02-09-2012 12:30 AM

هيكل يطبخ التاريخ... ويلحسه أيضاً


رباح الصادق

(1)
أخرج الصحافي العربي الكبير محمد حسنين هيكل كتابا جديدا بعنوان (مبارك وزمانه: من المنصة إلى الميدان) ينشر في حلقات بجريدة (الشروق) المصرية بلغت حتى 2 فبراير 2012م (11). الحلقة الأولى وصفت حيرة الكاتب إزاء مبارك، الرجل الذي حكم مصر ثلاثين عاما، فهو لا يعرف له صورة يستقر عليها ،بل ولا أحد حتى الذين يظنون أنهم يعرفونه يعرفه! وفي الحلقة الثانية من الكتاب سرد مواصفات اختيار مبارك نائبا للرئيس أنور السادات متطرقا لدوره في مقتل الإمام الهادي المهدي. رواية هيكل الجديدة التي خطها بعد سقوط نظام مبارك تعمل بالضبط كما يقول الفرنجة: إعادة زيارة للقصة. مأساة هيكل، أو مأساتنا، أن هيكلا حاك قصته في عهد قريب نسبيا، وهدرت بها ماكينته القديرة في صناعة القصص. وسوف نقف على تفاصيل القصتين وعلى مأساة شعب بلا لسان، وهياكل كثيرة لها ألسنة تحتقره وتستخف بتاريخه في علفها الثقافي المسموم.
(2)
قصة1: مانجو قتلت الإمام الهادي في جريمة قتل غامضة ليس لمصر والمصريين بها أية علاقة. كانت تلك هي القصة التي رواها هيكل في برنامجه واسع المشاهدة والانتشار (مع هيكل.. تجربة حياة). تحت عنوان: (طريق أكتوبر، حرب الاستنزاف.. وحوار التاريخ) في3/6/2010م. تحدث فيها عن عقل التاريخ، وحواره الذي يجري أحيانا علنا أو همسا، ولأحداث الجزيرة أبا ضمن الهمس في حوار التاريخ، ردا على الحوار العلني في الثورة الليبية( القذافي)، معتبرا تحركات المعارضة السودانية يومها ضمن رد القوى الدولية على ما حدث في بنغازي، كجزء من حركة التاريخ التي تحركها القدرة (بصرف النظر عن الأخلاق وبصرف النظر عن العدل). ولكن، يوما ما حين تـُحكى الحكايات الحقة سوف يتضح أن ما حدث في مايو1969م وبنغازي في الفاتح من سبتمبر 1969م كان ضمن دفاتر هوان الشعوب وغلبة الهمجية العسكرية في حوار التاريخ.
قال هيكل إنه اهتم بحادثة الجزيرة أبا لعدة أسباب منها أنها المرة الأولى التي (يظهر قدامي الرئيس حسني مبارك على شاشة الرادار بالنسبة لاهتماماتي). حيث استصرخ الرئيس جعفر نميري نظيره جمال عبدالناصر فعضده بقوة عسكرية مصرية بقيادة حسني مبارك ولحقها نائبه أنور السادات، وأعطيت القوة التعليمات بالمشاركة في قصف الجزيرة أبا. ولكن هيكلا راجع الرئيس عبد الناصر فاستمع لنصيحته بأن ذلك سيوقع دما بين الشعبين المصري والسوداني، وسيضر بمصالح مصر في منطقة منابع ومجرى النيل التي يحسن التعامل معها بالسياسة وليس عسكريا، ولأنها ستكون سابقة تستغلها أمريكا الداعمة لبطش إسرائيل العسكري بالشعوب العربية. واستعرض خطابا من سفير مصر بالخرطوم يومها كمال خليل فيه أنه (كلفت ثلاث طائرات ميغ» 21» يقودها طيارون سوفيات بضرب قصر الإمام بالجزيرة أبا واختراق حاجز الصوت) وعلق على ذلك بأنه قد بولغ فيه و(لا يمكن بمعرفتي بالسوفيات). ودلل على التراجع بوثيقة تذكر تعليقا لعبد الناصر في يوم 29/3/1970 يقول: (هيكل له وجهة نظر معقولة، إذا دخلنا السودان لا بد أن ندخل سياسيا فقط ما نطلعش نروح نضرب). وأكد على التراجع المصري عن الضرب بالطيران، وقال إن مجرد شائعة أن الطيران المصري سيضرب الجزيرة أبا جعلت الإمام الهادي يخرج من الجزيرة أبا شرقا نحو كسلا، وبعد خروجه (بدأ الجيش السوداني يضرب جزيرة آبا بمدافع الهاون أو يتصرف بأية طريقة بيتصرف بها لكن بعيدا عن القوات المصرية). أما الإمام الهادي فكان مصيره القتل في جريمة غامضة تعج بها منطقتنا إذ (وهو في طريقه إلى كسلا سرا ومعه مجموعة من أنصاره قُدمت له سلة فاكهة فيها أظن مانجو والمانجو كانت ملغمة، مانجو سودانية مش مصرية يعني، كانت ملغمة وقتل، وأظن حتى هذه اللحظة لم يعرف من قاتله وإن كان في بعض إخوانا في السودان شطحوا ،شطح بهم الجموح لكنهم كلهم يعرفوا أنه ما كانش في مصريين مشتركين في هذا لكن بقيت جريمة غامضة أضيفت لجرائم غامضة أخرى). انتهت الرواية الهيكلية الأولى. وبعد أقل من عامين (يشطح) هيكل نفسه أو يقول قول الشاطحين!
(3)
قصة2: سلة مانجو فيها لغم قتلت الإمام الهادي دبرها الرئيس مبارك. هي الرواية الثانية التي أخرجها هيكل في كتابه الجديد بعد أن غادر مبارك منصة الرئاسة! الرواية الجديدة تلحس النفي القاطع لأي دور مصري في الأحداث، نعم هو لا يزال يؤكد أن عبد الناصر عند موقفه، لكنه يشير بوثائقه ذاتها التي كانت عنده منذ زمان بعيد لأن لمبارك والسادات دورا في قتل الإمام الهادي. روي على لسان وزير الحربية يومها: (إذا كان »مبارك« قد دخل فى هذا الموضوع، فلابد أن الإلحاح والتدبير الأصلى كان من جانب »نميرى«، ثم إنه لابد أن »أنور السادات« كان يعلم)، ثم يثبت الرواية بالوثائق.
قال هيكل مراجعا قصته القديمة، وكاذبا في ذات الآن، إن النميري وبعدما رفض المصريون طلبه بقصف الجزيرة ،لجأ إلى السوفييت (وبالفعل فإن بعض خبرائهم قادوا ثلاث طائرات »ميج 17«، وحلَّقوا بها فوق جزيرة أبا فى مظاهرة تخويف حققت الهدف دون قصف، فقد شعر »المهدى« بقلق أنصاره فى الجزيرة، ومن أن يكون ظهور الطيران عملية استكشاف يعقبها سقوط القنابل، وهرول للخروج من أبا متجها إلى كسلا فى الشرق.. ثم حدث أن المخابرات السودانية استطاعت تحديد موقع المهدى، وهنا جرت محاولة اغتياله بسلة ملغومة وسط »هدية« من ثمار المانجو أُرسلت إليه، وفى تلك الظروف ثارت شكوك بأن »حسنى مبارك« كان اليد الخفية التى دبرت إرسال الهدية الملغومة، وظهرت أصداء لهذه الشكوك فى الصحف الموالية لـ»المهدى« فى »الخرطوم«!، وتلقى الوفد المصرى، وفيه السادات ومبارك أمرا من القاهرة بمغادرة الخرطوم، والعودة فورا إلى القاهرة). ونشر مذكرة مكتوبة بتاريخ 1/4/1970م بخط سامي شرف مدير مكتب ناصر للمعلومات، دون فيها محادثة تليفونية له مع السادات الذي كان بالخرطوم. (سحبت صورة المذكرة من موقع الشروق بالإنترنت لسبب غير معروف). وفي المذكرة أن السادات طالب مبارك بأن يكتب تقريرا (عن سبت القنابل اللى بعتناه، سبب نجاح العملية، نتائجه قوية جداً) إشارة لسلة المانجو الملغومة، وأن هناك (3 ملايين أنصارى فى السودان،..،والجيش أغلبه عساكر أنصار). وأن (الإمام طلع من يومين بالعربيات على البحر الأحمر، وإحنا قاعدين عند »نميرى« جاءله خبر أن ضابط مسك الإمام (جريحا) فى عربية. قال بنفكر (إنكم فى) مصر تاخدوه عندكم، قلت له عندى تفويض من الرئيس اللى إنت عايزه أعمله لك كله، إنما ما يخلص وبلاش وجع قلب. قام كلم »خالد حسن« وقال له خلصوا عليه وخلصت العملية)، والإشارة لخالد حسن عباس نائب نميري حينها.
قال هيكل في نهاية الرواية: (حسنى مبارك لم يكن موجودا على شاشة الرادار فى اهتماماتى السياسية تلك الفترة(.
(4)
على القارئ والقارئة الحصيفة مراعاة (فروق السرد)، والانتباه لمواطن اللحس. أما القصة الحقيقية فهي بعيدة عن الروايتين، وبمعرفتها نتأكد أن هيكلا يطبخ التاريخ مثلما يلحس طبخاته وفقا لفصول التاريخ .فهناك روايات تصلح لقيظ الشمولية وأخرى تتناسب وهبات الربيع! ومع أننا كنا ضمن الأقلام السودانية التي كررت رواية القصة الحقيقية، لكننا سوف نعيد القصص الأليم.
وليبق ما بيننا


الراي العام





تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 2787

خدمات المحتوى


التعليقات
#292450 [elhadi]
0.00/5 (0 صوت)

02-10-2012 04:05 PM
لك التحيه الاخت رباح . الاستاذ هيكل ظهر عليه الخرف . احاديثه كلها مغلوطه . ان الاوان لاعادة كتابة التاريخ و تدوينة لان التاريخ السوداني منذ الاحتلال التركي و قيام الثوره المهديه و الاحتلال الانجليزي كله مغلوط وفيه الكثير من الاخطاء لان الذين يكتبون عنا من امثال سلاطين باشا و هيكل كلهم لهم خلفيات تجعل منهم رواة لتزيف التاريخ السوداني و ابطال التاريخ السوداني و خاصة فترة المهديه التي حررت السودان ووضعت السودان علي خارطة العالم و اصبح السودان دولة موحدة . الحديث عن الامام الشهيد لا يخرج عن هذا السياق .
يوم الجزيرة تفتدي بالروح من يوم طهور
حياك صوب مجلل مهلل هتن غزير
يا صنو بدر في الز مان ويا اخا النصر الشهير
لك غرة معلومة تبقي علي مر الدهور
المهدي اب قولا يسر المين جانا زال الضيق و العسر
المهدي صاحب المجد الفيه المامول وجد
شوفتك يا ذو الحيا للاوزار ماحيه .
الله اكبر و لله الحمد .


#291996 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 05:53 PM
زمان كانوا يدرسوننا في حصة التاريخ أن أسباب فتح محمد علي باشا للسودان هي الحصول على الذهب وجلب العبيد. المصريون لا يهتمون بالسودان وأهله ولاتاريخه ولا حتى جغرافيته ، فالجزيرة أبا عندهم قريبة من سواحل البحر الأحمر. أما هيكل فيحتل مكانة عالية ، لذا فلاقدرة لك على مقارعته أو حتى تصويبه فيما أخطأ فيه لأن القارئ العربي أو غير العربي أو حتى السوداني لن يأبه بك أو يلتفت لما تكتبين فأين أنت منه؟ ثم أن قصة المهدي والمهدية مع أنها جزء هام من تاريخنا إلا أنها تدل على تخلفنا.



#291862 [سوداني ون]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 01:50 PM
هل تتخيلي هيكل فاضي عشان يقرا كلامك دة هو السودانيين ماقاعد يفروة شوفي ليكى شغلة تانية


#291800 [ابا وودنوباوي جرائم ضد الانسانية]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 12:23 PM
حوادث ابا وودنوباوي هي جرائم ضد الانسانية قام بها نظام نميري و من سانده في عملته الشنيعة

اما هيكل فهو واحد بيحب يعمل لنفسه اهميات .. والمشكلة انه قناة الجزيرة و غيرها من المنابر الاعلامية بيدوه فرصة... و طبعا من لا يعرف الكثير عن السودان و قيمة السودان و تاريخ السودان سيصدق امثال هيكل


#291738 [بشرى الفاضل ]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 10:59 AM
اتصلوا بالشروق وقناة الجزيرة يا رباح وارووا الحكاية الحقيقية وتحدوا هيكل وصححوا اقواله فالرجل يسمعونه ويصدقونه ولابطال مفعول فبركاته ينبغي تكرار النشر وتسليمه نسخة من روايتكم للاحداث ومطالبته بمراجعة نفسه. حقائق مقتل الإمام الهادي متفق عليها في السودان مجهولة لدى المصريين والعرب بفعل مثل هذه الخطرفات الإعلامية التي تحتقر وعي السودانيين. وخير دليل على صدق روايتكم أنها صادرة بأقوال وشهادات المشاركين فيها انفسهم من قتلة الإمام الراحل.


#291710 [عبدالمنعم ]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 10:30 AM
شكرا استاذة رباح


هيكل تجاوز خريف العمر بخريف الكذب ثم الكذب حتى صدق الاكاذيب المنمقة


هذا الرجل من اكبر المشوهين لتارخ السودان


وبالمناسبة امل ان تهتمي وبصدق وبحيادية بامر اعادة دراسة تاريخ السودان لنعرف انا وانت وغيرنا الكثير المخفي عمدا عن تاريخ بلادنا من حيث الشخوص او الاحداث خاصة الفترة من 1918 وحتى 1956

ولك التحية


#291686 [mohammedainl]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 10:12 AM
لكي تستمعي بطبيخ هيكل النئ عليك بقراءت رواية عودة البحار للكاتب اللاتيني جورج امادو


#291626 [أحمد عبد الباري]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2012 09:08 AM
كلنا يعلم شطحات هيكل وخيالاته وتهويماته وتصوير نفسه كمحور لصناعة الأحداث وتحديد اتجاهاتها. ونعلم أنه في كل قصصه يحاول حشر عدد كبير من الأسماء اللامعة في دنيا السياسة والفكر والأدب حتى يضفي مصداقية لما يقول ويتخيل. كلنا يعلم أن هيكل رغم موسوعيته التي لا ينكرها أحد، شخص قد تجاوزه التاريخ، بمعنى أن المعلومة التي كانت حكراً عليه في عالمنا العربي لقربه من مراكز القرار الذي كانت مصر تاجه، أصبحت متوافرة على (قفا من يشيل)، ولم يعد الناس ينتظرون كتابات هيكل ويتبادلون صحف الأهرام ومجلات آخر ساعة والمصور علهم يحصلون على معلومة أو خبر من تهويمات ذلك الشخص الألمعي. فإذا كان الحال كذلك، فعلى المكتب السياسي لحزب الأمة أعادة نشر حقيقة مقتل الإمام الهادي المهدي على الملاء. أو إقامة دعوى ضد هيكل وتحريك الموضوع قضائياً حتى يثبت للناس مدى كذبه. لا نود لرفات الشهيد الإمام الهادي المهدى النشر للمرة الثانية، إلا أن فحوصات الدي أن أيه، يمكن أن تقطع قول كل خطيب.


ردود على أحمد عبد الباري
Saudi Arabia [مواطن] 02-09-2012 10:00 AM
ده شعب كلو طباخين ياخي ..
تخيل السادات في واحدة من شطحاتو قال في مذكرات منشورة انو لمن قبضوهو في الاربعينات بتهمة التخابر مع المانيا واتسجن طبعا ، قال انو كان بيفاوض رومل القائد الالماني الشهير بتاع معركة العلمين وتوصل معاهو لاتفاق حول مصر وجلاء الانجليز ؟؟؟ ملازم في الجيش بيفاوض في رومل ؟؟ بعد سنوات لقى الحكاية واسعة قام لم الكتاب من السوق ونقح المذكرات بتاعتو .. وده يجي يقول ليك منقا ؟ شعب جاهل ..


رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة