انتحار ثنائي
02-19-2012 08:39 AM

أفق بعيد

انتحار ثنائي

فيصل محمد صالح
[email protected]

يعرف الناس الانتحار الجماعي الذي سبق أن نفذته مجموعات عقائدية في أكثر من بلد، بفهم أنهم سيذهبون للنعيم مباشرة، أو أنهم يقدمون تضحيات جمة للإنسانية. أما الانتحار الثنائي فتنفذه حكومتان، تتعاميان عن الحقائق وعن مصلحة شعبيها، وتظنان أن المواقف الشخصية والرؤى الفطيرة والتحامق تصلح لتشكل المواقف العامة التي تمثل أربعين مليونا.
يجلس الجانبان ليتفاوضا وكل منهما يخبئ خنجرا للطرف الآخر، ولا ينتظران حتى أن يأخذ الوسطاء مقاعدهم، حتى تنطلق محاولات استخدام الخناجر، حتى لا يبقى معنى للتفاوض حول أي قضية. وينسى الطرفان أنهما يتفاوضان على مورد حيوي للجانبين، كاذب أي طرف منهما إن قال إنه يستطيع الاستغناء عنه، لا الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن المخبوءة عند طرف، ولا المساعدات الأجنبية الضخمة التي يتوقعها الطرف الآخر يمكن أن تغني عنه.
أحاديث الخبراء والاقتصاديين، وبعضهم مسؤولين كبار في القطاع المصرفي، ووزراء سابقين، حذروا بأن لا المعادن والذهب ولا الاكتشافات البترولية المتوقعة والمرجوة، ولا صادرات الثروة الحيوانية يمكن أن تغطي العجز المنتظر.
ومن الجانب الثاني الذي يعتمد على هذا المورد الذي يشكل 98% من صافي الإيرادات يقول خبراء محليين وعالميين أنه مهما كان حجم المساعدات والهبات الأجنبية، فهي لن تغطي أكثر من ثلث الاحتياجات. ويشير هؤلاء لأن العالم لم يعد كريما كما كان في الماضي، حين كانت كثير من الدول تأخذ موقفا منحازا لإحدى الدول الكبرى، ثم تنام في العسل منتظرة العطايا والهبات. لم تعد هذه الممارسات مجدية، ولم تعد هناك أقطاب متعددة تتصارع لكسب ود الدول الصغيرة والناشئة.
من حق أي طرف أن يسعى لتحسين موقفه التفاوضي، وأن يحصل على مكاسب للجانب الذي يمثله، وأن يعود مكللا بالنصر، ولكن كل ذلك في إطار التفاوض، أما لو انهارت فكرة التفاوض من الأساس، فقد فقدت كل القضية معناها. لأن هذا يعني أن الطرفين، أو أحدهما على الأقل، قد فكر أن بإمكانه تحقيق مكاسب من غير طريق التفاوض، وهذا لن يعني إلا خيار الحرب.
ولا يمكن أن تكون إحدى طرق التفاوض أن نقنع الطرف الآخر بأن يغير فريقه التفاوضي لأنه لا يمثل مصالحه بشكل جيد، وليس هناك من سبب منطقي يقنع أي دولة في الدنيا بأن الفريق التفاوضي للدولة الاخرى أحرص على مصالحها من الفريق التفاوضي الذي يمثلها. قد تقوم أي دولة بتغيير فريقها التفاوضي إذا أحست بأنه غير قادر على تمثيلها بشكل جيد، ومن المؤكد أن عدم رضاء الدولة الأخرى ليس مؤشرا صالحا لمثل هذا الموقف، بل على العكس فالغمز واللمز المستمرين في أفراد الفريق التفاوضي للطرف الآخر وتفسير كل المواقف بناء على أسباب شخصية وفردية سيحولهم إلى أبطال وطنيين في الطرف الآخر.
من مصلحة الطرفين أن يتم التفاوض وأن يتم الوصول لاتفاق لا يضر باي من الطرفين، وأي شئ غير ذلك هو انتحار ثنائي.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2745

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#298178 [elghefari]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2012 09:42 AM
لو كان الامر يتعلق بالحكومتين ( الوطني والحركة الشعبية) فحسب فليذهبا سويا الي الجحيم!! فالسودان بشقيه( الشمالي والجنوبي) لم ولن يجني منهما سوي الدمار غير انه ما ذنبنا نحن( الشعب)!!! في البلدين لكي نموت في سبيل ارضاء نزعة (اناس) مرضي(نفسيين) من امثال البشير ونافع وسلفاكير وغيرهم ممن ابتلانا الله بهم !!


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية
تقييم
6.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة