03-03-2012 12:35 PM

العملية السلمية للمناصير

عبدالله أدم خاطر

زالت دهشتي للاهتمام المتزايد الذي وجدته وتجده قضية المناصير من قبل جمهور الناشطين في الحقوق والحريات وجماعات الانصار وقيادات حزب الامة، عندما عرفت ان المناصير وهي مجموعة سودانية متماسكة من جذور عربية، تسكن على ضفتي نهر النيل على امتداد نحو 150 كلم من حدود محلية مروي بالولاية الشمالية جنوبا الى حدود محلية ابو حمد بولاية نهر النيل شمالا، كانت قد قامت بادوار بطولية في مواجهة خطط بريطانية لانقاذ الجنرال غردون في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، والذي كان محاصرا بجيوش سودانية وطنية تحت قيادة الامام محمد احمد المهدي.
لقد قتل المناصير ضمن عناصر المقاومة المهدية في الشمال قادة مميزين في الجيش البريطاني، ففي سبتمبر 1884م، قتلوا بتدبير الشيخ سليمان النعمان ود قمر، الكولونيل ستيوارد الصديق الشخصي للجنرال غردون ومعه القنصل الفرنسي مسيو هيربن ومستر باور احد مساعدي غردون، ومعهم افراد من عائلاتهم. في فبراير من العام المقبل 1885م، تمكن المناصير ضمن تجمع قوات المهدية، وبرغم الهزيمة التي لحقت بهم، ان يقتلوا في بطولة نادرة الجنرال إيرل، ومساعديه إير وكوفتي وبعض مرافقيهم من الجنود.
لتلك الحقائق التاريخية البطولية حاق بالمناصير ظلم متوارث ابرز مظاهره ان خط السكة حديد وهو طريق حياة تم تشييده بعيدا عنهم ولا يمر الا بخمس محطات خلوية، وهكذا تُركوا لاقدارهم في اربع عشر جزيرة ولم تنكشف مظاهر ظلمهم امام انفسهم بجلاء، الا ببداية تشييد خزان مروي. على ان المنطقة من ناحية اخرى جزء من تاريخ الشمال السوداني الذي امتد الى العهد الاثيوبي، وممالك النوبة المسيحية وفترة العنج، ومن ثم العهد الاسلامي المعاصر.
ضمن مجموعة قومية للتعرف على قضية المناصير، اطلعت على مذكرات ووثائق تم تداولها روتينيا بين الاطراف، بيد انها تحكي عن قصة واحدة ومتكررة في ارجاء السودان، قصة الظلم التاريخي المتوارث من الادارة المركزية التي اسستها الادارة البريطانية، ولم نفلح كسودانيين في التعرف عليها الا بالصدف ولا نعالجها الا بالتجزئة والتجربة والخطأ، او كما نفعل في سياق حكوماتنا المتعاقبة وطنيا. ان رؤية حكوماتنا لما نراه مظالم هي ذات الرؤية الاستعمارية التي لا ترى السودانيين الا وهم خاضعون لنظام مركزي قاهر ووسطاء له في مختلف المناطق والمهن، ولا ترى اسلوبا لحل النزاعات معهم الا باستخدام العنف والعنف المفرط واخضاع اصوات الاحتجاج بالحقوق.
لا فرق بين العنف المفرط الذي استخدم في اعادة استعمار السودان بكرري وام دبيكرات، واخضاع المقاومة الوطنية وقتل ممثليها كما حدث في حالة السلطان علي دينار والسحيني وعلي الميراوي وود حبوبة والقادة الوطنيين في النيل الازرق، كما انه ليس هناك فرق بين استخدامات العنف في تلك الحالات السابقة، والعنف الذي ظلت تستخدمه الحكومة المركزية بمسمياتها المختلفة والى اليوم في مواجهة المطالب السودانية ، في جنوب السودان السابق، وجبال النوبة وجنوب النيل الازرق وشرق السودان ودارفور ، وفي مواجهة احتجاجات متأثري سد (الحماداب) والذي يظن المناصير انه الاسم الحقيقي للسد، سواء كان ذلك في امري عندما قتل اناس في فسحة دراسية بمدرسة عامة ، او في الكربكان عندما ساعدت الصخور الناس وباعدت بينهم وبين الاذى الجسيم للآليات الحربية، هذا فضلا عن محاولات من متنفذين لاستخدام قدرات سلاح المدفعية (لابادة) المناصير لولا لطف الله تعالى وحكمة قيادات عسكرية.
لقد عقدت الدهشة حواجب المناصير عندما واجهتهم الحكومة الاتحادية بالتحدي والعنف وهم يبحثون بوسائل سلمية سبل الوصول الى حقوقهم المشروعة دستورا بالتعويض والتمكين لهم من اسباب حياة قابلة للاستدامة، خاصة وانهم بالاساس رحبوا بالسد كقاعدة تنموية جديدة للبلاد بالمنطقة. بعد مثابرة في مفاوضات ملطخة بعنف الدولة، ولنحو عقد من الزمان لم يجد المناصير الا العودة الى ذاتهم المتحدية للظلم والاستفزاز، واعتصموا منذ العشرين من نوفمبر الماضي في ميدان العدالة بتسميتهم شرقي مباني حكومة الولاية بالدامر، ليشهدوا المجتمع السوداني على تصميمهم الراغب في حقوقهم المشروعة على نحو مماثل للتجربة المصرية التي جرت بميدان التحرير بالقاهرة ، ولكن لاغراض سياسية اوسع.
ان اعتصام المناصير بميدان العدالة، لم يكن مفاجئا للسلطات، فقد قرروا في بداية العام الماضي 2011م، لفت الرأي العام نحو مطالبهم ومطالبين في ذات الوقت بتنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم (277) لسنة 2002م، والقرارات التالية له بشأن التوطين حول مشروع المكابراب ومواقع حول بحيرة السد، وهو ما يعرف بينهم بالحل المحلي.. في خطوة لاحقة قرر المناصير الاعتصام بعاصمة الولاية الدامر في 2011/7/15م، ولكن ذلك الاعتصام تأجل بمبادرة من والي الولاية ورئيس الهيئة البرلمانية لنواب ولاية نهر النيل ، حيث تم الاتفاق على تأجيل الاعتصام باساس جدول زمني معلن للحقوق بما في ذلك صرف استحقاقات تشمل الترحيل والاعاشة ومبالغ التزوير من ناحية ومن ناحية اخرى انشاء محفظة لتمويل الخيار المحلي في مدة لا تتجاوز 2011/7/28م، لم تثمر تلك المبادرة الا ما اثمرته مسألة الاعتصام المحلي من (التسويف والمماطلة) . عندما خاطبوا الجهات المسؤولة عن نيتهم الاعتصام والتصديق لهم بذلك لم ترفض السلطات طلبهم وحسب بل سعت الى افشاله، فلم يجد المناصير بُدا في اقتحام ميدان العدالة، واصبحوا بنشاطهم اليومي فيه واقعا ماثلا امام الرأي العام السوداني، واقع يطالب بحل عادل وعاجل لقضيتهم ضمن متأثري سد مروي.
لقد لخصت اللجنة التنفيذية للمناصير مطالبهم المشروعة دستورا في حالة كونهم معتصمين بميدان العدالة بالدامر، وذلك في نهاية العام الماضي، في ثلاثة محاور، وهي:
الاولى : تكوين مفوضية قومية مستقلة لتجاوز النزاع غير المنتج مع وحدة السدود حول مشروعية تنفيذ الخيار المحلي.
الثانية: ضمان حقوق المتأثرين بتوفير المبالغ الضرورية للتعويض واقامة المشروعات الزراعية الخاصة بالتوطين وتوزيع الحواشات، وجبر الضرر، وتكملة دفع مستحقات الاعاشة والترحيل ومعالجة تزوير حقوق المتأثرين.
الثالثة: الخدمات المرتبطة بحقوق المتأثرين.
من خلال تجربتي في العملية السلمية لدارفور تعلمت اكثر وبمنهجية ان الظلم مهما تطاول عهده، فانه يمكن رسم الطريق لتجاوزه، وان الظالم مهما بلغت سطوته فإن العقاب سيطاله في خاتمة المطاف ان لم يرضخ للحق وان الحقوق مهما تباعدت فانها تُرد لأهلها كيفما كان الضعف الذي يعيشونه، وذلك بدعم الآخر الوطني والانساني وربما الدولي وفوق هذا وذاك الدعم الإلهي، واليوم فإن السودان قد خطا في توسع لتوطين التنوع في مجالات متعددة، بما في ذلك التنوع في حل القضايا النوعية سياسيا واقليميا محليا ، بدءً باتفاق السلام الشامل (2005) والاتفاقات التي تلت.
وهكذا فإن الازمة التي عاشها ويعيشها المناصير، بوطنيتهم وجرأتهم على المستعمر، ومثابرتهم السلمية لاسترداد حقوقهم ربما تقدم نموذجا جديدا في سياق العملية السلمية السودانية. ان المناصير وسواهم من المتأثرين بسد مروي في حالة نزاع على حقوق دستورية معترف بها مع حكومة السودان (الولاية، وحدة السدود، رئاسة الجمهورية) وفي كيفية تنفيذ اصول الحقوق والبناء عليها مستقبلا من الحقوق المجاورة واللاحقة، مما لا يمكن بلوغه الا بارادة سياسية وطنية مشتركة، وتمويل حقيقي شراكة بين الاطراف والمستثمرين والانسانيين الدوليين وذلك على اسس دستورية قانونية ادارية واضحة تكون محل اتفاق الاطراف. على ذلك فإن دور المسهلين الوطنيين ضرورة قصوى في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العملية السلمية ولعل التاريخ سيذكر بالخير جهود لجنة حسن عثمان رزق والمجموعات القومية الاخرى ولكنها جهود ليست كافية على المدى البعيد، فالاطراف في حاجة لاتفاق مشهود وقابل للتطبيق بتعاون الجميع ومراقبة الرأي العام السوداني.

الصحافة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 889

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله أدم خاطر
مساحة اعلانية
تقييم
7.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة