بعد الغياب..
03-18-2012 10:38 AM

بعد الغياب..

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

أكثر ما يتجاذب الكاتب بقبضة عنيفة تمسك بتلابيب فكرته كل صباح ومساء، الشعور ما بين ماذا يكتب اليوم ، ولماذا يكتب!
فهو انسان كالآخرين يحاول أن ينتفض من بين ركام مشاغله ومشاكله وارتباطاته الخاصة ، ليطل على المشهد العام ويستعرض شريط الأحداث اليومية من حوله على النطاق المحلي والاقليمي على اقل تقدير ، اذ أن تغطية الشان العالمي البعيد تنقله آلة ضخمة للاعلام المرئي والمكتوب والمسموع ، تخترق به قلق الناس في كل مكان ، في مراحل زماننا الفائر بأحداث لا تهدأ الا لتهيج من جديد !
شعوب اقليمنا العربي بعد أن تفجرت دماء الثورات التي كانت مجمدة خلف قلوب الخوف فيها ، هاهي تغرق في بحور احباطها وخيبتها في أكثر من مكان وقد سرقت شموسها وغاصت عيونها من جديد في عتمة أخرى قد تقودها الى مجهول خلف سراب الوهم الذي انتشر في فضاءات الفراغ السياسي وغياب البديل ، كما هو حالنا المزري في السودان الجريح الذي تلوح في الأفق ناره البديلة والجاهزة لاحتلال مقعد رمضائه الطويلة في دروب التخبط ومآلات الفشل المقيم!
ويظل الغياب عن القارىء هاجسا يشعل لهيب الشوق لملامسة عيونه الحبيبة ، ويشتد الصراع بين ذلك الاحساس النبيل ، والشعور القاسي بالامتناع عن الكتابة ، لان الهدف ليس التواجد اليومي وعبر اية حروف لرسم التوقيع في دفتر الحضور اليومي وكفى !
لذا فتّلمس المداخل للتجديد في تناول القضايا وبصورة تنأي بالقلم عن تكرار نفسه يفرض على الكاتب من منطلق الامانة أن يباعد بين فترات الظهور ، عسى أن تكون العودة المتقطعة من بين ثنايا الغياب طلة تتسم بفرح اللقياء من طرف القاريء ، فولع الكاتب بلقاء عيون قرائه يظل مستيقظا ، على وسادة الأرق ، بين لهفته للقيا وحيرته فيما يجب أن يكتب ، تطارده ضوضاء الأحداث التي لا ينام طبلها وهو يدوى في طبلة اذنه ، وتتراقص أمام أعينه مشاهد الدماء هنا وهناك وسماجة المعلقين الذين يجملون صورة السياف كمدافع عن وجوده أمام ضحية وان كانت ضعيفة مكتوفة الايدى تحت نطعه المبلل بسوائل خوفه هو منها لانه يدرك سر قوتها الذي يكمن في رجفته هو !
ثم تنسل خطب جماعتنا حادة كحك الحديد على مسمع الطفل ، وهم يهللون فرحين لفتح المزيد من مجاري الدم في ساحات حروب ظلوا يعدونها منذ أن جثموا على صدر الوطن ففلقوه ولا زالوا يغرسون سكاكين التقسيم فيه ، ليسودوا بين قطعه المبعثرة في عيون أهله الدامعة !
ويظل القلم حائرا في كف صاحبه ، حيال كل ذلك .. مترددا بين الحضور من أجل الحضور وبين ما يكتب ، بعد الغياب !
عسى أن يجعل الله طلتنا بين الحين والآخر ذات فائدة ومدلول ، وحماكم وأيانا من السقوط في وهدة الحيرة ، انه المستعان ..
وهو من وراء القصد..





تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1052

خدمات المحتوى


التعليقات
#311809 [مجنون ليلى]
5.00/5 (1 صوت)

03-18-2012 01:33 PM
الاستاذ الرائع المبدع / برقاوي لك التحية والتقدير

لا زلت عند اقتراحي لك بأخذ فترة من الراحة النفسية كما اشرت لك في تعليقى على موضوع الامس (اقلام من تلك الايام ) ..

اتمنى الاضطلاع عليه....



مجنون ليلى والهلال


#311756 [saifalhag]
5.00/5 (2 صوت)

03-18-2012 12:10 PM
لك التحية والتقدير أستاذنا برقاوى...
مقال رائع وجميل مفروض تسميه ... غيب وتعال ... تلقانا نحنا يانا نحنا ...
صدقت يا برقاوى المواضيع مكررة فساد وحروب وتصريحات فى الهراء من مسئولين فارغين وكلما تنتقد تجدهم يزيدون ونفس التصريحات. ولكن حصر المشاكل الاساسية والكتابة فيها هى الاجدى على حسب وجهة نظرى- كمشكلة الدستور والكيزان والنفاق باسم الاسلام وحرية الصحافة والربيع الاصبح ضريع بسبب تكالب- وهو مجرد من ثورة حقيقة- مشكلة المغتربين- مشكلة مجتمعنا تعليم صحة فقر- هل اذا قامت ثورة انتهت مشاكلنا!!!!!!!!

الاحظ قلمك بدا يتململ واناملك تذهب الى الكيبورد لا شعوريا--- الاحداث حبلى ونحن مترعون بالمشاكل ومثقلون بالهموم... ولكن تذكر ونحن كعاشقين للحريةوقارئين لقلمك الوطنىنحتاج لنور امله من حين الى حين


محمد عبد الله برقاوي
 محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة