03-27-2012 09:06 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
العلاقات المدنية-العسكرية (4) خطورة الهيمنة العسكرية على الدولة وتجييش المجتمع

د. أحمد حموده حامد
[email protected]

مقدمة:
تطرقنا في الحلقات السابقة إلى ماهية العلاقات المدنية-العسكرية وطبيعة المهنية العسكرية وتناولنا التوتر المتأصل بين المدنيين والعسكريين فيما يتصل بإدارة الدولة والحكم وصناعة القرار وضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للقرار المدني. نتناول في هذا المقال المآلات الخطيرة المترتبة على هيمنة المؤسسة العسكرية على جهاز الحكم ومؤسسات الدولة وانعكاسات ذلك على مستقبل البلاد وحياة الناس وأمن المجتمع واستقراره.
خطورة هيمنة المؤسسة العسكرية على سلطة الدولة:
1- التعدي على الحريات العامة:
أولى المخاطر الناجمة عن استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة هي التعدي على الحريات العامة. والسبب في ذلك بسيط هو أن المؤسسة العسكرية تعرف "الأوامر" وليس الحريات. فالتربية العسكرية تقوم على إصدار الأوامر من قبل القائد وليس للآخرين من حرية سوى التنفيذ. الحرية هي جوهر كرامة الإنسان, والإنسان بلا حرية هو كائن مثل سائر الحيوانات السائمة الأخرى تأكل وتشرب وتتناسل. خلق الله الإنسان وأعطاه حرية الاختيار يقول جل من قائل " وهديناه النجدين" صدق الله العظيم. وجاء في الأثر " كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". ويأتي الأمر بصون حرية الأنسان وكرامته في صلب ديباجة ميثاق الأمم المتحدة – وتشمل حرية العقيدة وحرية التعبير والصحافة وحرية الرأي وحرية التنظيم والانتماء وحرية المرأة وغيرها من الحريات التي تقوم عليها حركة الحقوق العالمية المنادية بكفالة حقوق الانسان والتي صارت جزاً لا يتجزا من القوانين الملزمة لأي دولة في العالم عضو في المنظومة الدولية كشرط أصيل لقبولها وشرعيتها.
استيلاء المؤسسة العسكرية في أي دولة يهدد أول ما يهدد الحريات العامة فيقوم العسكريون بتعطيل حرية التعبير والصحافة بتكميم الأفواه وإغلاق دور الصحف وملاحقة الصحفيين والتضييق عليهم ومصادرة الرأي مثلما تقوم به الحكومة في السودان الآن. وفي جانب الحريات الأخرى تقوم الحكومة العسكرية بمنع النشاط السياسي وحرية التنظيم وتلاحق الخصوم السياسيين بالاعتقالات والاغتيالات والتعسف الأمني ومصادرة الممتلكات وغيرها من وسائل كبت الحريات. والمرأة تهان وتجلد (المناضلة صفية), بل وتقتل بدم بارد أمام بيتها (حالة المغفور لها عوضية عجبنا). أن حالة الخوف والقهر التي تصيب المجتمع جراء مثل هذه الانتهاكات لحقوقه الآدمية تجعل من كل المجتمع كماً بائساً من الحطام البشري أقرب إلى حالة السوام: فالانسان بلا حرية وبلا كرامة لا قيمة له.
2. تقويض الديمقراطية والمؤسسات المدنية وحجب دور الاستنارة:
حين تستولي المؤسسة العسكرية على الحكم أول ما تقوم به هو تقويض الديمقراطية والمؤسسات المدنية للدولة, خاصة تلك المعنية بإقامة القانون ومؤسسات التعليم كالجامعات. والسبب في ذلك هو رغبة العسكريين في اكتساح كل سوح العمل في الدولة بلا حسيب أو رقيب يذكرهم بالقانون أو ينبههم للتجاوزات. فتتمدد المؤسسة العسكرية على المواقع السياسية والإدارية التي يفترض أن يؤمها التكنوقراط من المدنيين. فنجد العسكريين في حكومة السودان الآن هم من رئيس الدولة فالوزراء والولاة والمحافظين ثم شاغلي البعثات الدبلوماسية وحتى المدراء. وبالطبع لا يتم هذا التغول الفاضح مع وجود المستنيرين من المتعلمين وخريجي الجامعات المؤهلين الذين يشكلون الطبقة الوسطى في المجتمع. كما لا يتم ذلك التغول في وجود نظام عدلي منصف ومستقل. فيعمد العسكريون أول ما يبدءون بتقويض هذه المؤسسات التي تقف في طريقهم. وليس بمستغرب أن أول ما بدأت به الحكومة الأسلاموية-العسكرية في أول عهدها هو استهداف جامعة الخرطوم بقصد تحطيم دورها الرائد في الاستنارة واستنهاض المجتمع وتبصيره بحقوقه. كما قامت بسياسات الفصل التعسفي لعشرات الألوف من المدنيين التكنوقراط المؤهلين كما اتبعت سياسة التهجيرالقسري لملايين أخرى من أبناء وبنات الشعب السوداني
وفي هذا المنحى تقوم المؤسسة العسكرية بما يعرف بالدور المزدوج أو الثنائي Dual Role ويقصد به أن تقوم بدورها المهني الأساس في الدفاع عن تراب الوطن وحفظ الأمن, وفي ذات الوقت تستحوذ على أدوار ومواقع المدنيين في المؤسسات المدنية الأخرى في الدولة. ولتمتين هذا الدور المزدوج نرى أن أعداداً متزايدة من العسكريين السودانيين يلتحقون بالجامعات أثناء الخدمة للحصول على الدرجات العلمية الاكاديمية المطلوبة والضرورية لإدارة شؤون الدولة في شتى التخصصات. كما أن هناك جامعات بكاملها تتبع للمؤسسة العسكرية والشرطة تقوم بالتأهيل الأكاديمي للعسكريين. يتم هذا عن عمد لإلغاء دور المدنيين, بما يكمّن العسكريين من الجمع بين الدور العسكري والدور المدني ربما مستهدين بالتجربة النيجيرية في هذا الشأن.
هذا السلوك من قبل المؤسسة العسكرية يفقدها ثقة الشعب والاحترام الذي تتمتع به من المؤسسات المدنية في الدولة. على سبيل المثال هناك إجماع في أوساط المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن التقليد أن تظل المؤسسة العسكرية بمنأى عن التسييس هو أمر حاسم لبقاء النظام الديمقراطي. وفي استطلاع لفرق البحرية الأمريكية كانت نتيجة إجاباتهم أن المؤسسة العسكرية تحظى باحترام الشعب الأمريكي لأنها مؤسسة محايدة وغير منحازة لكيانها المؤسسي بل للوطن. وانه حالما أخذت المؤسسة العسكرية تنظر الى مصلحتها كمؤسسة بدلاً من النظر للوطن يكون ذلك مدعاة لأن تفقد ثقة الشعب الأمريكي.
3. أكبر خطر: تجييش المجتمع:
من أكبر المخاطر التي تترتب على هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة ليس هو فقط في تقويض المؤسسات المدنية والتعدي على الحريات وحجب دور الاستنارة (دور المثقفين والعلماء) في الفعل السياسي, بل الأخطر على الإطلاق هو "تجييش المجتمع militarization of society". لا يخفى أن خطورة "تجييش المجتمع" تكمن في أنها تعلي من ثقافة العنف (بدلاً عن إعمال الفكر والعقل) والقتل ليس ضد عدو حقيقي يعتدي على تراب الوطن, بل يفتعل القادة العسكريون أعداء وهميين من الوطنيين الذين تتم "شيطنتهم" بنعوت الأعداء والخيانة والعمالة وتقوم المؤسسة العسكرية تحت هذه التبريرات بتفويج الجردات العسكرية عليهم, متجاوزة بذلك التكليف والأمانة والتفويض الممنوح لها باستخدام الآلة العسكرية فقط في حالة العدوان الخارجي. تدرك المؤسسة العسكرية جيداً أن ضرورت الأمن الداخلي هي المسؤولية الحصرية للشرطة, وأن التفلتات الأمنية والصراعات القبلية وغيرها من مظاهر عدم استتباب الأمن هي مسؤولية أجهزة الدولة المدنية مستعينة بالشرطة. وتحت هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة وغياب دور المؤسسات المدنية تتدخل المؤسسة العسكرية بالأدوات التي تعرفها (السلاح) والثقافة التي تربت عليها (ثقافة العنف) لفرض رؤيتها على واقع الحياة فتدخل في صراعات مسلحة ضد طوائف من المجتمع لها مطالبها المشروعة التي يمكن حلحلتها بالتفاوض البنّاء إذا كانت الدولة تحت قيادة مدنية. وفي هذا الصراع تحشد الدولة "العسكرية" طوائف من المجتمع تقنعها برؤيتها ضد طوائف أخرى ذات رؤى مغايرة أو لها مطالب مشروعة فيكون هناك استقطاب حاد بين مكونات المجتمع ما يقود الي نشوء المليشيات والمليشيات المضادة التي تصطرع فيما بينها, وبذلك يكون قد تم "تجييش المجتمع" بكامله الكل يحارب الكل.
والآن يمكننا بوضوح رؤية الآثار المدمرة لتجييش المجتمع السوداني منذ انقلاب الجبهة الاسلامية على الحكم النيابي الذي كان قائماً. فالمليشيات المتعددة التابعة للحكومة العسكرية هي منظومات عسكرية متكاملة من الجماعات المؤدلجة المؤمنة برؤية الحكومة العسكرية على استعداد تام لقتال أي قطاعات من الشعب ذات آراء مغايرة أوخلفيات إثنية وثقافية وجغرافية مختلفة عن تلك التي تمثلها الحكومة. تشمل هذه المليشيات الدفاع الشعبي, مليشيات الجنجويد, الكتائب الاستراتيجية, كتائب التكفيريين, كتائب عزة السودان, المراحيل وغيرها – بالإضافة إلي الجيش الحكومي – الذي فقد حيدته ومهنيته وصفة القومية التي هي أس شرعيته وأصبح لا يعدو كونه أحد المليشيات التي تدافع عن النظام العسكري الحاكم ضد فئات أخرى من المجتمع.
4. تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حرب:
من الآثار المدمرة على المجتمع وحياة الناس – تحت الحكومات العسكرية - هو تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرب موجه لتغذية الآلة العسكرية بدلاً من توجيهه للتنمية والخدمات الضرورية من صحة وتعليم وتغذية جيدة لتحسين أحوال الناس وظروف معاشهم. ونحن نرى أن الاقتصاد السوداني ظل اقتصاد حرب موجهاً لتغذية الآلة العسكرية تخصص له حوالى 80% من الموازنة العامة للدولة. ويصرف على احتياجات الحرب مئات الملايين من الدولارات كل يوم جديد تطلع فيه الشمس على مدى نصف قرنٍ من الزمان أو يزيد. وليتها كانت صرفت لصد الأعداء الغازين, بل وجهت البنادق لصدور أبناء الوطن وقتلهم فرادى وجماعات. لك أن تتخيل – القارئ العزيز – كم من الثروات أهدرت وكم من الأنفس أزهقت في هذه الحروب العبثية التي تتناسل تباعاَ بلا توقف.
5. عسكرة الحياة المدنية:
من مظاهر تجييش المجتمع الأخرى – بالإضافة إلى انتشار المليشيات المؤدلجة – عسكرة الحياة المدنية وغرس الثقافة العسكرية عند الشباب والطلاب في معسكرات الخدمة الإلزامية وتدريب منتسبي الخدمة المدنية والتنفيذيين, معسكرات المرأة, الزي العسكري في المدارس, استخدام وسائل الإعلام لبث الخطاب العسكري والثقافة العسكرية (ساحات الفداء), إقامة الاحتفاليات العسكرية (تخريج الدفعات), إقامة المناسبات الاجتماعية في الدور والأندية العسكرية (نادي الضباط ونادي القوات المسلة ونادي الشرطة),
المفارقة الغربية في هذا الوضع المعكوس أن المؤسسة العسكرية السودانية بدلاً عن أن تحمي الشعب الذي أأتمنها على سلامته وهيأ لها القوة للدفاع عنه, صارت هي أكبر مهدد لسلامته وأمنه بانحيازها للمجموعة الحاكمة التي تدافع عن مصالحها ضد جموع الشعب والمصالح القومية العليا. والأثر النهائي لتجييش المجتمع هو أن تظل المجموعات التي تشكل ذلك المجتمع في صراعات مسلحة وحروب داخلية لا تنتهي فيما بينها يكون الجيش طرفاً فيها مناصراً لطرف ضد الآخر. وتكون المحصلة النهائية هي تحلل المجتمع وتفككه of Society Disintegration.

نواصل ان شاء الله
د. أحمد حموده حامد
[email protected]
الاثنين 26 مارس 2012م.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1817

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد حموده حامد
مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة