الزراعة، هل من وجيع؟ا
09-04-2010 12:16 PM

الزراعة، هل من وجيع؟

د. حسن بشير محمد نور

من المؤكد ان السودان يمر بمنعطف خطير جدا في جميع أوجه الحياة وسيكون هذا العام حاسما في تاريخه ومستقبله. تشير نتائج الدراسات المهتمة بالتغيرات المناخية من مراكز الابحاث والمنظمات والهيئات العالمية والإقليمية والوطنية الي ان السودان سيكون من اكبر البلدان المتأثرة ( سلبا) بالتغيرات المناخية. يعني ذلك ضرورة الاهتمام بنتائج تلك الدراسات التي تشير ايضا الي احتمال اقتراب دورة جفاف تضرب المنطقة وتضر بالانتاج الزراعي في الأعوام المقبلة، وفي انحسار مياه النيل هذا العام الي مستويات قياسية من التدني اشارة حمراء لكل ذي لب لكي يحتاط ويتعظ. اما موضوع الاهتمام بنتائج الدراسات واخذها بالجدية المطلوبة ومقابلة ذلك بالعمل لتدارك المخاطر المحتملة فمن الواضح انه لا يجد ادني اهتمام في السودان، هذا الامر يحتاج لتفسير حتي نفهم لماذا يتم إهمال ما تتوصل اليه الدراسات والأبحاث العلمية من نتائج و ما تضعه من توقعات، حتي عندما تكون تلك النتائج تشكل مسألة حياة او موت بالنسبة للمواطن السوداني او للوطن في ذات نفسه؟ هل يستطيع الساسة صناع القرار ان يشرحوا لنا اذن، لماذا كرم الله الإنسان بالعقل وجعله اكبر نعمه عليه وميزه به عن سائر المخلوقات الاخري؟ لم يخلق الدماغ بالطبع لوضع العمائم و أغطية الرأس.

من الواضح انه لن يحدث أي اختراق في الزراعة هذا العام بالرغم من ان العام السابق كان فاشلا في موسميه الزراعيين، الصيفي والشتوي مما خلف واقعا مريرا من حيث معدلات الجوع لأعداد كبيرة من الناس في مختلف ولايات السودان وبشكل أوضح في الجنوب، كما ان وضع الأنعام لم يكن افضل فالحيوانات تنفق في معظم ولايات السودان لنقص الغذاء والماء وضيق ذات اليد التي يمكن ان تأتي بالبدائل. بالطبع معظم سكان السودان لا يعتمدون في تأمين غذائهم، بشكل مباشر علي الحكومة ولا يمكن ان يفعلوا ذلك، في هذه الحالة اذا لم يتم إنقاذ الموسم الزراعي لهذا العام، الذي يتوقع ان تهطل فيه الأمطار بمعدلات كبيرة، فستعم ازمة الغذاء جميع مناطق السودان في السنوات القادمة التي تشير التوقعات الي انها ستكون عجافا. كما ذكرنا لم يحدث اختراق في الزراعة من حيث التمويل و الاستعدادات لإنجاح الموسم الزراعي و يبدو ان نتائج النهضة الزراعية ستكون كما كانت عليه في السنوات الماضية. مما زاد الامر تعقيدا ما يحدث في مشروع الجزيرة الذي يسود فيه عدم اليقين بعد الخصخصة المضطربة التي تمت هناك، اذ ان حتي هذه الخصخصة هلامية وغير مفهومة. هنا ستبرز أسئلة حول خيارات المزارعين الذين يتمتعون بحق حيازة الارض دون ان يكون لهم نصيب في بنيات المشروع التحتية. ماذا سيزرعون؟ من أين سيحصلون علي التمويل؟ ما هي فرص نجاح زراعتهم في ظل الشد و الجذب بينهم و بين إدارة المشروع؟ وماذا سيفعلون بزراعتهم، اذا زرعوا و نجحوا و حصدوا؟

علي اية حال يمكن القول بان (حكومات) السودان غير مهتمة بهذا الموضوع او انه لا يأتي علي راس سلم أولوياتها. لقد أفرزت الانتخابات واقعا مربكا سياسيا واقتصاديا وعلي المستوي الاستراتيجي. المؤتمر الوطني الذي يبدو منتشيا بما حققه من نتائج خاصة به ، خاصة في المثلث المشهور، يبدو انه غارق في ترتيب أموره وإحكام سلطته بشكل لا يترك لديه فراغ للاهتمام بشئون اخري، هناك الاستفتاء، الإضرابات، تداعيات الجنائية الدولية، تقسيم الأنصبة الخاصة بالسلطة في الخرطوم والولايات، مواجهة التحديات الداخلية في الحزب وهو بالمناسبة لم يشكل حكومته المركزية حتي دخول الموسم الزراعي هذا. اما الجانب الأخر لمشهد ما بعد الانتخابات فهو واقع لا يدعو الي التفاؤل في النيل الأزرق، لان الوضع هناك مع الاستفتاء و المشورة لا يبشر بخير. كذلك الحال في جنوب كردفان التي تبدو غارقة في الصراع حتي النخاع وهي الآن تتأرجح بين التعداد والانتخاب والوحدة والانفصال بل تقف علي الحافة بين الحرب و السلام منتظرة مصيرا مجهولا. الوضع في دار فور ليس في حال أفضل، اذ أشارت التقارير الدولية خاصة من الامم المتحدة الي تزايد حدة الصراع مخلفا عددا اكبر من القتلي و النازحين مقارنة بفترة الهدوء النسبي التي سادت قبل التوترات الأخيرة بين الحكومة والحركات المسلحة. اما ابيي موطن الجرح الرئيسي فهي تنزف و ستواصل النزيف والوجع الي وقت لا يعلم مداه الا الله.

في هذا الواقع المرير يأتي الموسم الزراعي لهذا العام المحوري. الناس اليوم لا يتشاركون في الماء و لا الكلأ، لأنهما في ندرة والناس في خوف من الجوع ولا يتمتعون بالأمن والاطمئنان.

ما بقي من شيء يتم تقاسمه الا النار، لكن الناس عندنا يتشاركون شرها وليس خيرها المقصود في الحديث النبوي الشريف. من كل ذلك نخرج بعبارة هي: ان الاهتمام بالزراعة هذا العام شأنا لا يدانيه اخر من حيث الأهمية والاهتمام، هي الجبهة الإستراتيجية الأهم وهي الخندق الأمامي وهي مربط الفرس. إذا أراد احد ان يحكم علي رشد الحكم او رجاحة عقل وفطنة او التأكد من عظم مسئولية، فلينظر لما سيحدث في الموسم الزراعي الذي حل الان. بنتائجه سيتم الحكم علي الكثير من الأشياء، وعلي نجاحه او فشله ستترتب العديد من الأمور، أول ما سيبحث عنه الناس هو الاستمرار في الحياة، ولذلك الشرط يلزم توفر الغذاء، وليحدث ذلك يجب ان تنجح الزراعة . اما الخيارات الاخري فهي اما غير محسومة او غير مجدية، او ربما لن تتوفر أصلا مع ما يمكن ان يحدث مع تداعيات تقرير المصير وما يتبعها من ملفات. انتبهوا جيدا لزراعتكم هذا العام، فهي التي تنفعكم و تبقي لكم في الأرض.

الميدان

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 590

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية
تقييم
3.90/10 (140 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة