المقالات
السياسة
استنهاض الأمة السُّودناويَّة
استنهاض الأمة السُّودناويَّة
11-15-2015 11:26 PM


لقد لفت انتباهنا ما لخَّصته جريدة الراكوبة الإسفيريَّة الصادرة يوم الأربعاء 5/11/2015م بعنوان: "الصادق المهدي: لست خائفاً من الاعتقال والحوت ما بخوفوه بالغرق". جاء في الملخَّص أنَّ السيد الصادق رهن عودته - من مصر التي يقيم فيها الآن إلى السُّودان (إضافة مني)- بقضايا ثلاث أعدها عداً، وهي حسب الترتيب الذي جاءت عليه: "أولها مؤتمر طرح نداء استنهاض الأمة العربيَّة الإسلاميَّة"، و"ثانيها مؤتمر مدريد لتناول قضايا المنطقة، والدور الدولي في تأجيج الأزمات، والدور الدولي المنشود في احتوائها، وإنَّ هذين الأمرين تم انجازهما". أما القضية الثالثة والأخيرة فهي: "لقاء جامع لقوى المعارضة تحدد له التاسع والعاشر من شهر نوفمبر الجاري في العاصمة الفرنسيَّة باريس، بمشاركة كل قادة الجبهة الثورية". "وأكد المهدي رفضه القاطع لأية محاولة لتغيير النظام بالقوة، وقال إنَّ العنف سيولد عنفاً مضاداً، يُدخل البلاد في متاهات لا تحتمل". انتهى الاقتباس. أما الملاحظات والتعليقات التي نود أو نوردها حول هذه التصريحات تشمل:

(1) ورد في "معجم المعاني الجامع" أنَّ كلمة "استنهاض" هي اسم ومصدرها "استنهض" فكأن تقول "استنهض نائماً" بمعنى "أيقظه ونبَّهَه" أو تقول "استنهض هِمَّته" بمعاني "حمَّسهُ أوبَعَثَ فيهِ الحَماسَ أو حَثَّهُ على الإقْدامِ". أما "استنهضه للمطالبة بحقه" فتحمل معنى "دعاه مستعجلاً إياه للمطالبة بحقه، وهكذا أيضاً "استنهض فلاناً للأمر" إشارة إلى "دعاه إلى سرعة القيام به". فالسؤال لماذا يعقد مؤتمراً يُطرح فيه "نداء استنهاض الأمة العربيَّة الأسلاميَّة بدلاً عن الأمة السُّودانيَّة، أم أنّ موضوع النقاش الذي طُرح على السيد الصادق هو الأمة العربيَّة الإسلاميَّة؟ هل هناك خطر محدق بهذه الأمة تجب مجابهته، وما هو هذا الخطر؟ لسنا من مناهضي أو خصوم العروبة أو الإسلام الذي هو ديني وعصمة أمري، ولكن حديث السيد الصادق غير الدقيق يدعو لهذه الأسئلة لأن هناك "نداء السُّودان" الذي طُرحته أحزاب المعارضة بما فيها حزب الأمة الذي يتزعمه، فهل تغاضى السيد الصادق عنه ليطرح نداءً جديداً؟ إنَّ القضية السُّودانيَّة الحالية لهي من صميم وفي عمق القضية العربيَّة- الإفريقيَّة–الإسلاميَّة. فلو تناول السيد الصادق هذه التراتيبية يكون قد خاطب المشكل دون أن يترك مجالاً للتخمين أو القراءات الخاطئة. ولكن من غير المقبول أبداً أن يصدر مثل هذا الحديث الغامض والحمال للأوجه والتفاسير من زعيم سياسي ومفكِّر في قامة السيد الصادق المهدي الذي ينظر إليه الكثيرون أن يكون "أمل الأمة السُّودانيَّة أو السُّودناويَّة". نقول هذا لأننا لا نعلم عن أية أمة يتحدث عنها السيد الصادق لأنَّ حديثه هذا يدعو إلى نوعٍ من الاستقطاب.

(2) تكمن رمزية الاستقطاب الحاد في جملة "الأمة العربيَّة الإسلاميَّة" مقابل "الأمة غير العربيَّة وغير الإسلاميَّة" وهذا بدون شك دعوة استقطاب داخل مكونات الشعوب السُّودانيَّة، خاصة الشريحة التي تؤمن بأصالتها الإفريقيَّة وبدينها الإسلامي وتلك التي لا تدين بالإسلام، فالتوقيت غير مناسب والدعوة في حد ذاتها غير مبررة. فلفظ "الاستقطاب" يعتبر أسلوباً سياسيَّاً يستخدمه السياسيون لجذب أتباعاً لهم أو تستخدمه أية دولة لتجذب نحوها دولة أخرى أو مجموعة من الدول من أجل التحالف لتحقيق هدف محدد. ففي الحالتين، سواء أكان قصد السيد الصادق هو جذب الأتباع أو الدول، فإنَّه لم يُوفق أبداً، إلا إذا كان يعني الأمة السُّودانيَّة الخالية من "دغمسة" التعدديَّة العرقيَّة والدينيَّة والثقافيَّة في الأمة السُّودانيَّة. وفي هذا الجانب أيضاً تأييداً لحديث المشير عمر أحمد حسن البشير، رئيس جمهورية السُّودان، والذي ألقاه في خطاب "الدغمسة" بالقضارف (ديسمبر 2010م) مشدِّداً فيه على أن السُّودان سيكون عربيَّاً وإسلاميَّاً خالصاً إذا صوَّت جنوب السُّودان واختار الانفصال من الشمال بدلاً من الوحدة.

(3) كان على السيد الصادق تحديد المنطقة تحديداً دقيقاً. فمثلاً كان ينبغي عليه أن يقول المنطقة "العربيَّة والأفريقيَّة" لأنَّ في المنطقة (هاتين المنطقتين) تكثر الصراعات: السياسيَّة لبسط النفوذ والسيطرة الشاملة، والاختلافات الدينيَّة والقبليَّة (خاصة المنطقة الأفريقيَّة) نتيجة للظروف الاقتصاديَّة الصعبة في المقام الأول والتي يستغلها السياسيون. ثم إذا كان قد تم انجاز واحتواء النقطة الثانية في الترتيب كما ذكر السيد الصادق فلماذا الأزمات المستمرة في سودان المنطقة ولماذا تحتل هذه النقطة المرتبة الثانية في قائمة الهموم المرقومة؟ أليس من الأجدر أن تكون هي النقطة الثالثة لو سلَّمنا بضرورة ورودها وأن تكون المسألة السُّودانيَّة هي الأولى في القائمة لأنَّها الأهم للسيد الصادق ومن أجلها خرج وجال المعمورة متنقلاً ووجبت عليه مخاطبتها ب"أولاً؟ لا نشك أبداً في إمكانيات وقدرات السيد الصادق في حللة أو المساعدة في حللة أو التقليل من مخاطر المشكلة السُّودانيَّة من أي موقع أو مكان إذا أراد ذلك دون المراوغة السياسيَّة باتباعه "سياسة الخيارات المفتوحة" أو بالسُّودانيَّة الدارجة: "مسك العصاية من النص" أو "كراع جوة وكراع برَّة". وفي المثلين: "راكب سرجين وقيع"، وليكن الدافع لثمن أو الضحية من هذه السياسة هو الشعب السُّوداني المسكين الذي ما يزال يجري وراء "أمل الخلاص".

(4) بالتأكيد لا نريد ولا نرغب في أن تدخل البلاد في "متاهات لا تحتمل". ولكن الواقع يقول دون مواربة أنَّ البلاد في متاهات غير محتملة والشهادة على ذلك: الخروج الجماعي لمئات الآلاف من السُّودانيين (مؤهلين تأهيلاً رفيعاً وذوي خبرات عالية وطويلة وغيرهم) والباقي واقف في الصفوف محاولاً الخروج لعدم مقدرتهم لتحمل المتاهات لعدم مقدرتهم لتحمل المتاهات والباقي واقف في الصفوف محاولاً الخروج. فلم يكن خروجهم الجماعي إلا نتيجة للمعاناة اليوميَّة في إيجاد لقمة العيش وسائر متطلبات الحياة الأساسيَّة، فضلاً عن المضايقات والمطاردات الأمنيَّة لهم.

(5) إضافة إلى كل ما ورد في النقطة الرابعة عاليه، لا زالت الحروب تدور في أطراف السُّودان البعيدة عن المركز، خاصة الجنوب الجديد (جبال النُّوبة)، والنيل الأزرق وجميع ولايات دارفور فضلاً عن الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنيَّة وغيرها ضد الخصوم السياسيين، والصحافيين، ونشطاء المجتمع المدني والطلاب إلخ... داخل الخرطوم وتخومها والمدن الأخرى بمجرد التعبير عن عدم الرضا عن الواقع المأزوم. فأية متاهات أكثر من هذه؟ هل المقصود بالمتاهات التي لا تحتمل الاقتتال داخل الخرطوم وتدمير وهدم بيوت الزجاج وملحقاتها؟ أيم الله، لا نبغي ذلك أبداً لأهلنا مهما كان الأمر وتحت أي ظرف أو سبب. ولكن صدق الدكتور قرنق - رحمه الله – عندما كشف عن تناقضات قادة السُّودان – القدماء والجدد – في جملة مفيدة: أنَّهم وأتباعهم وساكني بيوت الزجاج يعتقدون أنَّ السُّودان هو "الخرطوم" فهم يخشون أن تُرمى هذه البيوت "بحجارة من سجيل" (105/4 الفيل). لماذا قال قرنق هذه المقولة؟ لأنَّهم جميعاً كانوا – بدون استثناء - يناشدونه بوضع السلاح والحضور إلى "أرض الوطن" حينما كان يقود حرباً ضروس من داخل أعماق أدغال السُّودان ضد ظلمهم للناس. مثال آخر لقد سارعت الحكومة لبناء طوق من متاريس التراب حول مدينة أم درمان خشيةً من تسلل أفراد من قوات الحركات المسلحة الدارفوريَّة إليها بعد تجربة قوات حركة العدل والمساواة بقيادة حليفهم السابق الدكتور خليل إبراهيم محمد العام 2008م.

مهما يكن، لم تتغيَّر صيغة النداء بعد وقف الحرب اللعينة التي قسَّمت السُّودان، إذ ما زال الحكام وأتباعهم والمقربون ينادون بأصوات عالية على الحركات الحاملة للسلاح بضرورة السماع لصوت العقل والعودة إلى "أحضان الوطن". على أية حال، إنَّ الحقيقة الواضحة للعيَّان والتي يعرفها الجميع هي أنَّ هذه الحركات تقاتل الحكومة من داخل السُّودان وليس من خارجه. فالحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان– شمال، مثلاً، متمركزة في جبال النّوبة والنيل الأزرق وقيادتها في أعماق جبال النُّوبة السَّودانيَّة. وأنَّ الحركات المسلحة الدرافوريَّة تقوم بعمليَّاتها ضد الحكومة من داخل دارفور السُّودانيَّة، إلا تلك التي عادت إلى "حضن الوطن – الخرطوم" للمشاركة في الحوار الوطني. ومن المفارقات أيضاً أنَّهم هم الذين شجعوا على حمل السلاح ضدهم في قولهم المشهور: "لن نتفاوض إلا مع من يحمل السلاح". ونحن ننادي جميع أطراف النزاع بضرورة وقف الاقتتال.
والآن ما الطريق وما هي الحلول؟ نرى أنَّه على السُّودانيين تنفيذ خارطة الطريق التي توافقت عليها المعارضة والقوى السياسيَّة والتي تنادي بالحل الشامل للقضية السُّودانيَّة والتي ينبغي أن تصحبها بعض التنازلات من الحكومة والمعقولة من المعارضة أو من الجانبين للالتقاء في نقطة وسطى ترضيهم جميعاً. والأهم من ذلك ينبغي على الحكومة – صاحبة اليد العليا والمبادرة في كل الأصعدة - اتخاذ قرار سياسي شجاع وعلى الرئيس المشير عمر البشير ممارسة الإرادة السياسيَّة في أقصى صورها – رغم صعوبة اتخاذ هذا الإجراء لعدة أسباب- وذلك بإصدار الأوامر لجنوده بوضع السلاح فوراً تميهداً للتسوية السياسيَّة والأمنيَّة. وبما أنَّه يعطي أوامر الاشتباك فبمقدوره إصدار أوامر فك الاشتباك كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة. ينبغي اتخاذ ذلك من أجل المصلحة العليا للبلاد وليس للمصالح الشخصيَّة الفانية. أما الوطن فسيبقى والأرض ستدوم أبد الدهر موحَّدةً أو غير ذلك.

(6) نختم بالقول إنِّ الإشارات المربكة والتي تصدر من بعض الأحزاب السياسيَّة لهي أُس الداء. فمثال تلك الإشارات الخطاب الاستقطابي موضوع التعليق في هذا المقال. عليه، ينبغي على قادة الأحزاب السياسيَّة الكبيرة المعارضة (الأمة والاتحادي والشعبي والشيوعي إلخ...) النأي عن المناورات والمراوغات السياسيَّة المتناقضة وذلك بعدم إرسالها لمثل هذه الإشارات المبهمة. فالاعتراف بالهُويَّة السُّودانيَّة أو السُّودناويَّة هو خطوة سديدة في الاتجاه الصحيح لترميم العلائق المتينة بين فئات الشعب السُّوداني المختلفة والتي مزقتها التناحرات العنيفة والاستقطابات السياسيَّة والحزبيَّة السالبة: فالتعصب للعرق العربي أو الإفريقي أو التطرُّف لأية ديانة لن يوحد، ولكن تستطيع الهُويَّة السُّوداناويَّة أن تضع حداً لهذه الجدليَّة إن صدقت النوايا وتراضت النفوس. ثم يكون التتويج بالتنمية الشاملة (التنمية الزراعيَّة، وتوفير المياه ورصف الطرق البريَّة، والاهتمام بالتعليم والصحة والبيئة إلخ...)، خاصة في مناطق الصراع التي تأثرت كثيراً بالحرب، أمراً جوهريَّاً في نهاية المطاف. فهذا استنهاض حقيقي للأمة السُّودناويَّة.

د. قندول إبراهيم قندول
رابط موضوع التعليق:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-214347.htm

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2357

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1370566 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2015 10:35 AM
لك التحية والتقدير يا كاتب المقال .. لن نهنأ بالاستقرار ما دمنا نخلط أمر الدين الذي هو للإعداد للآخرة، بالسياسة التي غرضها إصلاح الحياة الدنيا للناس .. الدين هو النافذة التي يدخل منها الخرافات والدجل إلى عالم السياسة وإفساده وإثنائه عن إصلاح الحياة الدنيا علاوة على الفشل في تحقق مقاصده السامية المتمثلة بإعداد الناس للحياة الآخرة .. بل على النقيض من ذلك يعمد رواد خلط الدين بالسياسة من ذوي الذقون إلى إفساد الدنيا والدين معاً.

من خلال الدين تدخل في السياسة مبادئ من شاكلة .. طيران الشيخ .. النبي أذن لي في الحضرة .. نخلة في الدنيا نخلة في الجنة .. استخارة كبار المسئولين بالدولة مشائخهم قبل التوقيع على المذكرات الحكومية الرسمية للمصادقة على عقود تنفيذ الطرق وشبكات التلفون وشبكات الصرف الصحي ألخ مثلما يستخيرونهم في تسمية الأبناء: محمد .. أم أحمد .. أم محمد أحمد !!

هذا ما يجب التخلص منه أولاً قبل الإنقاذ ...


#1370475 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2015 08:42 AM
لك التحية والتقدير يا كاتب المقال .. لن نهنأ بالاستقرار ما دمنا نخلط أمر الدين الذي هو للإعداد للآخرة عن السياسة التي غرضها إصلاح الحياة الدنيا للناس .. الدين هو النافذة التي يدخل منها الخرافات والدجل إلى السياسة لإفسادها وثنيها عن إصلاح الحياة الدنيا دون أن تحقق مقاصده السامية: إعداد الناس للآخرة .. بل على النقيض من ذلك تفسد الدنيا والدين معاً.

من خلال الدين تدخل في السياسة مبادئ من شاكلة .. طيران الشيخ .. نخلة في الدنيا نخلة في الجنة .. واستخارة كبار المسئولين بالدولة لدى مشائخهم قبل التوقيع على المذكرات الحكومية الرسمية للمصادقة على عقود تنفيذ الطرق وشبكات التلفون وشبكات الصرف الصحي ألخ مثلما يطلبون منهم بالإستخارة في تسمية الأبناء: محمد أحمد .. أم محمد .. أم أحمد !!

هذا ما يجب التخلص منه أولاً قبل الإنقاذ ...


د. قندول إبراهيم قندول
مساحة اعلانية
تقييم
3.45/10 (302 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة