08-30-2010 12:17 PM

رأي !

المجتمع المدني العربي: هل هو قادر على المقاومة؟ «1»

د. حيدر إبراهيم علي

نشر الأخ عبد العزير حسين الصاوي/محمد بشير أحمد ورقة تحت عنوان «معا نحو عصر تنوير سوداني.. إطار عام لاستراتيجية معارضة مختلفة». وكنا
قد عقدنا ندوة قريبة من هذا الموضوع. ولأن الأخ محمد قد عوَّل كثيرا على دور المجتمع المدني في
تفعيل الاستراتيجية، فقد رأيت إعادة نشر هذا الورقة، كي تكون مدخلي لنقاشه.
دخل مفهوم المجتمع المدني كمصطلح ومؤسسة الى الواقع والحياة العربيين بكثافة قد تبلغ حد التضخم والتشبع، خلال العقود الثلاثة الماضية، وبالتحديد مع سقوط الكتلة السوفيتية وانهيار حائط برلين بنهاية ثمانينيات القرن الماضي. رغم ان البعض يحاجج ــ بأثر رجعي ــ بأن المجتمعات العربية قد عرفت المجتمع المدني منذ أمد بعيد، وإن لم يكتسب نفس التسمية، مع وجود الشكل والوظيفة، وهذه مغالطة تاريخية ومفاهيمية. وبالتأكيد عرفت المجتمعات العربية بعض الاشكال الجنينية لتنظيمات جماهيرية غير رسمية. وهذا يعود الى التعريف المستخدم، فقد يضمّن البعض جماعات الطرق الصوفية أو تنظيمات الاوقاف مثلا، باعتبارها منظمات مجتمع مدني. وفي حالات اخرى يبعد البعض الاحزاب السياسية من مكونات المجتمع المدني بدعوى احتمال ان يصل الحزب الى السلطة. فالمفهوم جديد، والتنظيم حديث ايضاً، لذلك يبقى من التعسف ارهاق التاريخ والواقع والفكر في العالم العربي، في حالة الاصرار على وجود قديم لفكرة المجتمع المدني. وتقوم فرضية حداثة المجتمع المدني، على أساس الارتباط بين نشوء الدولة الحديثة الديمقراطية ووجود المجتمع المدني، باعتباره المقابل للدولة، في مواجهة للحد من تسلطها او التعايش تكاملياً في تقسيم اجتماعي لوظائف مختلفة.
ويمكن تأكيد الاهتمام المتأخر بالمجتمع المدني من خلال متابعة الكتابات التي تدفقت قبل ثلاثة عقود فقط. لذلك، كان من الطبيعي ان تتميز الكتابات والنقاشات والحوارات العربية حول المجتمع المدني بالتشعب والاختلاف والتناقض أحياناً، وهذا مما يدل على جدة وعدم أصالة الفكرة في الحياة العربية. ويبدو مفهوم المجتمع المدني، في بعض الاحيان مثل محاولة تعريف الفيل في الاسطورة الهندية القديمة، كل يظن الجزء الذي أمسك به هو الفيل كله.اذ تفتقد الكتابات العربية الى اتفاق عام أو شبه اجماع حول المفهوم، وقد تكون هذه المسألة عادية في العلوم الإنسانية والقضايا الفكرية، ولكن لا بد من حد أدنى. ورغم محاولات بعض الكتابات اليسارية من شيوعية وقومية وبعثية، البحث عن أصول للمجتمع المدني في التنظيمات التي ساهموا في انشائها مثل النقابات والاتحادات المهنية والجمعيات الطوعية..الخ. ولكن يعاب على هذه الاشكال التنظيمية صفة الالحاق الحزبي، إذ تكاد تكون جزءا من هيئات الحزب المختلفة.
ولا يخلو هذا الوضع من الارتباك في تعريف وتحديد المفهوم، مما ينعكس بالضرورة على الفهم والممارسة. وهذا يعني صعوبة تعيين وظائف المجتمع المدني العربي ودوره في الحياة العامة، وتقع الاجابة على تساؤل هذه الورقة: هل المجتمع المدني العربي قادر على المقاومة؟ في قلب القضايا الصعبة والمستعصية على التناول المباشر. فقد نشأ المجتمع المدني في الواقع العربي بطريقة «غير طبيعية» كان لا بد ان تؤثر على تجلياته وتطوراته وادواره. وهذا الوضع الاستثنائي وشديد التعقيد يفرض قدراً كبيراً من الحذر في تقييم فعالية المجتمع المدني العربي. إذ مازال من الصعوبة بمكان تحديد دور المجتمع المدني العربي لأنه ينوس في مرحلة بين التشكل والانطلاق. ورغم ابتذال استخدام وصف الأزمة في تحليل الواقع العربي، ولكن يمكن القول ان الواقع المأزوم، من المحتم ان ينتج مجتمعاً مدنياً تحكمه شروط وظروف الأمة. اذ يبدو في كثير من الاحيان جزءا اصيلا من الازمة وقد يساعد في استفحالها. فالمجتمع المدني الراهن ــ حتي الآن - ليس أداة مقاومة وتغيير كما نتوقع ونأمل. فهو يقاوم ظروف وجوده السالبة، وحين يتجاوزها يمكن ان يلعب دوره المفترض في عملية التغيير والديمقراطية والتنمية المستقلة، ويتحول الى مقاومة التخلف والقهر والقعود عوضا عن النهضة.
المجتمع المدني العربي.. الواقع والممكن
واجهت المجتمع المدني العربي ــ باستمرار ــ مشكلات النشأة والتكوين، اذ لم يكن نتاج تطور تاريخي طبيعي او ذاتي بكل مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالفكرة غربية وغريبة على الاقل في البداية، أتت من الخارج وتم استزراعها في التربة العربية. وهذا ما حدث بالضبط، بالنسبة لفكرة الدولة العربية في شكلها الحديث. فقد واجه نشطاء ومنظرو المجتمع العربي صعوبات عملية واشكاليات نظرية وفكرية في تبيئة مفهوم المجتمع المدني بدءاً من التعريف المناسب للواقع العربي. وهذه ليست مسألة شكلية بحتة، فمن خلال التعريف نحدد مثلاً: هل الأحزاب السياسية تقع ضمن المجتمع المدني ام لا؟ وموقع التنظيمات التقليدية في مجال المجتمع المدني. وهذا يؤثر على تحديد مدى الدور المقاوم للمجتمع المدني. ولأن المفهوم أصلاً من الخارج، فقد افتقد التنظير والتقعيد الصارمين. والمفهوم ليس مجرد تعبير او كلمات، ولكنه في جوهره فلسفة ورؤية للعالم في ظرف تاريخي معين. وكان هذا هو الحال في اوروبا، حيث ولد المفهوم في الفكر السياسي الغربي، إبان صعود البورجوازية الغربية وظهور الدولة الوطنية ثم نمو اقتصاد السوق. وهنا يظهر الفوات التاريخي، فمثل هذا التطور لم تعرفه المجتمعات العربية بهذا الشكل أو حتى ما هو أقرب منه، لذلك اكتفت باستلاف الفكرة وجاءت خارج السياق التاريخي. وهذا ليس عيباً في حد ذاته في عالمنا الراهن المتشابك، شرط أن تثبت هذه المجتمعات قدرتها على تكييف مفهوم ووظائف المجتمع المدني الحديث مع واقعها اي دمجها في الثقافة العربية، مع مراعاة ما يمكن أن يسمى خصوصيات.
وقد قاد هذا الشكل للبداية والتكوين الى حالة من تكريس الاغتراب والغربة، وصار من الصعب التخلص منها. وفي نفس الوقت أصبح من السهل على خصوم واعداء المجتمع المدني ان يقوموا بابتزاز ناشطي ومناصري المجتمع المدني في المجتمعات العربية من خلال اتهامهم بموالاة الاجنبي والانحياز للغرب، بل والخضوع لارادة المستعمر وتنفيذ اجندته. ويرى فيهم خصوم المجتمع المدني حصان طروادة جديد يمهد لعودة الاستعمار الحديث تحت دعاوى الديمقراطية وحقوق الانسان. وصارت الدعوة للمجتمع المدني جزءاً من الصراع السياسي والايديولوجي، وتمت أدلجة وحزبنة المفهوم في العالم العربي. وكان من الطبيعي أن تعارض النظم الشمولية والاحزاب التقليدية والمحافظة انتشار ثقافة المجتمع المدني ــ فكراً وممارسة. وهذا أمر متوقع، لأن انتشار قيم المجتمع المدني سوف تهدد قبضة الدولة المطلقة على المجتمع بكل فئاته وشرائحه، واحتكار الفضاء العام. وتقف ــ للمفارقة ــ بعض القوى التقليدية والمحافظة، وهي خارج السلطة، وبالذات الجماعات الدينية، ضد المجتمع المدني وذلك بسبب ما تراه المصدر الغربي للفكرة، ولخطابه الداعي للتعددية وحرية الرأي والمعتقد، وتحرير المرأة. ولكن فعلياً، وللمفارقة، تبنى بعض الاحزاب الدينية منظمات أو شبه منظمات «مجتمع مدني»، هي في الحقيقة متناقضة لاهداف وفلسفة المجتمع المدني، فهي مفرغة من مضامين واولويات مثل الديمقراطية وحقوق الانسان. ولكن شكلها الخارجي وتكوينها الطوعي او الجمعي، يغري الكثيرين بتصنيفها ضمن مؤسسات المجتمع المدني.
واهتم بعض الباحثين بقضية قياس فعالية المجتمع المدني وامكانية تحديد المعايير، والصعوبات التي تواجه القياس. وتساعد نوعية المعايير المستخدمة في معرفة مدى تطور وقدرة المجتمع المدني على التغيير والمقاومة. وتقترح بعض المؤشرات باعتبارها مقياسا أو دليلا لاختبار فاعلية المجتمع المدني، وهي تمثل التوقعات أو الشكل المعياري المرتجى لاحداث الاصلاح الاقتصادي والسياسي الشامل. وترى أغلب الكتابات في هذا الأمر ضرورة أن يقوم المجتمع المدني المطلوب بدور الفاعل المبادر، والا يكتفي «بردود الفعل الاستجابية» لاشباع حاجات اساسية، وانما عليه توجيه السياسات العامة الى القضايا الاساسية والمناهج في الاداء. وللمجتمع المدني، كما تقول احدى الباحثات: «دور مهم في عملية التغيير الثقافي والاجتماعي، من خلال التأثير الايجابي على قيم واتجاهات، وتحويل قطاعات من المجتمع «خاصة الشباب والنساء» الى مشاركين وليس مجرد «مشاهدين» أو«متفرجين». وتضيف بأن المجتمع المدني الفاعل ينبغي ان يستند على مفهوم «التمكين» الذي يستهدف الفئات المهمشة في المجتمع من خلال توفير القدرات الذاتية لها، لكي تتمكن من الاعتماد على نفسها، وتوسيع فرص الخيارات لها. ويرتبط كل هذا بالتأكيد على الوظيفة الدفاعية (Advocacy) وهي تتمثل في الدفاع عن الحريات والحقوق الاساسية للمواطن وتعميق احترام الديمقراطية. وتشترط المعايير أن يستند المجتمع المدني الفاعل على مواثيق شرف اخلاقية، تجسد الشفافية والمساءلة والمحاسبة واحترام الخلاف والاختلاف، ودعم الممارسة الديمقراطية. (1)
اضافة الى الأبعاد والمعايير السابقة ذات الطابع الفني، ارتبطت فعالية المجتمع المدني العربي، وقدرته على المقاومة واحداث التغيير بضرورة الوضوح الفكري والنظري، والذي ظل مطلوبا رغم هجرة المفهوم الى العالم العربي او العالمثالثي عموماً. ومن المعلوم ان اختلاف السياق التاريخي يعني بالضرورة اختلاف وتباين الادوار بسبب الرؤية والفهم. فعلى سبيل المثال، كان للمجتمع المدني في الغرب دور فرضته ظروف سيطرة الدولة القوية أو بالأصح الدولة الشرعية، أي دولة القانون والمؤسسات. ومن الجانب الآخر نجد الدولة العربية ــ في حقيقتها ــ هشة وعاجزة وضعيفة، ولكنها عدوانية وقمعية بافراط بسبب فقدان الشرعية وانقطاع علاقتها بمجتمعها، مما يجعل تطور ودور المجتمع المدني العربي مختلفاً، ويعرقل كثيرا ازدهار المجتمع المدني. وتعتبر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني من أهم القضايا النظرية، ان لم تكن أهمها على الاطلاق. ولذلك فهي تحتاج الى حسم او على الاقل قدر كبير من الوضوح، ولكنها ظلت معلقة في الساحة الفكرية العربية. ويعود ذلك بالاضافة الى طبيعة الدولة، كما اسلفنا، الى تطور المجتمعات العربية نفسها. فهي تمر بمرحلة انتقالية يتعايش/ ويتناقض فيها الشكلان التقليدي والحديث في تزامن ينجم عنه الكثير من المشكلات والتوترات المعوقة للتغيير والتحول. وهذه الثنائية أو الازدواجية عقبة حقيقية، اذ يعتبر كثير من المفكرين العرب، أن المجتمع المدني هو نتاج المدن. وهنا يتضح دور البورجوازية في قيام المجتمع المدني، مما يقود الى مشابهة غائبة أو لا تاريخية على الأقل.
ويرجع الضعف التنظيري والفكري الى عامل تكويني مرتبط بنشأة المجتمع المدني العربي. فقد طغت على بداياته الأولى هيمنة النشطاء او الحركيين على حساب المفكرين والمنظرين. فقد سبقت النشاط وتكوين المنظمات، جهود الكتابة في تحديد المفهوم والنظريات المرتبطة به. ومن الملاحظ قلة الكتابات النظرية في المجتمع المدني ذاته مقارنة بالكتابة عن نشاطه العملي وبالعدد الهائل المتكاثر للمنظمات. وهذا اتجاه سائد في الواقع العربي، يقلل من قيمة التنظير، بل قد يحقّره البعض حين يصفون شخصا ما بانه «مجرد منظراتي»، باعتبار أن كل منظر هو عمليا غير قادر على التطبيق والعمل. وهكذا افتقد مجال المجتمع المدني فضيلة اعادة فهم ذاته ونقدها لاحقاً بقصد التطوير والتجديد والتعميق. وبالتالي لم يستطع تجاوز عيوب النشأة والتكوين الأولى، ومال المجتمع المدني العربي الى ان يتحرك كثيراً ويفكر قليلاً. ويظهر ذلك في قلة الأدبيات العميقة والأصيلة التي تؤصل فكرة وفلسفة المجتمع المدني في سياق آخر مختلف عن الحالة الغربية المغايرة، لذلك لم يستطع رد تهمة التقليد والتبعية الفكرية. وقد تسبب ذلك في نشاط زائد لا يطلب منه الرؤية والفكر الذي يسند الاهداف من العمل والنشاط، وحدث خلط في تحديد منظمات المجتمع المدني الاصيلة. وأدرجت في التصنيفات الجمعيات الخيرية والروابط الدينية، وتسللت جمعيات تشكلها الحكومات لاغراق المجتمع المدني.
وانتقل النقاش حول دور الدولة الى فكر المجتمع المدني العربي رغم الاختلاف في سير التطورين في الغرب والعالم العربي، فقد صاحبت نشأة المجتمع المدني الغربي تحولات اقتصادية وسياسية ايديولوجياً ونظماً سياسية واقتصادية يصعب تكرارها بنفس الصورة السابقة التي شهدت نمو الرأسمالية واقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية. ولذا كان من الطبيعي أن تشغل الغرب مسألة مدى تدخل الدولة في المجتمع، وفي الفضاء الخاص. وكان على المهتمين بتطور المجتمع المدني العربي ادراك هذه الحقيقة عند القيام بتحليل تجربتهم الخاصة. ويرى احد الباحثين العرب ان المجتمع المدني غير الغربي، يجب ان يعمل على تكريس وتجذير بعض المبادئ مثل تحقيق التوازن بين الدولة والمجتمع، والحد من تسلط الدولة وبطشها بالمواطنين. مع التأكيد على ان يتم ذلك في اطار الخصوصيات الثقافية والحضارية والتاريخية التي تميز كل مجتمع او شعب.(2)
ويقدم باحث آخر نموذجا مختلفا لعلاقة الدولة والمجتمع المدني، من المغرب العربي، اذ يقول: «ان النضال النقابي للعمال والطلبة خاصة، والمعارضة السياسية والثقافية، وانواع القمع العنيفة التي تعرضت لها، تشهد هنا على أن حركة الدولة داخل المجتمع، واختزال المجتمع المدني في دور العامل المساعد للدولة، لم يمر دون منازعات واحداث». ويرى أن هذه المقاومة، المنظمة خاصة حول الحركات النقابية وأحزاب المعارضة المنحلة في تونس والجزائر، لم تضع موضع التساؤل دور الدولة. ولكنها انتقدت من وجهة نظر «اجتماعية» خطها السياسي. ويضيف أن هذه التنظيمات كانت تتصور علاقتها مع الدولة من منظور انقلابي، أي اعادة بناء الدولة على أسس اشتراكية أو على الاقل ذات بعد اجتماعي، وبالتالي استبدل العمل النقابي بالفعل النضالي. ولم يتغير هذا الوضع الا في نهاية سبعينيات القرن الماضي مع ظهور اشكال ومضامين جديدة للمجتمع المدني. ويختم بالقول: «فإن المجتمع المدني المغاربي تحقق أساسا ضد الدولة ومن خلال شكلين من التعبير والتصور مرتبطين بمستويين متمايزين للحياة الاجتماعية: الأول يتمحور حول بنية النشاط الاقتصادي والاجتماعي، والثاني حول الهوية الثقافية والاخلاق والدين... وبعد أن كان الشكل الأول الأساسي للنزاع مركزا بين الدولة والمجتمع، بدأ هذا الشكل ينسحب تدريجيا ليترك المجال للشكل الثاني الذي يمارس عملية احتواء، تكتسح رهاناته المجال بكامله، حيث تحل الشريعة محل الديمقراطية». (3)
وفي الحالة الغربية أخذت العلاقة مع الدولة شكل الصراع. ولكن في الحالة العربية، يرى البعض ضرورة التوازن في علاقة المجتمع المدني مع أجهزة الدولة رغم أن بعض عناصر المجتمع المدني قد تكون في وضعية معارضة او خصومة مع النظام القائم. وهنا قد تكون أولى خطوات المقاومة التي قد نسميها مقاومة (فابية) اي لا تمثل المواجهة المباشرة او العدائية. فهي معركة في مجال الديمقراطية او التحول الديمقراطي، اذ تكاد معظم النظم العربية الحاكمة عديمة او ناقصة الديمقراطية، لذلك تحتاط ضد نمو المجتمع المدني بصورة طبيعية. فالنظم العربية ضمن ممارستها الشمولية تقوم بدور المشرّع والمنظم والحكم للمجتمع المدني. ولأن منظمات المجتمع المدني، لا بد لها ان تسجل وفق قوانين تضعها السلطة السياسية الحاكمة، وفي كثير من الاحيان قد تكون قوانين متعسفة او مقيّدة، فيكون الصدام حتمياً. وهذا شكل لمقاومة تسلط الدولة، ولا بد لمنظمات المجتمع المدني من انتزاع حقها في وضعية شرعية تسمح لها بالعمل ضمن أوضاع قانونية معترف بها. وتضع النظم العربية المعوقات الادارية امام منظمات المجتمع المدني، باعتباره عدواً طبيعياً للشمولية والدكتاتورية، ولكنه في نفس الوقت ليس بديلاً للمجتمع السياسي ولا الدولة. وفي حالة الدول الديمقراطية تقوم الدولة بدور الوسيط او المنسق في التعامل مع المجتمع المدني.(4)
ومن الملاحظ ان المجتمع المدني العربي يجد نفسه مبكراً في صراع حول الديمقراطية، وهو يحاول انتزاع حقه في الشرعية والوجود نفسه. وتعتبر معركة اكتساب حق العمل، تمرينا جيدا لمنظمات المجتمع المدني من أجل الديمقراطية والحقوق الاساسية في حريات التنظيم والتعبير والتجمع والحركة.
ومن أهم مجالات المقاومة الممكنة والفعلية: مسألة حقوق الانسان، وحقيقة تنشط منظمات حقوق الانسان العربية بدعم وتضامن من المنظمات العالمية المختلفة. وهنا واجه المجتمع المدني العربي اشكالية ضعفه النظري بصورة ملموسة، فقد رفع المعارضون لمبادئ حقوق الانسان قميص عثمان فكري في وجه المبشرين بحقوق الإنسان في العالم العربي، وتمثل في: الخصوصية. وقد ادعوا ان فكرة حقوق الانسان مستوردة وهدامة وهي ــ في نظرهم ــ جزء من المؤامرة الغربية التي تستهدف الاسلام والمسلمين. ولم يجدوا في كل منظومة حقوق الانسان غير حقوق المثليين أو حقوق النساء في الاجهاض. وتم اختزال حقوق الانسان بطريقة مغرضة ومخلّة بقيم حقوق الانسان. وتقف أغلب الحكومات العربية خلف المروجين لمثل هذه الافكار، وتعقد لهم المؤتمرات والندوات، وتدعم كتبهم واصداراتهم المختلفة. واستطاعت الحكومات والقوى المحافظة والرجعية أن تبقي دعاة حقوق الانسان والناشطين في حالة دفاع مستمرة، خاصة حين تربط ذلك بمواقف منظمات مثل Amnesty International, Africa Watch,Middle East Watch بالاضافة لمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة، والمنظمات الاقليمية المهتمة بحقوق الانسان، واستقلال القضاء، ومناهضة التعذيب، والقضاء على التمييز ضد المرأة. وتكمن مشكلة منظمات المجتمع المدني العربية في اعتمادها شبه الكامل على الادبيات الآتية من الخارج، ومازالت المساهمات العربية المتعلقة بموضوع خصوصية وعالمية حقوق الانسان شحيحة ومحدودة، مقارنة بحملة الطرف الآخر. وهذا لا يعني عدم وجود خصوصيات ثقافية، ولكن المطلوب عدم افتعال هذه الخصوصيات في مواقف من قيم ومبادئ وممارسات بدأت غريبة ولكنها تحولت الى انسانية. فمن التناقضات المضحكة أن يقف إنسان ضد المطالبة بترسيخ وتوسيع حقوق الانسان. فمن الممكن الحديث عن خصوصية داخل حقوق الانسان وليس خارجها، أي بعد قبولها مبدئيا. فعلى سبيل المثال يمكن القول إن الحقوق الاقتصادية والثقافية ذات أولوية بالنسبة لنا، بسبب «خصوصية» أوضاع التخلف والفقر وضعف الوحدة الوطنية في بلادنا.
ولم تتوقف الهجمة على منظمات حقوق الانسان بسبب المصدر الغربي للفكرة والعلاقة بالخارج من خلال التمويل والتشبيك أو التنسيق، ولكنها مع ذلك حققت نجاحا نسبيا مقارنة بالمنظمات الاخري. اذ لم تعد انتهاكات حقوق الانسان «شأنا داخليا» وساعدت العولمة من خلال تطور وسائل الاتصال والمواصلات، وحداثة طرائق التوثيق والتصوير والتسجيل، على اثبات وتوزيع الانتهاكات. وتزود منظمات حقوق الانسان رصيفاتها في العالم بالمعلومات اللازمة لكتابة التقارير ونشر حالة أوضاع احترام حقوق الانسان في البلدان المختلفة، على نطاق واسع. ومما يدل على تغيير نسبي، واهتمام الدول العربية بصورتها في الخارج، محاولتها نفي التقارير، وفي بعض الحالات أعلنت بعض الحكومات انشاء لجان أو منظمات لحقوق الإنسان.
٭ مركز الدراسات السودانية

الصحافة

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1700

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#20268 [حمدى مرسى]
1.00/5 (1 صوت)

08-31-2010 08:02 PM
شكرا دكتور حيدر على اثرائك الدائم للساحة الفكرية السودانية بكل ما هو جديد وواقعى ---- بس دكتور صراحة العنوان غريب شوية لماذا المجتمع المدنى العربى


#20093 [عبد المجيد الصاوى]
0.00/5 (0 صوت)

08-31-2010 11:34 AM
ياكتكوت الفشل المتواصل منذ الاستقلال لازم معرفة اسبابه كالمرض تماما يلزم تشخيصه لعلاجه واى اسهام يفيد يوما ما


#19880 [كتكوت]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2010 03:26 PM
ياجماعة الخير كلامكم والله زين لكن محمد احمد المسكييين دا داير ياكل ويلبس ويشتغل يعنى باختصار داير بس ابسط متطلبات العيش الكريم اول حاجة ماكلاااااااام مثقفاتية . الكلام دا بعدين لمن المغلوب على امره يعيش فى رفاهيه ممكن لكن هسع لا لا لا لا لا والف لا لا
اغذية فاسدة كهربة قاطعة موية صير مواصلات طابور وكمية من دكاكين عطا فى كل الاحياء
بالله شوف حقوق الانسان والهجمة الغربية ومنظمات المجتمع المدنى ووووو وووووووووووووووووب


د. حيدر إبراهيم علي
د. حيدر إبراهيم علي

مساحة اعلانية
تقييم
1.52/10 (117 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة