المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل يساهم مشروع جدار أفريقيا الأخضر العظيم فى تقليل زحف الصحراء فى السودان؟
هل يساهم مشروع جدار أفريقيا الأخضر العظيم فى تقليل زحف الصحراء فى السودان؟
02-19-2012 07:48 AM


هل يساهم مشروع جدار أفريقيا الأخضر العظيم فى تقليل زحف الصحراء فى السودان؟

د. أحمـد هاشـم
[email protected] ww.kordofan.co.uk

تعتبر أفريقيا من أكثر القارات التى تهددها ظاهرة التصحر، إذ تُقدر ثلثى مساحة القارة بأنها أراضى صحراوية وجافة وأكثرعرضة للتصحر. ويزداد الخطر فى دول تجمع الساحل والصحراء التى عانت من أثار تدهور البيئة وأثرها المباشر على ظروف معيشة المجتمعات المحلية التى تعتمد إعتماداً كبيراً على المياه والتربة والغطاء النباتى، والتي أصبحت هشة على نحو متزايد بسبب الضغوط التى تُمارس عليها لعدة عقود من الزمان.

فكرة جدار أفريقيا الأخضر العظيم إقترحها رئيس بوركينا فاسو السابق توماس سانكارا فى عام 1980، ثم أحياها الرئيس النيجيرى السابق أوباسانجو فى عام 2005، وصادق عليها الإتحاد الأفريقى فى ديسمبر 2006 وتبنتها إحدى عشر دولة أفريقية فى يونيو 2010 (جيبوتى، إرتيريا، أثيوبيا، السودان، تشاد، النيجر، نيجيريا، مالى، بوركينا فاسو، موريتانيا والسنغال). يمتد الجدار الأخضر بعمق 15 كيلو متر وبطول 7800 كيلو متر، من القرن الأفريقى شرقاً إلى السنغال غرباَ. تتم زراعة الجدارالأخضر أساساً من الأشجار الملائمة للبيئة الجافة ويشمل خليط من الزراعة والرعى المستدام مع الإلتزام بمبدأ \"لا للفأس ولا للنار\". يهدف المشروع إلى وقف تقدم الصحراء جنوبا وتدهور التربة، وتوفير مصادر للمياه، الزراعة، الرعى والوقود الَمستدام. كما يهدف إلى تنمية البنية التحتية والإجتماعية والإقتصادية وإحداث التنمية التى توفر الدخل المالى وخلق فرص عمل إضافية مما يساهم على الإستقرار وسط الشباب الذى يميل إلى الهجرة من المناطق الريفية. ظلت فكرة الجدار قيد التنفيذ إلى أن تم دعمها فى مؤتمر إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر فى بون، ألمانيا فى فبراير 2011 حيث تم رصد مبلغ 2 مليار دولار وتم تحديد عدة مشاريع، حيث ضم مشروع إدارة التربة والتنوع البيولوجى السودان وأثيوبيا ومالى.

تبلورت فكرة الأحزمة الخضراء لمكافحة التصحر فى أفريقيا فى بداية الخمسينيات قبل مؤتمر الأمم المتحدة للتصحر فى نيروبى عام 1970، حيث إنحصرت فى فكرتى السد الأخضر والحزام الأخضر. السد الأخضر يهتم بإعادة التشجير على قطاع من الأراضى القاحلة بطول 1500 كيلومتر وهدفه الرئيسى الحماية من زحف الرمال والحد من إزالة الغابات وتآكل التربة. بدأ تنفيذه فى الجزائر فى عام 1970، واعيد تأهيله أولاً فى عام 1980 بواسطة الجيش وإدارة الغابات وثانياً فى عام 1995 كجزء من خطط التنمية الزراعية والريفية. بينما إهتم الحزام الأخضر بزراعة سياج دائرى حول المناطق الحضرية ومشارف المدن وتشجير الطرق وذلك للحماية من زحف الرمال وعوامل التعرية. بدأ تشجير الأحزمة الخضراء فى عدة مدن ودول أفريقية مثل نيامى فى عام 1965، نواكشوط فى عام 1975، تامبكتو فى عام 1990، داكار وأوقادوقو والقاهرة والسودان وكينيا. تفاوت النجاح بين الدول والمشاريع، إذ تميزحزام داكار عاصمة السنغال بشبكة مترابطة من الغابات الطبيعية بمشاركة فعالة من المجتمعات المحلية. بينما تميز الحزام الأخضر فى أوقادقو عاصمة بوركينا فاسو بثلاثة عناصر بارزة، أصبح جزءاً من تخطيط المناطق الحضرية وشبه الحضرية، مشاركة فعالة من المجتمعات المحلية، وإختيار الرى الإصطناعى بالرغم من وصول معدل هطول الأمطار إلى 700 مليمتر فى العام. تميزت التجربة السودانية بمشاركة المؤسسات المحلية ونجحت إلى حد متواضع فى إعادة النظام البيئى الذى أنهكه التدهور وإستخدمت المحميات الغابية فى المناطق القاحلة. ولكن بعد جفاف عام 1973، 1984، 1992 تدهور النظام البيئى بصور متسارعة ولم تبرز أى مبادرات حكومية لمعالجة زحف الصحراء جنوباً وتأهيل البنية التحتية للمزارعين والرعاة الذين يقطنون فى المناطق الأكثرعرضة للتدهور.

بعد إنفصال الجنوب أصبحت الصحراء تغطى نصف مساحة السودان ويقطن هذه المساحة حوالى 30 مليون نسمة و 100 مليون رأس من الماشية ويعتمد غالبية السكان على الزراعة والرعى. تتقدم الصحراء جنوباً بمعدل 5 إلى 6 كيلومترات فى العام ويزداد التنافس على الموارد الطبيعية أكثر فأكثر فى الوقت الذى إنحصرت فيه الأرض الصالحة للزراعة المطرية والمراعى الغنية فى جنوب دارفور، جنوب كردفان والنيل الأزرق. والآن أدخلت الحكومة منافس خطير للمزارعين المحليين الذين توارثوا أراضيهم أباً عن كابر، هذا المنافس يثمثل فى ما يسمى \"إعتباطاً\" المستثمر الأجنبى الذى يسجل الأرض ويطرد ملاكها ولا يوفرعمالة محلية أو دخل للدولة بعد أن يبطن جيوب المسئولين بالعملات الأجنبية. أما أصحاب الماشية فإنحصروا أيضاً بين المزارعين فى حزام الزراعة المطرية والحروب المشتعلة على طول الخط الحدودى الفاصل بين الدولتين. فى هذا المنعطف المهم من تاريخ دولة السودان يجب مراجعة سياسات الزراعة المطرية والرعى وعلى وجه الخصوص حقوق ملكية الأراضى وإستقرار الرعى مع توفير المراعى الجيدة وتحسين سلالات الماشية. بالإضافة للإستفادة القصوى من مشروع الجدار الأخضر الذى ربما يمثل الفرصة الأخيرة لحل مشكلة المزارعين والرعاة الذين أُرغموا على هجرة القرى والبوادى، بسبب الجفاف المتواصل، إلى حياة البؤس والتعاسة فى أطراف المدن. إذ يعلم الجميع أن التنافس الحاد على الموارد الطبيعية الشحيحة كان الشرارة الأولى لحروب دارفور ونخشى أن يتكررنفس النهج فى كردفان وبقية أنحاء البلاد.

يجب ان يقع زمام المبادرة فى تنفيذ مشروع الجدارالأخضر العظيم فى السودان على منظمات المجتمع المدنى، الجامعات ومراكز البحث العلمى، المدارس، الإدارات الأهلية، إتحادات المزارعين والرعاة والمؤسسات العامة والخاصة المهتمة بقضايا البيئة. نذكرعلى سبيل المثال، نظمت منظمة الصبار الطوعية مؤتمراً تحت عنوان حزام أفريقيا الأخضر فى أغسطس 2001 بقاعة الشارقة جامعة الخرطوم. ناقش المؤتمر عدة أوراق علمية عن أثر الجفاف والتصحر فى غرب السودان والخطط المحلية والقومية والعالمية للتصدى له، وأقترح تكوين لجنة قومية تتكون من ممثلين من 58 هيئة ومنظمة ومؤسسة بالإضافة للإدارات الأهلية من الولايات التى يمر بها الحزام. وصدر كتيب عن منظمة الصبار يحوى وقائع المؤتمر. كذلك إتصل بنا أخيراً نفر كريم من جامعة كردفان والخرطوم بهدف تأسيس نواة مؤسسسة السافنا لتأهيل حزام الصمغ العربى بالسودان. العمل جارى الآن على توحيد جهود المؤسسات والمنظمات الطوعية للخروج بإستراتيجة موحدة للتصدى لتدهور البيئة فى المناطق المتضررة فى كافة أنحاء البلاد.

يجب كذلك إعادة الإحتفال بعيد الشجرة على أن يمتد طيلة فترة الخريف، وتشجيع إنشاء جمعيات خضراء تضم المواطنين وأطفال المدارس لتشجيرالحدائق العامة والمنتزهات والطرقات والمدارس والمنازل. بناء المشاتل فى المدارس لتساهم فى توعية وفهم الجيل الحالى أهمية الإهتمام بالبيئة وتوفير الشجيرات لغرسها فى عيد الشجرة. إعادة زراعة الأحزمة الخضراء حول العاصمة وكافة المدن والقرى فى جميع الولايات بمساهمة من الإدارات الإقليمية مثل الزراعة والغابات والتعليم.

أما بالنسبة لعلاج مشكلة التنافس الحاد على الموارد الطبيعية المتناقصة بين الرعاة والمزارعين هذا بالطبع يحتاج ليس فقط لمجهودات المنظمات المدنية والإدارات الأهلية فحسب، بل أيضاً لجهد ودعم وإصدار قوانين جديدة من الحكومات الإقليمية والمركزية. أهم القوانين التى بحاجة إلى مراجعة وإصدارهى قانون حقوق ملكية الأراضى الفردية والجماعية خاصة فى أقاليم السودان التى لم تعهد تسجيل الأراضى الزراعية. هذا بدوره سوف يمهد إلى تكوين النواة الأولى لإستقرار الرعى المتنقل على غرار مشروع جريح السرحة فى شمال كردفان بالإضافة إلى حفر الآبار الجوفية وزراعة الغابات والمراعى على طول الجدار الأخضر العظيم.
د. أحمـد هاشـم،

--------
* باحث فى كلية الملكة ميرى للطب جامعة لندن وسكرتير مؤسسة كردفان للتنمية

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2073

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد هاشم
مساحة اعلانية
تقييم
9.76/10 (12 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة