01-21-2012 12:08 PM

مفاكرة مع الشباب السوداني (2-2)

رباح الصادق

تحدثنا في المرة السابقة عن حتمية انتشار الربيع العربي في كل جيوب الشمولية في العالم، وعن توافر أسباب الغبن التي أدت للثورة في السودان، وقلنا إن تأخرها دليل على أن معادلة الثورة دالة في متغيرات كثيرة وليس الغبن وحده، وأكدنا على دور الشباب الطليعي ونصحناهم بتفعيل دورهم الطليعي عبر هجران شعار العلمانية وأن يكون ضمن تحالفهم صوت إسلامي قوي، والابتعاد عن المعارك الجانبية وتأكيد أن الشمولية هي الداء وراء كل المآخذ الحالية في الجسم السياسي السوداني. ونواصل مفاكرتنا اليوم واضعين عينا على تجربتين شبابيتين.
التجربة الأولى هي تجربة شباب الثورة المعلنة في أواخر يناير 2011م. فقد نشأت مسميات كثيرة أمثال شباب شرارة وشباب من أجل التغيير وانطلقت تحاكي ثورة 25 يناير المصرية. لقد كان اختيار التوقيت سيئا إذ كان ميدان التحرير لا يزال قبلة العالم العربي، ولم يسبقه الإعداد اللازم والذي سبق ثورة مصر الظافرة. لم تقم الثورة في مصر بين يوم وليلة ولا كان وراءها نبت فجائي تلقائي، بل سبقتها مجهودات بناء قدرات حقيقية، مجهودات ركزت على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في اٌلإنترنت بصورة مدهشة في كسر حاجز التعتيم الإعلامي الرسمي وفي نقل أخبار المقاومة أولا بأول، وفي هذا الصدد برز التويتر كآلية فاعلة بشكل أكبر من الفيس بوك، واستخدم كليهما بشكل احترافي في تدوير المعلومة وتعبئة الرفض. وكانت الطليعة الشبابية من نوع جديد، نوع يعمل على تدويل الرفض وجفاء الشهرة، فالضوء الذي سلطته تلك الطليعة كان على القضية، والقيادات التي برزت مثل وائل غنيم كانت قيادات من نوع جديد إذا سلطت عليها الأضواء عكستها على الآخرين. واستطاعت هذه الطليعة أن تدوّخ الجهات الأمنية وتشتت جهودها.
وفي المقابل فإن تجربة شباب 31 يناير كانت فجة لدرجة بعيدة، قامت وهي تستند أساسا إلى مشتركين موهومين في الفيس بوك تباهى قادة المؤتمر الوطني الشبابيون بأن لديهم آلافاً بينهم. هذا بينما كان مشتركو الفيس بوك في الخرطوم التي احتضنت تلك التظاهرات حينها لا يتجاوزون الـ(18 ) ألف مشترك، وللمؤتمر الوطني بدون شك النسبة الأكبر منهم، وجزء كبير منها أعضاء في كتيبة الجهاد الإلكتروني التي صنعت خصيصا للتخذيل. ولم يقم شباب 31 يناير السودانيون بمجهودات قصدية لبناء القدرات ولجذب مشتركين على نطاق واسع، بل اكتفوا بكثرة الأصوات المؤيدة بغض النظر عن أن الجزء الأكبر منها خارج السودان وبالتالي لا يستطيع المشاركة في ثورة فعلية في الشارع! كانت تلك التجربة رصيدا لصالح النظام لما سربته من إحباط عميم، خاصة حينما أطلقت إشاعة الشهيد المزعوم الذي اتضح أنه أحد دلائل اختراق حقيقي ومر. ولم أر تشبيها لتلك الثورة المزعومة أقرب من تشبيه الإمام الصادق المهدي لما سماه (المشاغبة بالمعارضة) وأثره المناعي لجسم النظام، ففكرة التطعيم ضد أي داء تنبع من إعطاء جرعة مضعفة من الداء المطلوب المناعة منه.. كانت ثورة 31 يناير حقنة مناعة للنظام استمر أثرها لفترة طويلة ولم تنعتق حركة الشباب وتخرج بشكل جدي عن خانة اللا جدوى إلا مؤخرا في تظاهرات جامعة كسلا، واعتصام المناصير، واحتجاجات جامعة الخرطوم. والمطلوب بالنسبة للطليعة الشبابية إدراك أن المعارضة والرفض والتعبئة له عملية جدية تقتضي عملا مقصودا ومجهودا وتأمينا وإلا صبت لصالح المناعة ضد التغيير. كما المطلوب البحث بجدية في التقنية الأنسب في السودان وهل هي الموبايل؟ التجربة الثانية هي تجربة شباب حزب الأمة. وهذه التجربة مهمة جدا لأن ما يدور بين الشباب في الأحزاب السودانية متشابه. فالجيل الحالي منكوب عانى من غياب أي تعليم مدني حقيقي لأنه تربى في كنف شمولي صرف، وعانى من إرث الحرب التي كانت جنوبية وانتشرت غربا وشرقا، ومن الاستنجاد الرسمي بالقبلية والجهوية لتفتيت الانتماءات الحزبية، ومن سياسة التمكين التي جعلت درب التوظيف يمر بالولاء (لله ولحزب الله) المتوضيء ويبعد (الأحزاب والطاغوت) المتمثل في لواءات المعارضة المختلفة. فالشباب الذي يفترض أن يكون أكثر مثالية وأكثر ابتعادا عن ذهنية الكسب الذاتي وأشد ارتباطا بقيم الوطنية، صار عرضة للمساومات لكسب على أسس قبلية أو جهوية أو حتى مادية، وعرضة كذلك للتجييش برايات انتقامية، وفي ضوء انسداد أفق المعلومات العام، وأعمال الحرب النفسية المقصودة لتشتيت الكادر الشبابي للأحزاب، صارت شريحة الشباب أذنا رهيفة لشائعات النظام، وفما لاقفا لطعومه المختلفة وهو يصطاد في مياه الأحزاب. وصارت شرائح مقدرة من الشباب فاقدة لبوصلة الفعل وغير قادرة على المبادرة، وتحول جزء منهم لآلات تحركها مراكز القوى داخل الحزب المعني أو أيدي العمل التفتيتي المقصود. هذا الحال بالطبع لا ينطبق على الجميع لكنه ينطبق بدرجة بعيدة على الأصوات الأعلى والواصلة للإعلام ولعله يتصيدها تصيدا.
ظلت المواقف داخل الشباب استقطابية للحد البعيد، كل منهم يلوذ ببؤر قيادية مستقطبة في حد ذاتها وتصطرع على مراكز القيادة في الحزب، مما جعل الشباب لا يعبرون عن مزاجهم ومواقفهم بقدر ما يتخذون واجهات لتلك المراكز ويخضعون لتنسيقها في تحالفاتهم ومعاركهم.
أدل شيء على ذلك المعركة الأخيرة حول قضية التحاق العقيد عبد الرحمن الصادق بالقصر، إذ لم يكن مستغربا أن ترفضه قطاعات من الشباب، ولكن تجاوز البعض بالقضية واتخذوها مناسبة لإدارة صراعهم على القيادة في الحزب، فكان بعض الشباب واجهة للمزايدة بالدعوة لعقد مؤتمر واستقالة الرئيس، وما إلى ذلك من مطالبات لم تكن تعبر عن الواقعة بقدر ما تعبر عن أماني بعض القيادات في القفز إلى استنتاجات لصالحهم، ولأن تلك المطالب لم يكن يرجى أن تترك اثرا لو نوقشت مؤسسيا أو بين القواعد فإن المعركة لم تتم إدارتها داخل المؤسسة ولا بين القواعد بل على صفحات الجرائد! هذه التربية التنظيمية السيئة استنت منذ العام 2002م حينما خاضت جماعة سوبا معركتها الإعلامية من أجل الانخراط في نظام «الإنقاذ» برغم معارضة حزب الأمة ولوراثته بدون استحقاق، وهي تقاد اليوم من جديد من أجل تحميل مشاركة عبد الرحمن فوق ما تحتمل بغرض وراثة الحزب بدون استحقاق. والشباب الذين يسيرون وراء أهواء هذا القيادي أو ذاك يبددون شعار الإصلاح المطلوب، وحتى مطالباتهم المشروعة بفرز الكيمان من السلطة تتبدد وراء سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
وبرأيي فإن على الشباب السوداني داخل الأحزاب أن يخوض تحالفاته ويدير معاركه بعيدا عن مراكز التطاحن القيادي وقريبا من أجندة حزبهم ورقيه ووطنهم وعافيته من الشمولية، أما المزايدة، والتعدي من المشروع والمطلوب إلى التجني فإنه يجرد مطالب مشروعة من سندها المستحق ويحولها إلى طاقة محضة من الطحان والاقتتال المدار على صفحات الصحف يشوه السمعة ولا يُسمع الكلمة.
وليبق ما بيننا


الراي العام

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1499

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#279668 [عزالدين عبدالرحمن]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2012 10:41 AM
يا رباح كنت متابع متابع لمقالاتك التى احسبها فيما مضي للحقيقة المجردة كنت احسبك انك مع الحقيقة اينما ذهبت ولذلك كنت منتظر تعليقك حول مشاركة شقيقك في هذا النظام التى تبغضية كما يظهر خلال كتاباتك ولكن اكتشفت حالة السقوط الكبير لك امام الحقيقة التى اجهضتيها امام بوابة اهل بيتك فاصبحت ثانوية عندك والاهم هو ابيك وشقيقك وهذا من حقك النفسي ولكن لا عزاء لهذا الشعب السودانى المنكوب في كباره امثال والدك والمنكوب في شبابة من امثالك لقد اصبحتم نكبة الشعب السودانى وليس لنا ان ننتظر منكم تجديد في المواقف وتجديد في النظرة التى علي ضؤها يمكن ان يتبدل حال الشعب السودانى فلماذا نعيب علي الانقاذيين سماجة السلوك في التنافس معكم ومن حقنا ان نبحث عن بديل ولا ننتظركم ولاشك ان الحياة لاتقبل الفراغ


#279411 [ذول ساكت]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2012 08:30 PM
شكرا لكل المعلقين كلنا ايد واحدى ضد كل من يريد استخدام الشباب مجرد عتبه للاستيلاء على السلطة وكلنا ضد من يتباكا على حقوق الشباب وينسى انه كان حاكما لهولاء الشباب يوما رباح الصادق واخيها عبد الرحمن الهالك وال الصادق او الملك الضليل وانسابهم من الترابى وغازى وعبد الرحيم ابوريالة وقطبى وغيرهم من الذين ضيعوا السودان ارجوا ان نرد دائما بمثل هذه التعليقات حتى يقنعوا من حكمنا نحن الشباب


#279338 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2012 06:20 PM
عندك جرأة وقوة عين في الدفاع عند والدك الذي كان السبب في جميع كوارث البلد .


#279278 [الحافظ المعراج ]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2012 04:50 PM
القضية ليست في الوسيط الإعلامي أو وسيلة الإتصال التي تتبني و تدفع الشباب إلي الثورة ، فقد قامت من قبل ثورتي أكتوبر و أبريل و لم تكن هناك وسائط إعلام و إتصال حديثة و لم تكن الجزيرة الفضائية ، ثم أن الهاتف لن يغلب شباب المؤتمر الوطني ، القضية أن دوافع الثورات العربية غير موجودة في السودان أو هي ضعيفة ،الشباب هنا في السودان أكثر حريةً في التعبير عن قضاياهم و الشعب السوداني جرب من قبل النخب السياسية التي تنادي الآن بالثورات و هي لم تفعل أي شئ عندما كانت السلطة في يديها . رغم المعاناة الإقتصادية التي تمر بها البلاد ، لكن هناك ما يدلل علي أن البلاد في خير فهي لم تعاني في نقص في الوقود أو الغذاء أو الكهرباء و بقية الخدمات في تحسن مستمر . الفرق يا أستاذة أنكم تدعون إلي التوريث السياسي و الثوارات العربية قامت من أجل كنس وراثة الأبناء لإبائهم .


#279231 [ابو الدقيق]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2012 03:28 PM
الاستاذه رباح ..ارجو ان لاتنسى ان اخوك الذى يشارك الانقاذ الآن كل جرائمها هو احد الشياب السودانيين .....واتمنى ايضا ان لا تنسى ما قاله والدك الاما فى 26 يانير
وما قاله عن اسقاط النظام او اسقاله العمل السياسى و تخازله فى تلك الايام بعد إجتماعه مع البشير .....
انت تعلمين جيدا و ايضا الشعب السودانى ان الصادق المهدى مشارك فى هذه الحكومه وهو الآن يقدم لها الخدمات ومهمته تخدير الشعب السودانى بنشر خطابه الناعم وهو لا لإسقاط النظام ولا لثوره ولا للعمل المسلح ....
وهو ايضا يشارك بالاولاد و يعارض بالبنات ...

اتمنى ان توقفوا استخفافكم هذا الشعب الذى دعم الصادق المهدى كثيرا ولكن لم يجد منه سوى الخزلان دائما فى كل مره ينتخبه فيها ..



#279190 [شاب حزب امة أحبطه الصادق المهدي]
0.00/5 (0 صوت)

01-21-2012 02:34 PM
هل المطالبة باستقالة رئيس حزب فشل لأكثر من أربعين سنة في تحقيق اهداف الحزب تعتبر تجني واتباع لقيادات متطلعة القيادة وهذا حقها ام لان المطالب بالاستقالة هو والدك يا بنت الرئيس وشقيقة مساعد المتهم الهارب من العدالة البشير ؟


رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية
تقييم
4.26/10 (15 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة