بقرة في زمن الثوب البهيج
08-24-2010 02:16 PM

بقرة في زمن الثوب البهيج

د.بشرى الفاضل

درديري زميلنا أنا وطيفور. جئنا في زيارة له بقريته بعد إلحاح منه فنحن
معاً لا نستطيع أن نأكل الكسرة المرة في الوجبات الثلاث، ودرديري يغيظنا
مغتاظاً وننبهه لملاريا الجزيرة التي تأتي بها حشرات تشبه الضفادع، قال طيفور
ينبغي مغالطة القاموس أن أسماها بالناموس.
حكى الدرديري ونحن في بطن حقل الذرة، والريح طينٌ مرويٌّ والقرية
وراءنا ، صياح وثغاء والمعضلات أمامنا فقال:
- كان قلبي في طفولتي جامحاً، أجنحته رنين الكلمات. وكانت طيور
خيالي وخيدعي، تطرق أبواب الكون الهائل، وتخسف مرتدة في رحم الأرض،
حيث ترى عظماً متآكلاً هنا وحجراً هناك أو تشهد العمليات الجنينية لنشوء
جذور النباتات. ) قاطعناه وواصل( كنت أظن أن الحكومة هي عربة الجيب
)ضحكنا( وكلمة مدينة لدي تعني الفرح. أما الفرح فهو عندي ثوب بهيج
الألوان، صارخها، مضمخ بعطر ) الصاروخ( الحاد الفواح.
) جلجل طيفور بالضحك وناكف درديري وهو مع نوادره وملحه فمزاجه
متقلب.فطلبت من طيفور الصمت ففعل(.
- وهكذا اتفق – واصل درديري – أن اشترى والدي بقرة سمينة وضخمة
ووسيمة. وكانت تلك أول شيء بمثل هذه الضخامة يلج بيتنا المتعب.وبديهي

أن البقرة حين شارفت صحن دارنا، أربكت شعر جلدي إذ قام تعظيماً لها. كان
والدي منشغلاً عنها. وكنت أعجب لذلك. أدخلها بمساعدة عبدالرازق الراعي
ثم هرع سريعاً للديوان. يشارك أخوتي – ممن هم أكبر مني– الاستماع. كانت
القرية وقتها في حالة استنفار. ألف مواطن وعشرون مذياعاً. وأشهد بعيني
طفل كيف كان المزارعون – ومن بينهم والدي – يتحلقون جماعات جماعات،
حول المذياع يستمعون إلى لغة تستعصي علينا ثم تدوي الأغاني المختلفة قليلاً
عن \"لو بهمسة\".
)دندن طيفور باللحن فور سماع عنوانه وعنفته. دار عراك كلامي اتفقنا
سوياً في نهايته على الصمت(.وواصل درديري:
- حين ولجت البقرة دارنا كان يوماً مشهوداً. وتسمع لفظ أكتوبر خمسين
مرة. ويسرح خيالك مرة أخرى نحو ثوب مزركش يعبق برائحة الصندل
المخلوط بعطر \"بنت السودان\". وفي المساء عندما حلبوا البقرة خطبت
والدتي ومدحت ضرع الوافدة الميمونة. وسمع والدي مديح والدتي للبقرة
فابتسم. كأن المديح موجه إليه. وحين كبرت علمت أن تلك الابتسامة إنما
هي ترجمة للسرور والرضا، عن الفعل الذي يجلب البهجة للزوج والولد.
قالت والدتي:
- مبروكة
ثم أعطتنا لبنا؟ كثيراً جداً وساخناً. وشربنا منه حتى تململت الأواني في أيدينا.
وقالت والدتي:
- كفاكم
ثم أردفت :
-بنفعكم
أحمد ما شرب اللبن. وحين أوشكنا على النوم ظل يغيظنا صائحاً وهو مدثر:
- مياو.. مياو
ويغتاظ عبدالله ويضربه. ثم:
- ناو.
فيصب عبدالله كوباً من الماء البارد في وجهه. فتسكت القطة في أحمد
غاضبة أو تستحيل كلباً.في الصباحات كانت تشدني أغنية تقول )أصبح الصبح(.
وكنت أفهم أن ذلك الصوت الراقي يعلن لنا أن يوماً جديداً قد أزف. وعندما
يحل المساء أسمع مرة أخرى \"أصبح الصبح\" .عجبت جداً أول الأمر، وقلت
هذا الرجل كاذب. الدنيا ليل وهو يقول أصبح الصبح وسألت والدي فنظر
في وجهي ملياً لا شك أنه كان حائراً. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقربني
إليه ثم قال لي بصوت خفيض كأنه يخاطب رجلاً كبيرا:
- البلد حاصلة فيها كركبة.
لم أفهم ولكن طيور خيالي حال سماع لفظ البلد طارت نحو الحواشات وكلمة
كركبة ذكرتني )بالكراكة أم دلو(. اختلط فرح الناس بفرح أمي وأخوتي
وفرحي بالبقرة فصارت على مر السنين عندي مقرونة بأحاسيس تلك الأيام.
وكلما سمعت نشيداً تذكرت بقرتنا تلك بل كانت أكتوبر أيامها تعني لي \"
الثوب المزركش الذي اشتراه أبي لأمي ورائحة )السيد علي( في زمن دخول
البقرة لحظيرتها\". وعندما كبرت وعرفت المعنى الضخم لأكتوبر خجلت من
ضيق أفقي الذي جعل من سماء الثورة اللامحدودة، خرقة قماش محدودة
بتسع ياردات. كانت السنوات الست أو السبع التي تلت عام البقرة مؤرخة
بنشاطها وحوادثها. تقول والدتي لوالدي:
- متين جاك الطرد من تاج الدين قبال وللا بعد اشترينا البقرة؟
ويجيبها والدي
- وكت البقرة طرحت.
وتسألني والدتي أو تسأل أحمد وعبدالله: أسوي ليكم شاي؟
- لا. بعد ما نعشي البقرة ويحلبوها.
دخلت تلك المرهاء أم غرة حياتنا، ملأت علينا فراغ الطفولة الشقية
بالعمل، وملأت معداتنا العفويات باللبن وشرايينا بالدم.
ومن عجب أنني شعرت بتحسن في مستواي الدراسي تلك الأيام بفعل
لبن البقرة. )ضحكنا طيفور وأنا.. وواصل درديري(: سررت لهذا الاكتشاف
وصرت أنتبه له وأجريت المعادلات الرياضية التافهة الكبيرة وقتها: كوب لبن
= حل مسألة حساب؛ كوبان = حل المسائل كلها وحفظ سورة في الصبح؛ ثلاثة
أكواب= قراءة مقرر التاريخ وفهمه. فهم التاريخ يا للاكتشاف المذهل. وفي
ذات يوم قررت شرب عشرة أكواب. وقلت حينها لنفسي سأشرب كمية من
اللبن تمكنني من الانتقال من السنة الثانية الوسطى للثانويات مباشرة – وكنت
تلميذاً خارجياً - وشربت الأكواب العشرة سراً ذلك المساء وبدلاً من دخول
الثانوية دخلت المستشفى.
مرت سنوات. ثم كبرت، وكبرت البقرة فأصبحت رمزاً للوفاء. نقدم طعامها
رغم أنها هرمت ولم يهرم النشيد. لم تعد تلد. وبدلاً من أن يلتقي جيل البطولات
بجيل تضحياتها التي كانت تساق للذبح؛ التقى ظلفها بحجر فتلبس الأخير
فيه ثم حل بالقرية الطاعون البقري فنفقت البقرة الأمثولة.
لو علمت بي جماعة الرفق بالحيوان لمنحتني وساماً. ما بكى مثل بكائي
خريف ناجح، ولا بكى شجر بامتداد رصيف بدمعه الأصفر أغزر من بكائي
عليها. بقرة الحسن والوسامة، بقرة الصحة والإجابات الصحيحة في امتحان
الانجليزية بقرة الفرنسية وبقرة الجغرافيا. كان شباب قريتنا أيام حماسهم
بالعهد الجديد قد كونوا جمعية لحرق الحيوانات النافقة اجتمعوا ومن بعد
تناقلت القرية لسنوات محضر ذلك الاجتماع الشفاهي.
- بلدتنا، قال معروف، تحتاج للنظافة العامة وحرق القاذورات واجب
عاجل. اقترح أن نحرق البهائم الميتة.
- اقترح نعمل مقبرة للحيوانات – قال برعي – لأنو الدين يحرم حرق
الجثث ونحن ما بوذيين و..
- يحرم؟ - جيب لي دليل بي آية واللا حديث
رد عليه معروف.وتجاذب الشباب المشروع واشتد الحوار واحتدم ثم
أوشك الشجار السياسي أن ينفجر. انتصر رأي معروف. وقال معظم الشباب:
دفن البقرة يحتاج لحفرة بحجم صهريج الماء؛ اولبقرة ليست انساناً. وصاح
مختار الجانبي – وهو شاب طريف يهتم من كل مسألة بأطرافها الثانوية:
- انتو تعالوا النسعلكم البوذيين البقول عليهم برعي ديل شنو؟
قال معروف نحرق الحيوانات النافقة درءاً للأمراض وتخليصاً للقرية من
سور الروائح النتنة الذي يطوقها كحوش السجن الكبير. وهكذا تم حرق كل
حيوان مات في السنة أو السنتين اللتين تليتا الثورة. ثم بدأ حماس جمعية
حرق الحيوانات النافقة يفتر.خرج من عضويتها في تلك الآونة حسين وكان
يرعى مقاطعاً مع عوض الجيد الضاحك منذ أيامها الأولى. ثم خرج على الطاهر
وعثمان حسن السر. والبقية مات نشاط الجمعية دون خروجهم. فكأنما الأمر
والحال هذه حال قوم غطتهم قطية منهارة. مضت سنوات ونسينا الجمعية.
وهكذا عادت حليمة لقديمها ونفقت بقرة بت علي ولم يحرقها أحد. بل خرج
أهلها وألقوها في الأرض البور قرب مشارف القرية ثم نفقت بقرة حاج الطاهر
ثم بقرتنا وحدث الشيء نفسه، خرجت خلف جنازة بقرتنا وأنا ممنوع من
الاقتراب أو التصوير بفعل زجرة. فقط خلفها. وحين وضعوا جثتها المنتفخة
فوق الكارو، انحدرت من عيني دمعة.
مضى يوم وليلة على فقدي الممض للبقرة. خرجت وكنت قد شببت عن
الطوق وأصبحت شاباً له أنفة وحدة وفتونة. رأيت المدينة عنابها وعذابها.
خرجت وقد أدخلت يدي في تجاويف بنطالي . أقدل كرعاة البقر الأمريكيين.
قالت والدتي: وين ماشي؟
قلت لها:
- طالع للخلاء مثلي مثل الناس.
قالت:
- يا ولدي الدنيا ظلام. ارجع.
فلم اسمع ورددت العبارة المألوفة:
- ) طالع زي الناس(.
عند مشارف القرية أبصرت جثة بقرتنا. تبدو أكبر من حجمها ومعلقة
كسفينة على الأفق أمعنت النظر فرأيت كائنات تتحرك حول الجثة. ولم يكن
المرء يتطلب تفكيراً على نحو ما ليدرك أن السوائم تلك ما هي إلا كلاب.اقتربت
حتى بقيت مائة خطوة. نعم كلاب. يا للهول ! سبعة كلاب بنية جميعها
وضخمة، كأن الواحد منها جحش، عيونها البراقة متيقظة وتبدو أجفان عيونها
في الظلمة كأجفان شخص متعب. تتحرك فيما بينها بسرعة كأنها حشرات في ماء
راكد، ككائنات الترع. دنوت أكثر. نعم. هي في حالة عراك دموي. تتحلق حول
الفريسة. كل كلب يقاتل كل كلب ليفوز بالغنيمة وحده. وهي إن اشتركت
لتركت بقاياها للعقبان من فرط الشبع ولكن الوحوش لم تسمع بقانون عدالة
التوزيع. هذه الوحوش الغاضبة تستخدم قنابلها الصوتية البشعة وأنيابها التي
تشبه دلو الجرافة )الكراكة( التي تقبع منذ المهدية في ترعة القرية. كلاب
كهذه ما رأيت. ولا كصنفها ضخامة. كانت القرية تتكلم عن الشياطين. حكى
ذات يوم ، حين كنا أطفالاً، مختار الجانبي والناس مشغولون بالقرشي حكى عن
مسافر ليل متعب تمنى أن يسعفه الله بوسيلة مواصلات وعندما أعياه السفر
والمشي وضنك الطريق ولم تأته استجابة فورية طلب الله مرة أخرى فقال:
- يا الله أي شيء يوصلني إلى أهلي حتّ لو كان بساط الريح أو الجن:
) ضحكنا وسألنا درديري عن مختار ولماذا يسمى بالجانبي وما إليه ثم لزمنا
الصمت حتى لا نخرج درديري من الفورمة(.
وواصل الدرديري:
وهكذا استمر ذلك الرجل في أدعيته الوصولية حتى برز له من لا شيء في
وسط تلك الصحراء جمل ذو بأس . أناخ المسافر الجمل وصاح فيه :
- يلا بينا.. جابك الله. ودينا ود الجمل.
وكانت ود الجمل قرية وديعة في عمق الجزيرة . قال مختار الجانبي صار
ذاك الجمل يمشي بتلكؤ ثم حرن وتوقف عن السير. ووجد المسافر على ظهر
الجمل جراباً ففتحه فوجد به سوطاً جديداً ينضح بالقطران. فضرب الجمل
والإبل حقودة فيما يقولون. اختزن الجمل الحقد، وصار كلما يتلقى سوطاً
يطول شبراً ثم صار السوط بمتر من الارتفاع. قال الجانبي صار الجمل أطول
من أطول عمارة في الخرطوم. وهنا توقف المسافر عن الضرب ولكن الجمل
ما توقف عن إنو يطول . توقف نعم لكن عن السير. الجمل في النهاية بقي
مثل برج فرنسا في الطول. طول السما أضاف مختار الجانبي وبدلاً من الخوف
استل المسافر سكينه وقال للجمل:
- ما تقول عفريت واللا شيطان. وحات تربة والدي إن ما نزلتني أضبحك
جخ ..خ.. خ.. خ.

قال مختار الجانبي:
- الجمل خاف وبدأ مثل عفريتة العربية ينزل سنّة.. سنّة.. ولما صار
بحجم الابل الطبيعي، قرر المسافر أن ينزله أكثر فيرعبه حتى يهبط )لطول
يخول لراكبه النزول دون مشقة(. الشيء الذي حدا به أن يأمر العفريت:
كمان وينزل الشيطان مثل عفريتة العربة مصوتاً ويصيح الراكب آمراً: كمان.
وينزل الجمل نحو الأرض ويصغر حجمه إلى أن أصبح في نهاية الأمر بحجم
كرة القدم. كجمل الطين. وهنا فكه المسافر من \"رسنه\" ودحرجه أمامه ثم
صوب قذيفة بقدمه اليسرى أقوى من الطلقة، فطوح به في الصحراء الواسعة
حتى صار بحجم البلية، ثم اختفى. كانت القرية مشغولة بالشياطين تتحدث
عن العافية الجنية الطيبة تلك التي لا تؤذي أحداً حيث تسكن بئر القرية
الذي غاض ماؤه وحل الصهريج محله بعد حذفه من قاموس القرية اليومي.
وتتحدث القرية عن أب لمبة أو أب بطارية ويقولون إنه شيطان يتجول ليلاً
بمصباح وفي أيام موت بقرتنا حكت القرية طويلاً عن سبعة شياطين تسكن
القرية وتتبدى ليلاً في شكل مرافعين أو بعاشيميقول حكاءوا القرية إن هذه
الوحوش تأكل الدجاج الحي قبل أن يولد. هددت القرية أطفالها فتركوا لعبهم
الجماعي المسائي المرح.
وبيني وبين نفسي كنت لا أصدق هذه الحكايات. خشنت مصاعب
الحياة وصدامها قلبي. شببت قبل الصبا. رأيت ما يرى رفاقي وما سيرون.
عدوت ومن خلف عدوي مرت القرون. فعدت من هجرتي الروحية شجاعاً
كما لا يتصور أحد. كالشهيد وهو يصعد للحبل الظالم. غاية الأمر هذه
الكلاب السبعة الرمادية المتحلقة حول جثة بقرتي والتي كانت تتشاجر فيما
بينها والتي بقرت بطن البقرة ولوثت فكوكها المتوحشة الفتاكة بدمائها
المريضة هذه الكائنات الفاحشة ) الشر( الغليظة الأنا تنتظرني. وها أنذا
.نظرت الكلاب نحوي بعنجهية وأصدرت أصواتها وكفت عن صراعاتها الجانبية
وتوحدت شراً مسلحاً في مواجهة حيلة واسعة، شراً أهوج في مواجهة عقل،
بطناً في مواجهة فكرة. ولابد أن الكلاب استغربت تقدمي نحوها بعد كل هذا
التخويف. كانت الكلاب من نوع كلاب الخلاء ولكنها أضخم من سائر كلاب
قريتنا حجماً. وهذه الكلاب السبعة جدها واحد من كل بد. ولابد ان جدها
كلب انجليزي نسيه مفتش ما ضمن ما تركه وهو يغادر قبل أن تحل السودنة.
وربما جاع ذلك الجد \"النبيل\" فتشرد وأصبح وهو ابن الملوك الكلبية، كالملك
الضليل وتزوج بنت خلاء فولدت له ربما الشنفري وتأبط شراً، ثم ولد عن تلك
هؤلاء السبعة العظام. عشر خطوات بيني وبينها. كلاب السوء. وهنا شعر
قبيل الوحوش ذاك بالخطر فأرعدت سائر فصائله. وأطلقت بنادقها الصوتية
ثم تقدم كبيرها نحوي بخطوة مهتزة للتأكد من ردة فعلي. لحظتها أدخلت
يدي في جيب بنطالي للتأكد. كانت عيناي تنظران بحدة فأرى الكتيبة كلها
بعين واحدة، وأدخر العين الأخرى لتنظر داخل دماغي عن أنجع التصرفات مع
الوحوش. وعلا الغبار وتقدم كبيرها نحوي كثعبان انطلق من جحر به دخنوه
بشطة وأنا لم أكذب. قبل أن يدهمني ذلك الكلب الوغد سددت طلقتين في
نافوخه )صرخنا فيه معاً :-رصاص؟(قال الدرديري:
- نعم
ثم انهمر سيله الكلامي العارم:
- افرغت ست طلقات أخرى قبل أن تفكر الجماعة الكلبية ملياً في قرار
هجومها وقبل أن تهجم علي أو تعقد معي صلحاً أو تجري. المدة بين الطلقة
والأخرى نذر من الثانية والمسافة بين الرأس المتهاوية والأخرى المتداعية نصف
متر انتهيت من المهمة. تشفيت وألقيت نظرة على البقرة، ثم جلست يدي
51 50
فوق رأسي تحملانه. هكذا أنا بعد العاصفة.
ألقيت نظرة ثانية على البقرة ثم بدأت ألم حولها العشب الناشف فكومته
كوماً كبيراً حولها ثم أشعلت سيجارة وأنا في حالة تعب جهير الصوت. الأرض
حولي سوداء ورحيبة وهشة أخذت ساق قطن يابس وبدأت أحفر به بسهولة
ثم بعسر إلى أن وصلتني طلائع أهل القرية أثر سماعهم للضجة وعندما
وصلتني طلائعهم كنت قد اشعلت النيران حول البقرة، التي جذبتها للحفرة
الصغيرة من أطرافها المتخشبة. سألوني كثيراً )قال الدرديري( وأجبت قليلاً.
وصاح في والدي مستنكراً:
- إنت برضو اشتريت من المسدسات المهربة؟
لم أنظر اليه من خشيتي إياه، ولم أجب.أجاب عني فم ينغلق وينفتح
دون كلام.كان الجميع ينظرون إلى وأنا أهيل التراب على البقرة المحروقة.
معروف ساعدني ثم ساعدني عثمان وعبدالله وعلي الطاهر والكبار أيضاً ووضع
مختار الجانبي فوق القبر شاهداً. وأنا أرجع معهم كان ذهني يعمل في جانب
آخر من المسألة. قلت لنفسي هل تعني مساعدتهم لي أن )ح.ح.( ستقوم
قائمتها مرة أخرى؟أما مختار الجانبي فطفق يقول:
- والكلاب؟ الكلاب ما بتحرقوها؟
هذه المرة صدق.فقانون الحرق يطال جميع الكائنات النافقة حول القرية
مهما كانت درجة شرّها. رجعنا وأشعلنا في الكتيبة المبادة النيران.كان ح. ح.
هو اختصار من عندي لعبارة حرق الحيوانات النافقة.صمت الدرديري. صمت
وأدخل يديه في تلافيف جلبابه وغاص في تاريخه الشخصي الشائك. أما طيفور
فقد راح يضحك وهو يغازل أعواد الذرة: ثم ما لبثنا أن خرجنا من حقل الذرة
مضمخين برائحة الطين والعشب والذكريات والأبقار والشجر.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1585

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#18214 [um alhasan]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2010 04:59 AM
ود الفاضل ما امتع كتاباتك فهي تريح التايه والضهبان
وهى الإتكاءة لنا في دوامة هده الحياة الغابره
اطال الله عمرك ومتعك بالصحة والعافية لترد لنا روحنا التائه وتمتعنا بكتاباتك الفريدة في معانيها وإيحائاتها


د.بشرى الفاضل
د.بشرى الفاضل

مساحة اعلانية
تقييم
1.95/10 (108 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة