08-21-2010 12:27 PM

الراي3

شعب السودان ماذا أصابه ؟!

إدريس حسن

شعب السودان ماذا أصابه ؟ سؤال ظل يردده المراقبون في خارج السودان وداخله وسبب هذا السؤال ربما يعود الى الظروف الحرجة والتحديات الكبيرة التي تواجه الوطن في مثل هذه الايام ..تحديات تعدد وحدة الوطن الذي الفناه وكنز نتقسمه الى دويلات صغيرة وانخراط عقد وحدته الوطنية . هؤلاء المراقبون يستغربون ان يصمت هذا الشعب ولايحرك ساكنا تجاه هذه التحديات وهو الشعب الذي الفوه ماردا وثائرا كما البراكين في محطات سياسية كبيرة من تاريخه الوطني .
هذه الروح الثورية وذاك الوعي الوطني الذي اتصف به الشعب السوداني لم يكن وقفا على تاريخنا المعاصر ، وانما يعود الى احقاب مضت ... ولو توقفنا فقط عند الثورة المهدية لرأينا كيف وقف أهل السودان جميعا .. في غربه وشرقه وشماله ووسطه وجنوبه مع دعوة الامام محمد أحمد المهدي وناصروها منذ ان كانت بزرة ثم استطالت ونمت لتفجر ثورة وتصنع دولة . تناسي الناس يومها كل اختلافات اعراقهم وتعدد انتماءاتهم الطائفية التي تتوزع على رايات مختلفة من الطرق الصوفية .. تناسوا كل هذا ومضوا في اصطفاف وطني رائع حول راية الثورة والجهاد الوطني . ويكفي ان نتأمل اسماء قادة الثورة المهدية لندرك حجم التلاحم بين اعراق السودان المختلفة .. فالامام المهدي جاء من دنقلا وخليفته عبد الله التعايشي من غرب السودان ، وعثمان دقنه بجاوي من شرق السودان ، وحمدان ابو عنجة جاء من جنوب دارفور ، وعبد الرحمن النجومي دنقلاوي ، والخليفة علي ود حلو من بحر ابيض ، والاخير محمد ودنوباي من منطقة الجبال .. وكثيرة هي الاسماء التي تدلل على هذا التوزع ، ابو قرجة .. عثمان ازرق .. العبيد ود بدر .. الزاكي طمل .. يونس الدكيم .. عبد الله ود سعد .. ود حبوبة وغيرهم هكذا توحد الشارع السوداني وتوحد شعب السودان قبل اكثر من قرن وربع القرن من ايامنا هذه وراحوا يبنون دولة شكلت اكبر كيان سياسي افريقي شهده القرن التاسع عشر ، وما كان لهذه الدولة ان تموت وتقهر الا بجيوش المستعمر وأساطيله التي مخرت عباب النيل ، وبقوة نيرانه مثل المدافع الثقيلة ومدافع المكسيم التي راحت تحصد عشرات الآلاف من الوطنيين الابطال على قرى جبل كرري .
رغم انهيار راية الثورة المهدية الا ان الروح الثائرة لدى الشعب السوداني لم تخمد فظل يشعل الثورات في وجه المستعمر .. وفي الشكابة وفي ارض الحلاوين .. ومع ثوار 24 ، واخيرا تبلور هذا التراكم الوطني المتصل بمؤتمر الخريجين عند قيامه في 1938 م والذي كان قوامه عضويته القوة المتعلمة من ابناء السودان بمختلف اعراقهم وقبائلهم وجهوياتهم .ركلوا كل هذه الاختلافات فيما بينهم وراحوا يرفعون من قيمة الانتماء لهذا الوطن وكان اول ما حاربوه تصنيف المواطنين وفقا لقبائلهم ، وناهضو ان يكتب اسم القبيلة في شهادة الميلاد وطالبوا ان يكتب في خانة الجنسية ( سوداني .. وليس الانتماء القبلي ) . وقد آزرهم في هذا الحراك الوطني المجيد الشارع السوداني بكل مكوناته وقطاعاته بدءً من الطرق الصوفية الحركة الفنية والاندية الرياضية وبقية القطاعات الشعبية المختلفة وعندما اسفر مؤتمر الخريجين عن وجهه السياسي الصريح عبر مذكرته الشهيرة التي طالب فيها بحق تقرير المصير لابناء السودان ظل الشعب السوداني كله ملتفا حول تلك القوى السياسية الجديدة والمستنيرة من ابنائه المتعلمين .. وهكذا اشار شعب السودان في تلك الملحمة الباسلة وهو يدعم قادة الحركة الوطنية وعلى رأسهم الزعيم الازهري في كل المراحل النضالية الى ان تحقق الاستقلال الوطني للبلاد وهو الاستقلال الذي وصفه الزعيم الازهري بـ( صحن الصين .. لا فيهو شق ولا فيهو طق ).
وتمضي السنوات ودائما ما يكسب المراقبون رهانهم السياسي على الشعب السوداني من حيث وعيه السياسي وحراكه الوطني ، ففي اكتوبر 64 خرج الشعب السوداني بمختلف فئاته وقطاعاته وهو اعزل الا من اغصان النيم الخضراء ليسقط النظام العسكري الاول بقيادة الفريق ابراهيم عبود .. وكان هذا حدثا فريدا لم يشهده العالم الثالث ولن يشهده حتى الآن .. كذلك لم تعرفه على وجه الخصوص كانت الدول الافريقية والعربية وقد اقر المراقبون السياسيون يومها بأن هذا الشعب يقدم ويسبق كل شعوب المنطقة من حيث وعيه السياسي وقدراته على توظيف الادوات السياسية مثل الاضراب والعصيان المدني لصالح قضاياه الوطنية .. ولعل مما يزيد من قناعة هؤلاء المراقبين بوعي الشعب السوداني ايان ثورة اكتوبر تلك حقيقة مفادها ان الشعب لم يشعل الثورة في تلك الايام بسبب الجوع او الضيق الاقتصادي ولكنه ثار لادراكه بخطأ وعقم المعالجة التي انتهجها النظام العسكري تجاه ازمة جنوب السودان .
وتتكرر ذات التجربة في ابريل 1985 حيث استطاع هذا الشعب المارد ان يسقط النظام العسكري الثاني والذي استمر ست عشرة سنة بنفس وذات السلاح .. سلاح الاضراب العام والعصيان المدني .. وهكذا اصبح الشعب السوداني نموذجا فذا بين شعوب العالم من خلال وعيه السياسي المتميز وقدرته على الحراك الوطني .
ولايقف النموذج الرائد للشعب السوداني في الاطاحة بالانظمة العسكرية واستعادة الديمقراطية بل يتجاوز هذا المحيط المحلي الى الوعي بقضايا المنطقة العربية والافريقية ، فقد ناصرت القوى الشعبية السياسية في السودان حركات التحرير في كل بقاع العالم .. في فلسطين .. وفي الكنغو وروسيا القصرية وجنوب افريقيا وارتريا والجزائر وهي في كوبا وفيتنام ، وكان اكبر انجاز للشعب السوداني في مؤتمر القمة العربي الشهير بالخرطوم عقب هزيمة يونيو 67 والذي عرف بمؤتمر اللاءات الثلاث ( لا اعتراف ... لا تفاوض .. لا ملح مع اسرائيل ) صحيح ان الحكومة الوطنية وقتها بقيادة الزعيمين الازهري والمحجوب لعبت دورا مؤثرا وفعالا في انجاح المؤتمر ، الا ان هذا النجاح ماكان له ان يدرك الا بدعم الشعب السوداني الذي كسر روح الانهزام التي سادت الشعوب العربية وقتها وخرج يستقبل جمال عبد الناصر القائد المنهزم لينفخ في ارادته الروح ويحفزه ويحفز معه كل القادة العرب على الصمود والنضال .
كل هذا السجل الباهر لشعب السودان عبر محطات نضالية وتاريخية متعددة هو الذي جعل المراقبين السياسيين يطلقون هذا التساؤل الذي اشرنا اليه في صدر المقال شعب السودان ماذا اصابه ؟ ان التحديات الكبيرة التي تواجه السودان والمتمثلة في الاستفتاء الخاص بجنوب السودان وتداعيات ازمة دارفور المتواصلة والمتصلة كانت كفيلة بأن ينفعل بها الشعب السوداني بوعيه السياسي الثاقب ، وان ينهض هذا الشعب الرائد للاطلاع بواجبه في الحفاظ على وحدة الوطن وفقا لتراثه السياسي والارباب المتراكم . يستغرب المراقبون روح اللامبالاة وادمان النظر لازمات الوطن دون اكتراث من قبل هذا الشعب الذي يعشق الفعل السياسي ويملك كل تلك التجارب السياسية الناضجة يستفرجون ان لا ينفعل هذا الشعب مع تحديات الاستفتاء القادم ويستنفز كل قواه الشعبية لاعلاء خيار الوحدة .. يستغربون ان لايثور الشارع السياسي بزخم هذا الشعب الحصيف وهو يجاهد من اجل الحفاظ على وحدة البلاد .. يستغربون ويندهشون ان يغيب الشعب في معركة الوحدة ويترك الساحة يملأها دعاة الانفصال بطبولهم وضجيجهم الأجوف .
في تقديري ان هذا الشعب العظيم سيفاجئ كل هؤلاء المراقبين وسوف يخوض معركته الباسلة في الحفاظ على وحدة السودان .. لا أعلم متى يحدث هذا ولكنه سيحدث.

الصحافة





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1645

خدمات المحتوى


التعليقات
#17989 [waheed]
0.00/5 (0 صوت)

08-24-2010 04:38 AM
البلد فاقدة ليها عسكرى قوى يصهرهذه الكيزان النتنة فى فرن ويريح البلاد والعباد منهم هؤلاء حثالة الشعب السودانى افسدوا البلاد وخربوا دولة السودان بل قطعوها اربا اربا لعنة الله عليهم الى يوم الدين


#17538 [blackberry]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2010 02:05 AM
لا بد من وجود قائد يحرك الشعب


إدريس حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة