في


المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تتبارك حيثما كنت ايها الشريف (تنجل)
تتبارك حيثما كنت ايها الشريف (تنجل)
03-06-2012 08:54 PM

تتبارك حيثما كنت أيها الشريف ( تنجل )

محمد عبد الله برقاوي
bargawibargawi@yahoo.com

الغربة ربما أخذت منا عمرا لن يعود ، وشبابا لن تتفتح زهرته وان ظلت خضرة القلوب عزاء يعوضنا عن أوراق النضار التي تساقطت بعيدا عن منبت الجذور !
لكن رغم غلاوة ما أخذته منا من سنوات فانها أعطتنا عائدا ربما زاد من فوائد السفر التي لم تعد خمسا فحسب مثلما كانت في عهد رحلات ابن بطوطة ، نتيجة تطور الحياة واتساع دائرة المعارف وسهولة الحركة فيها وانفتاح الانسان على بعضه سلما أوحتى حربا !
ولعل أهم تلك الفوائد رغم ازديادها هي
( صحبة الأماجد )
فقد كنا قبل خروجنا منغلقين على انفسنا لانرى ذواتنا الا بأعيننا ولا نسمع بأذاننا غير أصواتنا !
فانطلقنا في زمن الشتات القسرى الى فجاج الأرض نتنسم عبق الآخرين من خلال التغلغل في مسامات حياتهم لغة وعادات وثقافات ، ومع اختلافها فهي لاشك تعني الانصهار في الآخر ، الذي اقترب منا ايضا من ناحيته ليعيد اصلاح الصورة اذ وجدنا بناة أوطان ولسنا كسالى في بلاد الأخرين ، وحتي نظرته لسمارنا من منطلق ظنه لأعجمية متوهمة فينا كما لمسنا من أقرب الأقربين الينا، لكن تلك الصورة صارت مثارا للدهشة التي سطرها لساننا بفصاحته وجمال أعماقنا الذي ينفذ الى القلوب شاقا الجلود بلمسة لاتجرح ، ودلق منا الصفاء اليهم نصاع سريرتنا في دواخلهم قبل الأعين بياضا كعمائمنا التي تميزنا ، لم تشوهه بعض الثقوب السوداء التي نثرها غثاء السيل من رذاذ تزايد وتلاطم أ مواج هجرتنا في السنوات العشرين الأخيرة التي ضربت كل الشواطيء ، القريبة منها والبعيدة !
من اولئك الآماجد في رفقة الاغتراب كان.. سيد أحمد مشهور( تنجل ) أي الشريف بلغة بلده الهند حيث يناديه الناس من أهله حتي في الغربة لانه كما ذكر لى حينما سألته عن سر تلك التسمية ، فاجابني ، وهو يحاول أخفاء فخره في تواضع ليس مصطنعا و يرمي بنظراته الى اصابع يديه وهي تتشابك في انسجام مع تلون بسمته البريئة ، انه من سلالة شريفة نزحت بتجارتها من الجزيرة العربية فنشرت الاسلام والعلم في انحاء مختلفة من اسيا واستقرت في جنوب الهند ، فحفظ لها الناس جميلها بتقديس واحترام ، واطلقوا على المتحدرين من ظهرها وأفخاذها، لقب تنجل أي الأشراف !
كان شابا رقيق الحواشي قارئا للقرآن والحديث ، ورغم وظيفته البسيطة كفراش لكنه كبير في عطائه عظيم في ايثاره ، عمل معي في دائرة واحدة على مدى ربع قرن ، منذ أن كان دون العشرين ، في خدمة انفق نصفها في سداد ( دوطة ) اخواته البنات وفقا للتقاليد الهندية التي تدفع فيها العروس المهر لسعيد الحظ العريس !
وحينما فرغ من تلك المهمة انتقل بطيبة خاطر في النصف الثاني من كد غربته لايفاء مهور بناته اللائي أصبحن هن الآخريات منذ سنوات قليلة في سن الزواج !
ورغم كل عنائه لم ينتقص ذلك من حبه للحياة والتصاقه بالناس فقد كانت سعادته في شقائه من أجل الآخرين، فما أن يرى أحدا من المراجعين لم يقوى على بلوغ نافذة الخدمات في الوزارة لكبر سنه أو مرضه او ضعفه رجلا كان أم امرأة حتي يستلم أوراقه و يركض حول المكاتب لمساعدته!
ولكونه ارتبط بي مباشرة ، فقد كون صداقات من حصيلة اصدقائي لاسيما السودانيين منهم ، فيهش لهم باسما ما أن يرى أحدهم يقصد مكتبي ، وكان منهم استاذنا الموسيقار الكبير بشير عباس ابان اقامته القصيرة بالامارات، وحينما علم تنجل انه ملحن ولديه أغنية اسمها لون المنقة ، أصبح يناديه ( عمى ابو المنقة) فيضحك بشير لخفة دم تنجل الذي يهرع لتلبية طلبه وقد بات معروفا لديه ، الماء البارد والشاى بالهبهان ، وعندما يقترب لتقديم الطلب لاستاذ بشير يمسح على رأسه ويشكره قائلا
( ياولدى يامشهور تتبارك ما تتشارك )
سالني مرة عن معني العبار ة فشرحتها له فطاب له ذلك ، وكانت مدخلا لأغنية ( تتبارك ) التي كتبتها و غنتها البلابل من الحان بشير وبايحاء من مودتنا معا للشريف تنجل وتخليدا لها!
وتعبس الايام بوجهها في غربتنا وتعبث اياد القدر برصة مقاعد الحلاق المسماة بالوظيفة الزائلة ، ونفترق !
فبكي تنجل بحرقة حينما كنت ألملم أوراقي لمغاردة مكتبي للمرة الأخيرة ، وظل يداوم على الاتصال بي في اخلاص ، على غير الكثيرين الذين انفض سامرنفاقهم بعد أن ذهب بريق المنصب الزائف!
كان ذلك منذ سنوات خمس .ثم سافرت أنا !
وعدت من السودان الى الامارات في العام الماضي قصدت زيارة تنجل بالوزارة ، فوجدت سيف
( التفنيش ) قد طال رقبة رزقه هو الأخر ، وغادر الى بلاده عسى أن يفتح الله عليه بابا أوسع للرزق هناك ، ولعله لم يجد هاتفي بالسودان وهو يحزم حقائبه ليسكب دمعته الصادقة في اذني ، مثلما تخونه دوما الكلمات التي تحترق في نار عبرته وهو يسأل عن الصحة والأوضاع و يتحسر على أيام ، أحسسنا فيها سويا بالمعنى الحقيقي لحب الانسان لأخيه الانسان ، وان اختلفت فيهما الألوان وتباعدت الاوطان ومنطوق اللسان وتفاوتت درجات الوظائف الخؤونة!
(تتبارك و ما تتشارك ) أيها الشريف تنجل سيد أحمد مشهور ، حيثما كنت ، ولا أدرى ان كنا سنلتقي أم لا رغم أن صورتك خلف غلالة الدمع في عيوني المفجوعة فيك ، تقول اننا لم نفترق أبدا.. يا حفظك الله في حلك وترحالك .وشفى الله أستاذنا بشير ذلك الفنان الذي رسمك ايها النغم الحنون بريشته الناعمة في أوتاره كذكرى ستبقى وان فنيت الجسوم ...
انه المستعان.
وهو من وراء القصد..

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1455

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#306188 [فيصل اسحاق عمر]
1.00/5 (1 صوت)

03-07-2012 08:44 AM
التحية لك الاخ محمد
لا ادري ولكنني في هذا المقال تذكرت الوالد برقاويً وكريم خصاله فليس ما كتبته بغريب عليك ولكن لكم احزننيً فراق هذا الشريف من غير وداع او حتي عنوان للمراسلة ولعل العزاء في انك خلدت ذكراه بهذه الاغنية تتبارك عسي الله ان يجمعك به علي مقاعد من نور كما ورد في الحديث الصحيح
مع خالص البقديرً والتبريكات


#306137 [مجنون ليلى]
0.00/5 (0 صوت)

03-07-2012 03:50 AM
على غير الكثيرين الذين انفض سامرنفاقهم بعد أن ذهب بريق المنصب الزائف

اشتاذ/ برقاوي لك التحية

استوقفتني كثيرا العبارة اعلاه ، لا ادري لماذا ؟؟

ولكنني تخيلتك كنت تبدع في عملك ويظهر هذا العمل للناس بإسم غيرك من الناس ،لا ادري لماذا؟؟؟

تخيلتك كنت تعمل بجد وتفاني واخلاص وابداع وغيرك يترفع للاعلى ويتحصل على المكافأت والعلاوات السنوية وشهادات الشكر والثناء ، لا ادري لماذا؟؟؟؟

تخيلتك كنت تستقطع من اوقات اجازاتك الاسبوعية ضاربا عرض الحائط بمصالحك الشخصية والاسرية من اجل مصلحة العمل وعند حوجتك لقليل من الوقت لقضاء بعض حوائجك في دائرة اخري او لمرافقة اسرتك من اجل العلاج في احدى المستشفيات كنت تتحسس من طلب هذا الوقت وعند الموافقة عليه كنت تفهم من كلام المسؤول بعدم تكرار هذا الطلب في القريب العاجل ، ولا ادري لماذا ؟؟؟

تخيلت كنت تدرب غيرك من الموظفين الجدد ( وفجأتن ) وبقدرة قادر يصبح هذا المتدرب رئيس قسم ثم فجاتن مرة اخري تجده مدير ادارة فرعية ثم مديرا عاما وعندها ولمقابلته لابد من اخذ مواعيد مسبقة وتجده انشأ عازلا من الفولاذ بينك وبينه متنكرا لماضيه وجمايلك عليه وانك كنت احد اسباب منصبه هذا ، وبرضو لا ادري لماذا؟؟؟

وتخيلتك كنت تسمو فوق هذا وذاك ، فهذه لعمري اخلاق السودانين اينما وجدوا انها اخلاق الاشراف فلا غرابة فيما كان بينك وصديقك تنجل فشريف صادف شريفا يفوقه شرف وتشريف صادف محمد عبدالله برقاوي ابو الشرف زاتو ...

تقبل مروري وتحياتي

مجنون ليلى والهلال


#306075 [امبده امبدة]
5.00/5 (1 صوت)

03-06-2012 11:34 PM
هذا من طيب اصلك ونبل طباعك أيها الإنسان السوداني الاصيل ، كنت خير سفيرليلادك عكست صورة طيبة للسودان والسودانيين في الخارج . متعك الله بالصحة والعافية اينما كنت .


#306037 [Mohamed Omer]
5.00/5 (1 صوت)

03-06-2012 10:29 PM
التحية لك استاذي برقاوي والتحية عبرك للشريف سيد أحمد مشهور وشكراً لك علي هذا الصفاء


ردود على Mohamed Omer
Netherlands [shawgi] 03-07-2012 02:33 PM
قرأت هزا المقال وأحسست بأصالة هزاالسودانى وهزا يدلل على أصل معدنك وكريم أخلاقك حقيقة أنتم من مسل السودان خير تمثيل على المستوى الوظيفى وعلى مستوى العلائق الانسانيه لك منى كل التجله والاحترام ودمته.


محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة