02-26-2016 11:38 PM


السؤال الجوهري للدخول للموضوع؛ هل إشكالية الديمقراطية في السودان هي إشكالية ثقافية سياسية أم إن الديمقراطية في حد ذاتها تمثل إشكالية للنخب السودانية لأنها عاجزة عن تغيير منهجها؟
الملاحظ من واقع التجربة السياسية التاريخية في السودان، إن إشكالية الديمقراطية ليست حزبا بعينه أو جماعة بعينها، إنما هي إشكالية عامة في السودان تعاني منها القوي السياسية علي مختلف مسمياتها و مرجعياتها الفكرية و توجهاتها، و لكنها تظهر بقوة عندما يكون الحزب أو المجموعة المعينة قابضة علي مفاصل السلطة و الدولة، لأنها في موقعها الجديد تستخدم وسائل جديد لقهر الأخر، حيث تضيف إلي ثقافتها المجردة من الميول نحو الديمقراطية استخدام أجهزة الدولة القمعية لنفي الأخر، و محاربة أية دعوة تطالب بالديمقراطية، بل إنها تمارس أشرس أنواع السلوك للعزل السياسي، و ذلك قد تم عقب انقلاب 17 نوفمبر عام 1958، و عقب انقلاب 25 مايو 1969، و عقب انقلاب الجبهة الإسلامية القومية و ما يزال مستمرا حتى الآن، و تحل الأحزاب السياسية بقرارات فوقية من قيادة الانقلابات العسكرية، و تعطل القوانين، و تحظر الصحافة و كل وسائل الرأي، و تبدأ الشمولية تفرض ثقافتها في كل المجتمع و الأدوات الأيديولوجية التعليم و الإعلام و الصحافة، و الشمولية تتوافق مع الثقافة الأبوية البطريقية السائدة في المجتمع.
إن النخب التي من المفترض أن تكون مصدرا للاستنارة، باعتبارها نخب تمثل الطبقة الوسطي، تتحول غريما للاستنارة، حيث تجفف مصادر الثقافة الديمقراطية علي قلتها في المجتمع، حيث إن نخب الطبقة الوسطي في السودان استبدلت أدوات الاستنارة بالآلة العسكرية، في الوصول للسلطة، و وظفت إمكانيات الدولة في تعبئة الشارع، تعبئة تجيش قائمة علي العواطف الحظية، بهدف الاستقطاب الانفعالي، بعيدا عن الوعي الذي يؤسس لعمل منظم يهدف إلي تحقيق السلام و الاستقرار، الأمر الذي أفرز صراعا حادا في المجتمع، وصل لحمل السلاح لتحقيق الأهداف السياسية، و في نفس الوقت خلق ثقافة جديدة في المجتمع قائمة علي العنف، و تراجع دور العقل لصالح عقل البندقية، هذه الحالة من الصعب جدا أن تؤسس لتوافق أو ثقة بين المجموعات المختلفة، و لا يساعد علي الحوار الوطني المكتمل الأركان، إنما كل مجموعة تحاول أن تفرض شروطها علي الآخرين، و هي بالفعل تظهر حالة من فقدان الثقة، و دلالة علي ذلك تابع قصائد الفخر و البطولات و كلها داعية لترسيخ ثقافة العنف في المجتمع.
خارج دائرة السلطة عجزت الأحزاب السياسية في تطوير ذاتها، و تنتج معارف تعاضد الديمقراطية، بل سارت في ذات الاتجاه الأخر القائم علي منطق القوة، لآن العقليات رغم إنها غير عسكرية، و لكن تستخدم أدوات تؤدي لذات نتيجة الوسائل العسكرية، في العزل و احتكار القيادات، و قمع المعارضين، و تحويل المؤسسات الحزبية إلي ملكية خاصة، و تفريغها من أية مضامين ديمقراطية، و النخب داخل المؤسسات الحزبية تستخدم الترغيب و الترهيب باستخدام سطوة المال و التشهير، و العنف المعنوي، و علاقات القربة و غيرها من الوسائل، الأمر الذي جعل إشكالية الديمقراطية ليست قاصرة علي السلطة إنما أيضا علي المعارضة.
و عجز النخب عن تغيير المناهج السائد لكي تغير في ثقافة المجتمع، جعلتها لا تملك الأدوات الفاعلة التي تخدم الدعوة لعملية التحول الديمقراطي، الدكتور محمد عابد الجابري خير من عبر عن ذلك عندما قال ( أن أكبر عائق لعملية التحول الديمقراطي هو النخبة نفسها، و أنها جميعا لا تتحمل نتائج العملية الديمقراطية إلي نهايتها لآن علاقتها بجسم المجتمع علاقة محدودة، و إن النخب ترفع شعار الديمقراطية أو قول لا تعترض عليه علنا، و لكنها تخشي هذه الديمقراطية سرا، لأنها تشعر لعجز ذاتي عن تحقيق مصالحها و تأكيد وجودها خلال العملية الديمقراطية و آلياتها) و الدكتور عبد الإله بلقزيز لفت النظر لقضية مهمة عند رؤيته في ثورات الربيع العربي،و عن التسلط الذي جعل الناس تبحث عن وسائل أخطر ما هو سائد عندما يقول ( التسلطية من أخطر ممارساتها أن تغلق الباب أمام الناس في قضايا السياسة و الحكم و تفرض عليهم طوق أمني يدفع الناس إلي ساحات أخرى مثل الأحزاب السياسية الدينية المتطرفة، و دفعهم لتبني ثقافة العنف) و قضايا التطرف هي نتيجة طبيعية لغياب الحريات و الديمقراطية.
و إذا نظرنا إلي الممارسات التي تتم في الوقت الحالي، من فصل و تجميد للعضوية في الأحزاب المختلفة، نجدها تتم ليس وفقا للوائح و القوانين، أنما علي أهواء القيادة أو الزعامة المتحكمة في مفاصل الحزب، و هؤلاء القيادات يعتقدون أية دعوة للديمقراطية و توسيع مواعينها داخل الأحزاب هي دعوة تريد النيل منهم، لذلك لا يتخوفون من شيئا، بقدر ما يتخوفون من ذات الشعارات التي يرفعونها، و التي تتنادي بالتحول الديمقراطي و التعددية السياسية، فأصبحت الأزمة أيضا في الشعارات، و إذا نظرنا للممارسات السياسية في كل الأحزاب تأخذ ذات الأفعال بدرجات مختلفة، و لكنها ذات سياسة العزل و تمكن الديكتاتورية و ثقافتها في المجتمع، إن سلوك السيد الحسن الميرغني الذي قرر شخصيا الاستغناء عن القيادات التاريخية التي اعترضت مشاركة الحزب في حكومة المؤتمر الوطني، لا تختلف من قضية الصراع داخل حزب جلال الدقير، الذي يمانع في انعقاد المؤتمر العام للحزب، حتى يضمن إن المؤتمر سوف يؤمن علي وجوده علي قمة الحزب و حاشيته، و أيضا هو ذات السلوك الذي يحاول أن يعزل التيار الديمقراطي في الحزب الشيوعي، من خلال مؤامرات حاكتها القيادة القابضة علي مقاليد الأمر في الحزب الشيوعي، و هي ذات الفعل الذي أبعد الأمين العام لحزب الأمة القومي إبراهيم الأمين، لآن خطه السياسي يتعارض مع قيادات نافذة في الحزب، و هي ذات العقلية التي جعلت مالك عقار في الحركة الشعبية يرفض التنازل عن رئاسة الجبهة الثورية، مؤكدا عدم احترامه للوائح التي شارك في صياغتها، و هي ذات القناعات التي أبعدت الدكتور الترابي من السلطة، و أيضا يستخدمها الدكتور الترابي في إبعاد قيادات عن القيادة، أو منع البعض الذين لا يرضي عنهم الوصول للقيادة، و هي نفسها التي جعلت علي السنهوري يتحكم في حزب البعث و يفرض شروط العضوية فيه، و أبعاد قيادات تاريخية، و هي نفسها التي مورست ضد السيد علي عثمان محمد طه و الدكتور نافع علي نافع و كل من يشايعهم، هذا السلوك المتواصل في الأحزاب السياسية سلوك القمع و الإبعاد لا ينتج ثقافة ديمقراطية بل يقلل من فرص وجودها في المجتمع.
هذا السلوك غير الديمقراطي، و الذي يعتمد علي الثقافة القائمة في المجتمع، تجعلنا نسأل هل الديمقراطية كقيمة و كفلسفة موجودة في موروثاتنا الثقافية؟ هل الثقافة السودانية أو قول الثقافات السودانية تقوم علي موروث ديمقراطي؟ إن التراث السوداني السياسي و الثقافات السودانية فقيرة في تكوينها من القيم الديمقراطية، و هي ثقافة أبوية في التربية و التعليم و في كل وسائل المعرفة الشعبية السائدة، و أي تغير يجب أن يهدف لتغيير المناهج السائدة في المجتمع لكي يؤسس لقواعد تساعد علي نمو الثقافة الديمقراطية في المجتمع، و لآن القضية تتطلب اجتهادات فكرية عميقة، و تستعيض النخب السياسية عنها بالشعارات، و التي لا تستند علي قواعد ثابتة في المجتمع، الأمر الذي يجعل الأزمة مستمرة دون أية معالجات، و إن التغير يصبح هامشي لأن المعين ذات الثقافة التي تخلق الأزمة، و الفقر الفكري عند النخب السياسية هو الذي يجعل الأزمة تعاود و يعيد القوم إنتاجها.
في ظل هذه الأجواء المليئة بالعزل و الإبعاد، تحاول النخب السياسية إقناع الأجيال الجديدة إنها تؤسس لوطن، رغم إن كل ممارساتها تسير عكس تيار الوطنية، و بهذا السلوك تقلل فرص وحدة البلاد، و تبذر بذور الشقاق فيه، و إن العودة للنعرات القبلية، نتاج سياسة الشمولية و الديكتاتورية، إن كان داخل السلطة أو في الأحزاب السياسية دون استثناء، فالمنتج من جراء هذه السياسة، يمكن النظام الشمولي و يساعد علي أستمراريته، و يخلق عقليات تبحث عن مصالحها الذاتية، لأنها أجواء تساعد علي نشر الشكوك و عدم الثقة، و النخب لا تريد أن تعترف إنها عجزت عن إنتاج منهج بديل للسائد لكي يساعدها علي حلول أزماتها.
إن الذين يطالبون بالتحول الديمقراطي، عليهم أولا أن يسهموا في خلق تصورات جديدة، تدعم عملية التحول الديمقراطي، و تؤسس لثقافة جديدة غير الثقافة المنتشرة الآن في المؤسسات الحزبية، فالصراع من أجل الديمقراطية يبدأ من الذات، و ليس تجاوزا للذات، و البحث عن إصلاح في اتجاه الأخر، فالنفوس التي لا تؤمن بالديمقراطية، لا تستطيع أن تخلق البيئة المساعدة لها، فالفكرة و كيفية تطبيقها في الواقع هي تريد إرادة حقيقية، و ليس مجرد شعارات، و نخبة التي هي في السلطة هي الأقدر علي إحداث التغيير من النخب التي في المعارضة، إذا أرادت ذلك، و لكن كيف إقناعها أن تخرج من ذاتية المصالح إلي المصالح الوطنية، باعتبار إنها تمتلك القوة التي تساعدها علي تهيئة البيئة الصالحة للحوار، و النخب الفكرية هي القادرة علي تقديم المبادرات السياسية من غيرها في ظل الأزمة، خاصة إن ميزان القوة ما يزال في مصلحة المؤسسات القمعية، حيث إن المؤسسات المدنية ما تزال تعاني من عمليات الاستقطاب الحادة، و التاريخ السياسي في العالم و خاصة تاريخ الانقلابات العسكرية، إن العقلية العسكرية لا تستطيع أن تغير منهجها و رؤيتها في العمل السياسي إلا إذا شعرت إن ميزان القوة في المجتمع بدأ يتغير، لصالح المؤسسات المدنية، في تلك اللحظة هي التي تجبر العقلية العسكرية أن تقدم تنازلات لمصلحة عملية التغير من أجل التحول الديمقراطي، و لكن إذا كان ميزان القوة لم يتغير إنها ستظل تراوغ حتى إذا خسر المجتمع نصفه، فهل القوي السياسية قادرة أن تحدث تغييرا في ميزان القوة لمصلحتها لكي يساعدها في عملية التغيير، أو أن تغير منهجها السياسي، لكي تفسح المجال لعقليات جديدة قادرة أن تقدم تصورات و رؤى جديدة، تغير بها المعادلة الاجتماعية السياسية، إنها معركة فكرية تحتاج للدراسة. و نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2118

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1420675 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2016 09:05 AM
شاكرا يا استاذ وقع تحليلك وقع الحافر علي الحافر علي ما اؤمن به ان محنتنا هي محنة نحب وايدولوجيات حكمتنا بغير ارادة منا وللاسف المصالح الذاتية هي اكبر عائق في الشخصية السودانية فالبعض كالترابي يريد ان يبني مجده هكذا في حين ان رجلا مثل مهاتير محمد بني مجده عن طريق مجد وطنه فاسس لذلك تاسيسا ديمقراطيا وقس علي ذلك مما دعاني اقول انه ليس لدينا مفكر في هيئة رجل دولة لدينا مفكرون غير مبدعون وانما ذاتيون لذلك من مرحلة الثانوي قررت الا انتمي لحزب رغم الا غراءات منها ان اصبح وزيرا كما وعدتني الجبهة وكنت منذ العام 1975انهم قادمون للحكم حسب ايحائهم لي في التجنيد فرفضت الفكرة وصادقا رايت الديمقراطية للسودان هي اسلم طريق ولو كانت طائفية ولكننا لا نملك لا القيم ولا الاليات وليس لدينا فكرة ونفس طويل للبناء النظر فقط الي الكرسي ليس الا


زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
9.01/10 (78 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة