحق بالسودان من إشعال نيران الفتنة القبلية والجهوية والمناطقية. خاصة وتشهد ليبيا الآن تفلتات وتصدعات في الجهة الثورية. وما أسهل على الغرب وحلف الناتو الذي جاس في ليبيا شهورا عددا, وخبر الأشياء والناس عن كثب, أن يثير نعرات الفتنة ويشد الخيوط والحبال, حتى يلحق ليبيا ما لحق بالسودان من تفكك وتشظي وانشطار راح نتيجته جنوب السودان العزيز, وتشتعل نيران الحروب في كل جهاته منذ ثلاث وعشرين عاماً عجافاً هي عمر حكم الإسلاميون في السودان. وسوف تجر معها كل المخزيات التي سبقت الإشارة إليها في صدر المقال التي جرّها حكم الإسلاميين على السودان. مصر وليبيا ليستا في حاجة لكل ذلك, وخير لهما كل الخير الفرار من عدوى حكام الخرطوم كما يفر السليم من الأجرب.
فهل يا ترى أن مجموعات الإسلام السياسي التي يؤتى بها لحكم هذه البلاد المقصود منها إضعاف المسلمين وتفكيك بلدانهم واستعبادهم والهيمنة على مصادر ثرواتهم؟
سوف يتكشف لنا في المقبل من الأزمان ما هو عجيب غريب.

د.أحمد حمودة حامد
الجمعة 13 يناير 2012- 19 صفر 1433هـ.

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1329

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#275548 [الجعلي الأحمق]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2012 11:02 PM
أولاً يا دكتور حمودة لقد تحدثت عن الإسلام وكأنه شخصاً كسيحاً لا يستطيع الحركة والانتشار إلا عبر بوابة السودان الجنوبية وطبعاً هذا خطأ لأن الإسلام انتشر وتجاوز جنوب السودان إلى داخل أدغال أفريقيا بل حتى في جنوب أفريقيا هناك الكثير من المسلمين ، والمفهوم دا طبعاً راجع لأوهامنا نحن كسودانيين بإننا نحن الوحيدين القائمين على نشر الإسلام في كل أنحاء العالم ، وهذا هو سبب تخلفنا .... وحتى الحركة الإسلامية العالمية الآن بدأت تتخلى عن الحركة الإسلامية السودانية وهذا سيظهر لنا جلياً في الأيام القليلة المقبلة ، لأن هؤلاء الأبالسة تركوا الدين وراء ظهورهم واتجهوا إلى الدنيا حيث أنهم كانوا يرددون دائماً شعاراتهم الجوفاء تلك مثل \"لا لدنيا قد عملنا ونحن للدين فداء\" و \"هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه\" ،، لكن الحركة الإسلامية العالمية كشفت هذه ألاعيبهم وإن كان المجلس الوطني الانتقالي الليبي قد استقبل وفد البشير بحفاوة فهذا لا يعني أنهم راضون عنهم أو أنهم سوف يقفون معهم ويدخلون في تحالفات معهم وإنما كان الاستقبال لإبداء شكرهم فقط لتلك الوقفة التي لا تساوي شيئاً مقابل ما فعله حلف الناتو والأمريكان في سبيل إسقاط القذافي ،،،،،،،،،،،،،،،،،،


#274565 [shamy]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2012 03:57 PM
good article too much information the only way out of sudan problem is secular state .. religious state in a diverse community is not pratical...


#274559 [مهموم بالســـــــــــــــــــــودان]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2012 03:45 PM
فهل يا ترى أن مجموعات الإسلام السياسي التي يؤتى بها لحكم هذه البلاد المقصود منها إضعاف المسلمين وتفكيك بلدانهم واستعبادهم والهيمنة على مصادر ثرواتهم؟
سوف يتكشف لنا في المقبل من الأزمان ما هو عجيب غريب ... نعم اخى الدكتور حمودة هذا
ماارادته القوة الغربية والسودان هو النموزج الامثل لديها وللاسف اقزامنا داقسين وناسيين


د.أحمد حمودة حامد
مساحة اعلانية
تقييم
5.14/10 (52 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة