02-21-2012 07:46 AM


من خواطر قلب زبحه الرحيل

الطيب صالح..شهيد المنفي وأزمة المبدع السوداني

المثني ابراهيم بحر
[email protected]

وكما في الدراما الحياتية كان القدر هو الذي يقود خطواتك من كرمكول الي الخرطوم الي عاصمة الضباب ثم الي الخرطوم تارة اخري في رحلتك الابدية
وكعادتك دوما في انتزاع الدهشة من قارئ رواياتك واغراقه دراميا في نهر شديد الاندفاع وكثير التعاريج وبلا قرار كان غروبك وانت تترك لنا تركة مثقلة بالدراما الحياتية والابداع وجالبة للدهشة في ان تركت لنا حرية التصرف في ما تركته لنا من ارث وبلا مقابل
ولكن لماذا يغادر مبدعينا معترك الحياة ويتركونا نهبا للحزن لا اعرف ولكنها سنة باتت لدينا كلما مددنا ايدينا لازهارهم نجدها تبوح بالمضي بعيدا ولكن كأننا في انتظار شئ ليس بين العودة وبينها حجاب لكنها مستحيلة ولكن سيظل موسم الهجرة الي الشمال هو الزيت الذي اوقد به محركات زاكرتي فتدور وتدوروتدور ,وتدور بلا نهاية
فالمبدع كائن تلقائي شرفه في كونه أعزل امام مكائد الحياة وغالبا ما يكمن ضعفه في سر انسانيته واختياره الواقعية طريقا لحياته عكس السياسين الذين ما ان يغادر احد مبدعينا معترك الحياة حتي يتحسسون اكفانهم كعادتهم دوما في انتزاع الدهشة واتقان فن التزلج وتفادي المطبات علي الاسئلة بالقفز عليها الي جواب اخر ولكن علي التاريخ ان يوثق السخاء الانساني لكاتب لم يعرف المكائد ولا الدسائس المتفشية منذ الازل بين اهل الابداع واهل السياسة في اتون مجتمعنا ويداه نظيفتان من جرائم الحبر كأنه جاء ليكتب وعاش ليهب
ولكن من قسمة الله وعدله انه تكفل بتدبر امرعباده المظلومين في السودان وهم يكتسبون قدرات عجيبة في الانغراس في كل تربة يقفون عليهافي دول المهجر والمنافئ القسرية ثم يتسلقون بسرعة قدلا يبلغونها اذا كانوا داخل الوطن لدرجة كنت اعتقد أننا دخلنا موسوعة جينس علي الاقل من باب النواح دوما علي الماضي وبانه الاحسن والاجمل فهجرة المبدعين والشباب خارج الوطن وهم يتشردون في اوطان المهجر التي تنامت رأسيا تشفع لنا انكساراتنا التي افرزتها تجربة العقدين الاخيرين ونحن نعيش علي حافة الانهيارالكمي التي تهب علينا من جميع الاتجاهات ومن يومها ونحن
نتوارث حب الحنين الي الماضي فقد زودنا المولي عز وجل دون غيرنا من الشعوب ببطارية شجن وهموم جاهزة لامدادنا بطاقة من البكاء والحنين الي الماضي مهما كان السبب
فمن حقي أن أحلم بوطن يحترمني بعيدا عن التحيزات الايدولجية ويفرض علي الاخرين واجب أحترامي فعندها فقط يكون العمل بولاء واخلاص لوطن لايذلك ويمنحك الفرص نفسها للنجاح التي يمنحها للاخرين ولكن في دولة عصبة المتأسلمين استبانت الامور بعد ان انفتحت لهم ابواب الدنيا الجديدة عندما سطت عصبتهم علي سدة الحكم فصاروا من اصحاب المال ومالكي العقار وصار النجاح حكرا لأولئك المتأسلمين واتباعهم ومواليهم ومن يواليهم فكرا ومن باب الولاء والبراء وقد ادرك الطيب صالح ان حرية الفرد في اتون مجتمعنا تكمن في استغنائه وان لا سلطة لمبدع ترتهنه
مؤسسات الدولة بذريعة تكريمه او الاعتراف بمكانته بينما ليس التكريم سوي نوع مهذب من انواع التدجين واستعباد الضمائر بالاغداق واسرائيل التي تجعل من استعادة اشلاء جندي مات من عشرون عاما او اكثر قضية شرف قومي بينما ننتمي لاوطان لا تكلف الدولة نفسها سوي تأمين علم وطني يلف جثمان مفكريها ومبدعيها وكأنها ليست معنية الا بدفنهم
ففي كل اوطان العالم يحتفون بمبدعيهم وعلماؤهم مهما كانت رؤياهم الفكريةوترجمة ذلك الي الواقع مثلما فعل المصريين في الاحتفاء بادب نجيب محفوظ وعظموه حتي حاز علي جائزة نوبل وفشلنا في ان نحتفي بسيرة وأدب من أحتفي به العالم كله فأحترام المبدعين والعلماء والمفكرين في تلك الاوطان لا يعادلها عندنا الا احترام الضابط والعسكري
ولا يقل الطيب صالح عن فطاحلة الادب العالمي لتعم شهرته كل ارجاء الدنيا بروايات ترجمت لكل لغات العالم ناقلا معه السودان عبر القارات وتكمن عظمته وسر ابداعه في خياله العالي ولكن عوالم الطيب صالح أكبر من تحيط بها الكلمات
فمن أقاصي الشمال من كرمكول الي قلب أوربا النابض حيث الطموح بتحقيق الاحلام في ذاك المجتمع المتلقي لثقافتنا بالفوقية وصعوبة التجانس معه لشخص قادم من حرارة خط الاستواء مخترقا كل الحصون الثقافيةالعالمية بقامته النخيلية دون ان يخلع قناعاته القومية ويدهن جلده بشعارات التسامح متجاوزا كل تلك المطبات ليتمكن من الانزلاق الي ناصية المكتبات العالمية كنموزج مشرف لمثقف ومبدع معتدا بسودانيته ولغته التي أصبحت حاضنة لجينات الارهاب
ان غروبك فتح جرحا عميقا حيث الاستشهاد ممكن في كل مكان في الوطن..في الخندق..في ساحة الحرب..في المنفي..وغروبك يزكرني بالفجائع التي أرتكبت في حق المبدعين يا ابن السودان الذي ولد في كرمكول وحمل هم افريقيا ومات في المنفي تذكرني بعشرات النبلاء الذين تساقطوا من قبلك ومن بعدك في المنفي ووذاك هو المبدع زيدان ابراهيم غادر الحياة مغتربا عن وطنه وفي القلب قصة نعم ان لكل اجل كتاب ولكن وفاة العندليب فتحت جرحا غائرا بعد كان اهتمام الدولة ضعيفا علي كافة المستويات لا يوازي حجم الفقيد وقد قالها زيدان قبل وفاته وزاد علي ان الدولة و
اصدقائه الموسرين الذين يمثلون رموز المجتمع الذين افرزتهم دولة العقدين الاخيرين قد تنكروا له بعد وعكته مع انه كان يقيم حفلاتهم بلا مقابل وقد كانت صدمة بكل المقايبيس واكد علي انه سيعيد حساباته بعد ان يتم له الشفاء ولكن فعلا من اين اتي هؤلاء وعلي مستوي الدولة لم نسمع بالاهتمام عن حالة زيدان خلال فترة مرضه ولكنهم لا يستحيون ينتظرون ساعه الموت من اجل استجداء مشاعر الشعب وهكذا فالعديد من مبدعي بلادي قد طالهم الاهمال وسيظل الطيب صالح ومصطفي سيد احمد هما العلامات الابرز....وصدقت اديبنا الطيب صالح وانت تصف سماء الخرطوم بأنها
لم تعد صافية بعد ان حجبت بالاكاذيب
والاوهام ومما يؤسف له لماذا ضعف اهتمام الدولة بالمبدعين وان الفقيد زيدان ليس له اي ميول سياسية في حين نري علي سبيل المثال فقط علاج ابن وزير المالية علي نفقة الدولة في الولايات المتحدة وهذا غيض من فيض في اهدار المال العام يكفي قليله لعلاج الراحل حتي تبرئ الدولة ذمتها تجاه المبدعين وهو الذي الذي اسعد الملايين من ابناء هذا الشعب ففي ماذا اسعدنا هؤلاء ولكنني أدركت الان كم زودتني تلك اللحظات بذكري ليست للنسيان
ولكن الطيب صالح اخترق بأبداعه المسافات والحدود من خارطة العالم لاغيا الجنسيات وتقاليد السياسة عندما ربط مصطفي سعيد القروي اليتيم بعوالم جين موريس السحرية كما ربط ضو البيت الخواجة ذو العيون الخضراء بفاطمة بت جبر الدار بعد ان قذفته مياه النيل علي الضفاف علي مرأي من حسب الرسول قادما من المجهول
نعم لاشئ يدوم في هذه الدنيا وان اجتهد الكثيرون لقهر فكرة الموت ولكن الابداع هو الاقدر علي الصمود والخلود وأختراق المنية لان الابداع والافكار الحسنة هي التي تلهم الشعوب وكم كنت جميلا وانت تبحر معنا بكثير همومنا الحياتية عبر دومة ودحامد وضو البيت ونخلة علي الجندول قرأتها مرارا فما أشبعت نهمي من مفراداته الجزلة وعوالمها السحرية وابداعك كمياه النهر المتدفق تعرف كيف تشق طريقها لقلب القارئ وتبوح له عن سر شخوصها وتعد ابداعاتك انموذجا معبرا للابداع لجميع روافد الادب وان لم تقدم غير موسم الهجرة الي الشمال
لكفتك تماما
قد يتساعل الكثيرون لماذا كل هذا الاهتمام الجمعي للاعلام الخارجي بما لا يوازية داخليا حتي ان اجيال العقدين الاخيرين الذين أفرزتهم دولة المشروع الحضاري قد يجهلون الكثير عن الطيب صالح ولكني لا اعرف لها أسما ولامعني ولكن من انصفوك يعلمون تماما ان الاضواء لاتنحاز بهذه الدرجه الا للنابهين شانه شأن العديدين الذين انجبتهم هذه الارض الطيبة متفردين ساهموا وصاغوا تاريخنا فخلدت أسماؤهم في حياتنا وقهروا فكرة الموت كفناء ونهاية للانسان
قبل عامان وعلي ما ازكر من غروبك جلست الي التلفاز وعلي غير عادتي ليلا ومعي ثلة من اصدقائي ونحن نشهد حلقة من برنامج خليك بالبيت بفضائية المستقبل اللبنانية من تقديم الاعلامي المعروف ذاهي وهبي حيث كانت تلك الحلقة مع الاديب الطيب صالح وبلغ اندهاشنا زروته حين قال مقدم البرنامج انه لم يتلقي وعلي امتداد تقديمه لهذا البرنامج رسائل في عدد تلك التي استقبلها في حلقة الطيب صالح وهطلت عل نفسي قطرات من الحزن انا اشاهد بأم عيني العديد من الفتيات والشباب من مختلف الدول العربية يتداخلون بالحوار عن مغزي قصة نخلة علي
الجندول ودومة ود حامد لانها من القصص المقررة في مجال الادب في بعض الدول العربية ومنها الاردن وسوريا وحينها وحتي الان وقصص اديبنا الكبير واعمال الكثير من مبدعينا لا زالت محظورة حتي في جامعاتنا ولا تعليق.. ولكني احادثك كأنك دم ما يزال يجري في عروق الحياة فأنت حال بروحك دوما فأدركت لماذا قلت علي اولئك المتأسلمين(من اين اتي هؤلاء) فحقا من اين اتي هؤلاء اما ارضعتهم الامهات وشالتهم الخالات و العمات فلقدت ادركت فعلا لماذا اصبحت السماء غير صافية بعد ان حجبوها بالاكاذيب والاوهام
ان كل ذلك الاهتمام الجمعي لغيرنا وهم يتسابقون في الاحتفاء بك وانت تشكل حضورا في دفتر الغياب في لفتة غير مسبوقة وانت تمهد الطريق لادباؤنا للوصول للقارئ الغربي ينم فعلا عن ازمة حقيقية في مجتمعنا الذي تسوده سلبية التعاطي الكيفي لاحتضان مبدعيه وانتاجهم ايدولجيا وثقافة بنحب من برة بلدنا ما من جوة البلد ولقد عرف اديبنا الطيب صالح من اين تؤكل الكتف واختصر الطريق علي نفسه فذهب الي المجتمع الغربي مباشرة لتكون المحصلة الاخيرة ان اندهش له اولئك الاعراب حد الوله فهذاهو حال اولئك الاعراب الين يستخفون بمبدعينا الا من
اتاهم من الغرب شأن الطيب صالح ولو كان البروفيسر الراحل عبدالله الطيب مقيما في الغرب وبدأ انتاجه من هناك لاقام له اولئك الاعراب التماثيل اعترافا بنبوغه لان اشكاليه الهويه التي نعاني منها جعلتهم يستخفون ولا يعترفون بنا الا بعد ينبهر المجنمع الغربي بمبدعينا عبر انتاجهم ليكون التكريم والتدجين من اولئك الاعراب ولو كان الطيب صالح مقيما مع اولئك الاعراب اي لم يذهب الي الغرب لكان لا يزال في محطة البدايات ولن تبارح شهرته قريه كرمكول او الخرطوم كحد اقصي
هو الطيب صالح البرزخ الذي عبر منه الابداع السوداني تجاه العالمية هو عرابها وقائد اسطولها وربانها الماهر الذي يحشد له كل محبوه علي مدار السنين والايام التي مرت تخليدا لذكراه كأنما يتوقف التاريخ لديهم فينسونه الا ذلك اليوم كان يرجونه الا يهل ليحرك عصب السكون..فالرجل يحتاج لعشرات الكتب لتوثق ابداعه وترصد ملايين الخلايا التي فتقها براعم ابدية لا تزويها النهايات ولا تقف عند حدودها الكلمات هو مساحة للحب تأتلف عندها القلوب كما يأتلف عنده حب الوطن.............................
لن أحور التاريخ ولا مجري الاحداث والمشاهد المترائية فحضورك بيننا لن تهزمه الايام ولم تحد من فاعليته الاحداث فسيذهب (هؤلاء )الي مذبلة التاريخ وسيظل ابداعك حاضرا بيننا حالدا يا حديقة ما تزال ازهارها طازجة ووردها يانع لم يزبل ولن ....فكم كنت محظوظ لانني عاصرتك..فحدثتنا عن كثير همومنا وافراحنا وانكساراتنا الحياتية.... فرغم مرور الاعوام بيننا ما تزال حاضرا طازجا في الروح لم تخرج عن فضائاتها قط....
الطيب صالح..الي جنات الخلود وانت تضع اسم الوطن ضمن قوميات الامم المبدعة لتضع اسمك ضمن اهم مائة عمل ادبي في تاريخ تاريخ العالم

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 771

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#299495 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2012 02:04 PM
صرفني عن قراءة هذا المقال الخطأ الإملائي في العنوان ( زبحه ! ! ) .


المثني ابراهيم بحر
مساحة اعلانية
تقييم
2.00/10 (30 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة