01-17-2012 09:55 AM

ثورة على ماذا؟

عبد الرحمن الراشد

أرهقني الأستاذ يوسف الديني وأنا أحاول قراءة مقاله الذي عنونه بـ«ثورة على عبد الرحمن الراشد»، عدا أنه حاول رشوتي في المقدمة بالثناء على كتاباتي فجعل الرد عليه أكثر صعوبة.

وحتى لا أرهق القراء سأجرب المزيد من الوضوح مختصرا حيث لا أملك ترف المساحة في هذا العمود القصير، الذي تتبع الأستاذ يوسف أشتاتا منه - ظنها تناقضا - واتهمني بأنني بشخصية مزدوجة، تحليلية متأنية وأخرى خفيفة مصورة بتأثير من مهنتي التلفزيونية، وهو ما أنفيه تماما. فما أتيقنه أنني أكتب بوضوح واتساق في التعبير عن موقفي الفكري من الوقائع المتطورة، وعادة أعمد فيه إلى أسلوب الاستذكار والمقارنة لا المحاضرة.ومع امتناني جدا للصديقين الأستاذين سمير عطا الله وعماد الدين أديب، لأنهما هبا للتصدي لثورة الديني العابرة ضدي، إلا أنني أيضا أنكر بشدة ما ظنه ارتباكا أو تناقضا، حيال تطورات الحدث المتغير نفسه، فالمواقف ثابتة أما الأحداث فمتغيرة. ولأن المفهوم العام، للقضايا التي أكتب فيها، واضح في ذهني أزعم أنني منسجم بل ومتكرر اتساقا مع ما أراه.

الذي التبس على الأخ يوسف، ربما، عجزه عن التفريق بين المواقف والتعليق على الأحداث. عندما أقول إن إشكالية البحرين طائفية وفي مقال آخر أكتب أن النظام أيضا يحتاج لتبني إصلاحات سياسية فهذا ليس تناقضا، إلا لو نفيت إحداهما. لكن لو اجتهدت وكتبت أن الأزمة البحرينية ستنتهي خلال شهر ولا تنتهي هنا أكون قدمت تحليلا خاطئا، وهذا أمر وارد الحدوث. على الأستاذ يوسف أن يحاسبني فقط على المواقف الأصلية لا التحليلات الخبرية فالاحتكام للنسق لا لشوارده التي أراها تنسجم معه.

ويتجلى الأمر في الحديث عن شأن أكثر تعقيدا، مثل الإسلاميين والثورات. أظن أنني واضح وصريح منذ زمن بعيد في مسألة رفض نظام ديني أصولي لأنه شمولي يرفض الآخرين، وهذا سبب اعتماد الأصوليين لي كماركة مسجلة بالاستهداف الدائم، كما أشار الأخ يوسف نفسه. مع أنني أؤيد دائما فكرة إشراك الجماعات الإسلامية في إطار نظام أوسع سلمي مدني، كما الحال عليه في تركيا. هذا القبول لا يمنع من التوجس والإعراب عن مخاوفي، مثل كثيرين، أن بين الإسلاميين ثعالب تريد شراء تذكرة لدخول الملعب الليبرالي للاستيلاء عليه، كما فعلوا في السودان وغزة. واحتفائي بفوز الإسلاميين لا يمثل ارتباكا، ولا تناقضا، بل يتفق مع دفاعي عن حق حماس في المشاركة في العملية السياسية الفلسطينية قبل ست سنوات. صحيح أنني انتقدت حماس مرارا فيما بعد فقط لأنها احتالت وألغت النظام المدني الذي جاء بها وأحلت محله نظاما دينيا شموليا. هذا يا أخي يوسف لا يعبر عن ارتباك بل انسجام مع الفكرة الأصلية. والأمر قد يتكرر في تونس ومصر، ويستولي الإسلاميون على السلطة ويلغون النظام المدني، حينها لا يجوز أن يكتب من يخطئني ويعيرني بأنني متناقض، فقد رحبت بإشراكهم وإدماجهم في النظام الديمقراطي قبل انقلابهم عليه إن وقع. فموقفي ثابت وصحيح، وفق مفهومي طبعا، وممارستهم هي الخاطئة. ولا أقول إلا ما قاله أبو حنيفة، «من ضاق صدره بنا فليعلم أن صدرنا يتسع له». وهذا ما يميز الليبرالية عن غيرها من الأيدلوجيات، انفتاح الأولى وتعصب الأخرى.

ويحيرني أكثر عندما ينتقدني قائلا، «الأكيد أن الربط بين استحقاقات سياسية والتلويح بخطر انعكاسات الثورة يدل على وجود ارتباك في فهم ما جرى». حتى أفهم هذه الجملة الإسمنتية لا بد أن اسأل نفسي، ما هي الاستحقاقات المتوقعة من الإخوان مثلا في حكم مصر؟ الاحتكام إلى صندوق الانتخاب، واحترام الحقوق والحريات. ما هو خطر انعكاسات الثورة؟ فشل الحاكم الجديد في إدارة اقتصاد الدولة، أو التعسف الرقابي على العمل الثقافي، أو التورط في حروب خارجية. البوح بالخوف في الثانية لا يعني ارتباكا أو تناقضا مع الأولى، هذا نقد مشروع يمارس داخل الديمقراطيات العريقة كل يوم، فما بالنا بأنظمة تحت التمرين؟ الحصانة فقط للمبادئ، التي هي اليوم محل لغط كبير في دول الثورات. أما ربطي بين بعض أوجه الشبه في حالات تونس ومصر واليمن فمسألة تحليلية تفكيكية مستعد أن أكتب عنها أو ضدها المزيد، والزميل لن يعجز بأسلوبه النقدي الانتقائي عن العثور على الأسطر المناسبة التي كتبتها مع أو ضد. مع الاستدراك بالإنكار.. لم أقل قط إنها ثورات متطابقة، بل كنت من أوائل الذين فرقوا بين حالاتها. كما أدعوه ألا يقلق من تعبيرات مثل «ثورات» و«الربيع العربي» وغيرها لأنها صارت عبارات سيارة بلا حمولة أو صبغة أيديولوجية!

أعرف أن بين المقالات الماضية التي كتبتها، مقالين تحديدا أثارا حكة جلدية عند كثيرين، واحد عن عام 2012 وآخر عن انتصار الليبرالية رغم هزيمة الليبراليين. في الأول أرى أن التغيير مستمر بناء على الواقع الجديد، ومن لا يدرك ذلك فلا بد أنه فاقد لكل حواسه الخمس. أما الثاني فقد كتبته ليس رفعا لمعنويات الليبراليين المهزومين ولا إغاظة للإسلاميين، بل قراءة من فوق للمشهد الضخم. فالليبراليون نخبة وأقلية، وقد لا يحكمون حتى بعد مائة عام، إنما هم من يصنع الأفكار التي تحكم اليوم، وتأثيرهم الثقافي عظيم وليس الإسلاميين أو القوميين، ومن هنا تلبس غيرهم بمقولة الليبرالية الأولى «حرية - دستور وغيرها»! وللحديث بقية.

[email protected]
الشرق الاوسط

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2948

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#276547 [mohamed adam]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2012 11:20 AM
My man, there you go. 0


#276537 [ود البلد]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2012 11:07 AM
انت بس فالح تكتب عن السودان والبحرين واى بلد تانى لكن لاتستطيع تقول بغم عن اسيادك آل سعود ، قال كاتب قال ...............


عبد الرحمن الراشد
عبد الرحمن الراشد

مساحة اعلانية
تقييم
4.94/10 (39 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة