المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تفكيك الخطاب العربي الإسلامي
تفكيك الخطاب العربي الإسلامي
03-27-2012 03:34 PM

تفكيك الخطاب العربي الإسلامي بين الإسلام كثقافة والإسلام

من اجل عصر تدوين سوداني (2)

خالد يس
[email protected]

المجتمع الحقيقي والمجتمع التخيلي (الدولة):
ان التحولات الاجتماعية أي تفكك المجتمعات الحقيقية من خلال مجتمع التحولات هو إنتاج مجتمع إنساني يستوعب كل تلك المجتمعات وتحولها إلى مجتمع كلي أو ثقافي إنساني، وقد تمثلت التحولات تاريخيا بالتعاهدات بين المجتمعات المحلية في وعيها بإنسانية الأنا والأخر أو اضطرارها إلى ذلك الوعي بالاخر كذات إنسانية فالمجتمع يرمز أو يمنح السلوك أبعاد تعبيرية ايجابية أو سلبية فبناء على مرحلة التحولات يكون الترميز السلوكي كقيمة أو كهوية إنسانية للكل الإنساني المجتمعي، ولكن على مستوى الواقع يتداخل الوعي السلوكي مع الوعي الجيني في إنتاج المواقف لدي النخب والمجتمعات وذلك لقصور الرؤية الكلية عن استيعاب لحظة التحولات الآنية، وهو موقف عام داخل كل الثقافات التي تري الاخر الإنساني من خلال ذاتها فقط دون وجود لاخر انساني مختلف. ولذلك كانت الرؤية الغربية والعربية والتي قامت في سبيل الوعي بالذات ولم تستصحب الاخر كذات انسانية تخضع لتحولات مختلفة، فالثقافة في رؤية النخب الغربية ليست إلا عبارة عن سلوك لأفراد متجانسين اما اعتبارها معبر عن هوية داخلية للفرد أو تحولات ثقافية نتيجة للاستيعاب، ولكنه تطور وانحراف للتطور في اتجاه الثقافة الغربية وليس هنالك رؤية إنسانية متجددة ولكن نخب تتبع المجتمعات في تحولاتها وفي نظرتها للأخر كانسان بدائي وفق العرف الغربي أو كانسان كافر أو مغاير ثقافيا من حيث قيمه التي لا تتوافق مع الإسلام الحقيقي وفق تعريف الثقافة العربية أي كمناقض للذات وهو ما يعطي الدافع لتحييد القيم الداخلية من التفاعل معه بل عدم التعامل معه ثم تحميله كل أزمات التحولات التي تمر بها الثقافة الداخلية. وهو ما أدي مع ضغط التحولات إلى التعامل مع ذلك الفرد وفق تلك الرؤية فأصبح على الاخر الثقافي في وعي الرؤية الغربية ليصبح إنسان ان يكون فردا وليس مجتمع ثم التخلي عن الهوية الذاتية التي تعبر عن طريق الإحالات المادية للقيم كسلوك محدد وفق مراحل التحولات ومحاولة تمثل القيم الغربية وبعد كل ذلك يصبح هذا الإنسان عبارة عن تابع لتلك الرؤية، اما الثقافة العربية فللتحول من الكفر إلى الايمان لا ينفع النطق بالشهادة ولكن رؤية القيم العربية هي قمة الإنسانية وبالتالي محاولة تحور تلك المجتمعات لتتوافق مع تلك الإنسانية وتصبح تابع لتلك الثقافة أيضا.
ان التحولات المستمرة عند المجتمعات بين المجتمعات الحقيقية ومجتمع التحولات وإعادة الاستيعاب التي تتم بناء على رؤية جاءت من خارج المجتمع السوداني من قبل النخب السودانية هو الذي يقود إلى محو القيم الثقافية دون إيجاد بديل من داخل الثقافة فيجب الاستفادة من المجتمعات الحقيقية في بناء المجتمع التخيلي الكلي الذي يمكن افراد المجتمعات ممارسة انسانيتها دون تقاطعات تنشا نتيجة للانا والاخر ليكون المجتمع التخيلي أو مجتمع التحولات خير تعبير عن انسانية كل المجتمعات السودانية.
ان التحولات وإعادة الاستيعاب التي كانت تتغير عن طريقها القيم السلوكية نتيجة لضغط التحولات في سبيل تأكيد الهوية العربية للانا والأخر كانت تستوعب مع ضغط التحولات الصيغ الناشئة في سبيل تأكيد رؤية الانا العربية لذاتها وللاخر فبداية من التحول من الرسالة الشفهية للرسالة إلى نصية ثم التحول إلى النص البشري الموازي (الحديث) الذي كان يؤكد أكثر رؤية تلك الذات داخل الفعل المحمدي البشري ثم التحول من قبل النخب مع المجتمع إلى مقولات ومفاهيم وسلوك الخلفاء الراشدين ثم الملوك والامراء في سبيل تدعيم المجتمع التخيلي الذي يتمركز حول الذات العربية بتوصيفها المجتمعي التاريخي فكل ذلك يؤكد فقط رؤية الثقافة العربية لذاتها وللاخر.
اما الثقافة الغربية ولاكتمال التحولات المجتمعية مع صياغة نخبوية لتلك التحولات كمفاهيم ورؤية تعتمد على الفرد بعيدا عن ذاته الاجتماعية أو مجتمعه الحقيقي الذي يستطيع به ان يري السلوك كترميز إنساني مما أدي إلى استمرار التحولات دون تكامل إنساني مجتمعي إلا من خلال الوعي الجيني الذي تمركز داخل مجتمع التحولات وبالتالي انقسمت المجتمعات فبدلا من ان يكون مجتمع التحولات هو مجتمع تمايز في الوعي من اجل استيعاب الكل كان مجتمع يتميز عن الكل باعتباره المجتمع الإنساني وبالتالي أصبح الاخر لا إنساني ما لم يتمثل القيم لمجتمع التحولات.
ولقد استفادت الثقافة العربية من النقل الجيني عند محاولة نخب المجتمعات الجزء عربية (من سوريا إلى المغرب والسودان) في محاولة استيعاب مجتمعاتها بناء على تلك الرؤية مما أدي إلى دفع تلك الرؤية إلى أقصى مدى من اعادة الاستيعاب عند كل مرحلة تحولات وهو ما استفادت منه النخب في مركز الثقافة العربية من اخذ ذلك الجهد عند التحولات لمجتمعها. فعند محولة اعادة استيعاب المجتمعات الجزء عربية كانت تتولد على الدوام أسئلة تحتاج إلى إجابات بناء على تفاعل المجتمعات مع مجتمع التحولات ومع نخبه الذي يمثلها. فنجد قمم نخبوية على المحيط العربي لا نجدها على مستوى مركز الثقافة العربية من سوريا ومصر إلى الجزائر والمغرب مرورا بتونس والسودان، ولكن ما لا تعيه تلك النخب انها مهما حاولت من توسعة تلك الرؤية فلا تستطيع ان تشبع الكل الثقافي نسبة لاختلاف التكوين الجيني للمحيط العربي عن المركز. فالمركز العربي في الجزيرة العربية واليمن يحتوى على الجين العربي الذي تبلور داخل تلك الرؤية إلى ثقافة عربية، اما الاطراف فبها جينات لمجتمعات أخرى لا تجد ذاتها داخل تلك الرؤية. فقد كانت تلك الرؤية في مقابل اخر مبعثر لا يجمعه تدوين نخبوي ولكن يحتفظ بنفسه من خلال الوعي الجيني والتحول الاعمي ومجتمعات لم يكتمل عندها التحول كما في السودان.
ان مفاهيم الكلية الرمزية التي تقدمها الثقافة العربية من خلال مبادئها الأولية والتي لا تشتمل لقيم الاستيعاب والتحولات التي تمت من خلال التحول الأعمى هي مفاهيم قاصرة نسبة لتجاوزها التاريخ في ترميز سلوكيات محددة للدلالة على قيم كلية تاريخيا، ونجد ان القيم الإنسانية المجتمعية تتجسد من خلال تحولات المجتمعات فلذلك لا يوجد سلوك محدد لقيم محددة إلا في اطار الدراسة التاريخية لحقبة زمنية ما، وهو ما يؤدي بالمجتمعات إلى تجاوز نخبها من منحي سلوكي مع محاولة النخب لتوصيف تلك السلوكيات على مستوى القيم الكلية أو النظرة الكلية للانسانية، فأصبحت النخب تابعة للمجتمعات التي تتبع التغير الاعمي الذي هو عبارة عن ضغط تحولات يسعي من خلاله المجتمع في التحول إلى سلوك يلبي الحاجة الإنسانية ولكن تقف النخب العربية في سبيل ذلك التحول من خلال ايدولوجيتها التي لا تستطيع ان تعي بها تلك التحولات.
وقد تم ترميز الهوية الثقافية للمجتمعات على مستوى الوعي الاستيعابي لدي النخب من خلال تاطير تلك الهوية من خلال سلوكيات تاريخية محددة داخل الثقافة العربية ومن خلال التحولات، وعند تجاوز كثير من القيم السلوكية من قبل المجتمعات العربية نتيجة للتحولات المجتمعية تم تركيز الهوية الإنسانية من قبل النخب بالنسبة للاخر الثقافي داخل ما يسمي بالقيم السلوكية الدينية كما استوعبتها النخب الثقافية، اما في الثقافة الغربية فقد تم تاطير الهوية داخل الفرد وترك السلوك للتحول المجتمعي الأعمى وكان اتجاه الثقافة في صياغة الإنسانية من خلال التحول الأعمى نسبة لعدم كلية الرؤية الثقافية في استيعاب الذات المجتمعية والأخر الإنساني.
فترميز رؤية المجتمعات العربية للذكورة والانوثة والأخر والإله التاريخية كانت هي الأساس في صياغة الخطاب العربي من خلال الذات الإلهية الفاعلة تاريخيا وثقافيا، فقد تمثلت رؤية النخب الاجتماعية لذلك الإله ما قبل الرسالة المحمدية داخل كل ما هو طبيعي عن الوعي والذات الإلهية وكان يتم ذلك في الظواهر الطبيعية أو في التجارة أو نتائج الحروب، ومع عدم الوعي بالأخر الثقافي المختلف وذلك للوعي بالرسالة الإلهية من داخل الإنسانية العربية فكانت فاعلية النخب كل في مجاله لإثبات الوعي الإنساني من خلال عروبة الرؤية الإنسانية للمجتمعات والتي ادت إلى عروبة الرسالة المحمدية أي ليست باعتبارها رسالة شفهية مجزئة لإعادة الوعي والاستيعاب ولكن كنص دلالي بعد إعادة الاستيعاب لمرحلة تاريخية محددة ويدل على انسانية محددة من قبل الإله وبالتالي تم تحميل الإله إعادة الاستيعاب التي تمت للرسالة الإرشادية.
وعند الحاجة إلى اكتمال تلك الرؤية لاستيعاب الرسالة الإرشادية من قبل نخب الثقافة العربية لجأت إلى فرض نظرية الكمال لأدوات الرسالة وهي الرسالة الشفهية والرسول (محمد)، فهل ذلك حقيقي تاريخيا؟ ان المصحف العثماني كامل بذاته؟ وهل نظرية العصمة هي نظرية دينية ام هي صياغة لنظرية التثليث المسيحية أي الرسول الإله من زاوية أخرى؟! أو هي كإعادة لاستيعاب الرسالات السماوية على أسس ثقافية؟ وهل ما به المجتمعات التي جاءت فيها الرسالات الإسلامية هي غاية ما يبتغيه الإله ام قصور الاستيعاب لمقاصد الرسالات الإسلامية عن رؤيتها الكلية؟ فهل المجتمعات العربية والغربية واليهودية في الراهن التاريخي هي النموذج الذي يجب اتباعه كمجتمعات تطبق القيم الإلهية أو مجتمعات منتخبة من قبل الإله؟ فهل يجب علينا ان نرسل رسالة تهني المثيلين بعيد زواجهم كما فعل بارك اوباما كرمز للثقافة الغربية ام نقول كما تقول النخب العربية ان الخروج عن طاعة ولي الامر ولو كان جائر ممنوع بأمر الإله ام مثل المجتمع اليهودي الذي يخشي التواصل مع الاخر الإنساني باعتباره تدنيس للمجتمع المنتخب من قبل الإله فيبني للاجئين الأفارقة معسكر لمنعهم من التواصل معه ويحيط نفسه بسور لمنع التواصل بين اليهود والفلسطينيين؟ وهل وهل ....... كلها اسئلة لفتح المجال امام النخب السودانية الصاعدة حتى تبتعد عن الترميز التاريخي من اجل الوعي بما هو سوداني ثم بما هو اخر انساني ولكن وفق تحولات تختلف عن تحولات المجتمع السوداني.
ويجب ان نشير إلى ان نظرية الكمال لأدوات الرسالة انطلقت من ان تلك الأدوات تعبر عن الإله وبما ان الإله كامل فهي إذن كاملة وهي اعادة استيعاب مفاهيمي للرؤية المجتمعية في الترميز للإله وهو ما يؤدي إلى الوعي الإنساني بالإله كذات. وهو عكس ما تحاول الرسالات توصيله للبشرية فأدوات الرسالة هي بشرية بل حتى ضرب الأمثال بشري من اجل دفع الوعي الإنساني بعيدا عن الترميز وتحديدا النخب أو العلماء الذين أشير إليهم في الرسالات فهم ومن خلال وجودهم في مركز التحولات يستطيعون رؤية قصور الترميز المجتمعي عن الوعي بالكل الإنساني.
ولذلك سنحاول ان نوضح ان قصور الوعي بالكل المجتمعي ككل إنساني أو الاخر الثقافي كاخر إنساني أو حتى استيعاب الإله من داخل الثقافة التي حدثت داخل المجتمعات التي بها رسالات ليست نتيجة لتلك الرسالات ولكن لوقف النخب عند الترميز المجتمعي وصياغته كرؤية فان المجتمعات ترمز للإنسانية من خلال وعيها الجيني والراهن التاريخي دون كلية إلا التي تحملها داخل وعيها الجيني. فالأزمة اذن ليست كمال أدوات الرسالة فهي لا يمكن ان تكون كاملة كما الإله وذلك بتعالي الإله عن الترميز الإنساني، فكل البشرية تؤمن بالإله الواحد بطرق مختلفة ولكن اعادة استيعاب الإله بناء على الوعي الثقافي هو ما يخلق الاختلاف بين الإله المتعالي والإله الثقافي، لذلك كانت أدوات الرسالة تسير مع التحولات الاجتماعية للبشرية وتأتي من داخل الواقع المحدد في سبيل الإرشاد للمجتمعات والنخب ولذلك نجد ان الوعي بهدف الرسالة هو ما يؤدي إلى الوعي بالإله المتعالي وليس كمال أدوات الرسالة فالفرق يكمن ليس في كمالها ولكن في الهدف من الرسالة فاستيعاب الرسالة داخل الثقافة هو الذي يظهر الادوات ويخفي الهدف من الرسالة الحقيقي نتيجة لمتابعة النخب للتحول الاعمي المجتمعي.
الرسالة المحمدية والمعاني الاصطلاحية:
جاءت الرسالة المحمدية كما الرسالات الإسلامية الإلهية، أولا لإعادة تعريف المعني الإلهي الذي يتجاوز الاحالات المادية التاريخية وتعريف العلاقة بين الإله والإنسان الفاعل وفاعلية النخب أو العلماء على مستوى مجتمعاتهم لتحرر تلك المجتمعات من الترميز التاريخي للماديات، ثانيا لتجاوز ما علق بالرسالات السابقة من شوائب وذلك باحتكار الدين من قبل الرهبان والربانيين الذين لجاوا إلى وتحريم وتحليل كثير من الأشياء على البشر باعتبارهم ممثلين للإله على الأرض من اجل إثبات رؤيتهم، وكذلك الوعي بالترميز المجتمعي الذي عبرت عنه النخب في مفاهيم بان رسلهم عبارة جزء من الكل الإلهي أو افرادها عبارة عن المجتمع الإلهي المنتخب. فاقرب الرسالات التي تم تكثيف الخطاب عنها وهي اليهودية والمسيحية فقد كان إعادة الاستيعاب من قبل النخب بناء على الاستيعاب من قبل المجتمعات التي رمزت الرسل من أداة للرسالة كشريك في تلك الرسالة فأصبحوا عبارة عن آلهة أو افرادها عبارة عن المجتمع الإلهي المنتخب. ولذلك كان اعادة الاستيعاب من قبل النخب العربية يتم بناء على الترميز المجتمعي والرؤية الإنسانية للتحولات فكان تجاوز المعني البياني الذي جاءت به الرسالة في محاورة العرب من خلال مفاهيم متداولة إلى الترميز لتتوافق مع البناء الثقافي العربي وتم الرجوع في تفسير الرسالة إلى المعني الثقافي القيمي، فقد سيطرت رؤية الذات الإلهية الفاعلة التي سادت قبل الرسالة في العلاقة بين الإله والإنسان بعد الرسالة وكذلك العلاقة بين الرجل والمرأة والعلاقة بالأخر التي استبعد منها كل أخر لا يدور داخل الفضاء الإسلامي الثقافي. ولذلك نقف عند عدة مفاهيم عند النخب العربية ونري الفرق بين معناها البياني ومعناها الترميزي أو الثقافي.
المصحف العثماني والتأسيس الثقافي العربي:
ان اعادة الاستيعاب التي تمت للرسالة المحمدية بناء على ما هو ثقافي من قبل النخب العربية أو محاولة التفسير التي تمت للرسالة لم تتجاوز بها مرحلة الراهن التاريخي بالنسبة للإنسان العربي ولذلك جاءت تلك التفاسير محصلة لما هو آني وثقافي. وكما ذكرنا سابقا في ان الرسالة الدينية في الأساس عبارة عن صياغة قيم ثقافية في صورة مفاهيم ثم بعد ذلك يتم تفكيك تلك المفاهيم لإعادة صياغة الوعي الإنساني الذي تجمد عند ترميز تاريخي للقيم والمحددات الثقافية، ولذلك نجد ان الرسالات الدينية تأتي محاولة للإسهام من داخل الوعي الثقافي من قبل الإله لتجاوز الترميز عندما يكون عائق عند التحولات. ولكن ما تفعله النخب الثقافية هو الوقوف عند المرحلة الأولي وهي مرحلة صياغة القيم إلى مفاهيم. وإذا ضربنا مثال على ذلك من خلال نص المصحف العثماني نجد مثلا مفهوم المؤمنين فعند النخب أو العلماء الدينيين يقف عند المسلمين الذين امنوا بالرسالة المحمدية ولكن عند النص نجد إعادة تفكيك لذلك المفهوم مثلا (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9))، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تعيد تفكيك الرمز او المفهوم ليتجاوز الآني والثقافي ليشمل الإنساني المجتمعي أو الإنساني الثقافي فالمؤمن هو رديف الفعل الصالح وفق رؤية كلية أو وفق ممارسة سلوكية، حتى تعيد كل ثقافة تعريفه بناء على واقعها الخاص وعلى مرحلة التحولات التي تشملها، وكخلاصة أولية نجد من خلال المصحف العثماني لمعني مفهوم المؤمنين ليس كل مؤمن بمحمد هو مؤمن أو كافر وليس كل مؤمن بعيسي أو موسي هو مؤمن أو كافر فالإيمان يعتمد على ثنائية الإله المتعالي أو المتجرد وكذلك العمل الصالح الذي يخضع للانا الاجتماعية والتحولات الاجتماعية وبإضافة الفضل والعفو. ولم تنشا الأزمة إلا بعد ان تم اعتماد تلك التفاسير كمحصلة نهائية للرسالات الإسلامية (اليهودية والمسيحية والمحمدية وما قبلها) فكان على الثقافات الأخرى ان تدخل على الرسالة من خلال تلك التفاسير أو رفض تلك التفاسير وتعتبر بالتالي غير مؤمنة بالرسالة.
وكما ذكرنا سابقا فان الرسالة المحمدية جاءت بعد مع عدة رسالات لتجاوز الترميز التاريخي الثقافي وذلك حتى تصيغ النخب التحولات المجتمعية داخل مفاهيم ، وإعادة تعريف الإله والإنسان وعدم نسب الفعل الإنساني إلى الفعل الإلهي كما نجده في المصحف العثماني كبداية لرؤيتنا حول التحول الثقافي. وسنعتمد في المعاني البيانية للمفردات العربية على لسان العرب للعلامة ابن منظور، وفي المراجع على دراسة محمد عابد الجابري – مدخل إلى القران الكريم، غير المراجع التي نشير إليها في حينها (ويجب الإشارة إلى ان كل المراجع المشار إليها منقولة من الشبكة العنكبوتية أو النت والآيات من المصحف العثماني أو القران الكريم).
القران بين التعريف الاصطلاحي والتعريف البياني:
والتعريف الاصطلاحي للقران: هو كلام الله المعجز الذي نزل به الروح الأمين على قلب الرسول (ص) بألفاظه العربية ومعانيه الحقة ليكون حجة للرسول على انه رسول، ودستورا للناس يهتدون بهداه يتعبدون بتلاوته المدون بين دفتي المصحف المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل محفوظ من أي تغيير أو تبديل.
وهنا نسعي نحو تفكيك المعني الاصطلاحي الثقافي الذي كان نتاج لإعادة استيعاب الرسالة المحمدية داخل الرؤية الثقافية العربية التي نتجت مع التحولات الاجتماعية للمجتمعات العربية من مجتمعات تنحصر إنسانيتها داخل قبيلة أو عشيرة إلى مجتمعات تري ذاتها من خلال الهوية العربية، ولتفكيك معني الرسالة القرآنية الرمزي أو الاصطلاحي كفعل نخبوي وذلك من خلال استيعاب النص بناء على ما هو ثقافي على مستوى المعني الرمزي وتوجيهه اتجاه محدد ولإعادة صياغة الرسالة المحمدية ذات التوجه اللا-تاريخي وعدم حصرها كما نري في واقع تاريخي ثقافي محدد. فكل المقولات والمفاهيم التي سوف نناقشها تم صياغتها أثناء التحولات الاجتماعية من جانب النخب في تحويل القيم إلى مفاهيم ذات دلالة أحادية فالتعريف السابق للنص القرآني عبارة عن تعريف ثقافي بكل حواشيه التي تم استيعاب النص على أساسها.
ونبدأ من اخر التعريف لنري اثر الترميز المجتمعي على صياغة المفاهيم النخبوية، بـ (محفوظ من أي تغيير أو تبديل)، وأول ما نجده تاريخيا هو تعدد القراءات وتعدد المصاحف عند المراحل الأولي للرسالة ففي المصاحف نجد بجانب مصحف الإمام (وهو المصحف العثماني المتواجد الآن)، مصحف بن مسعود، ومصحف ابي موسي الاشعري، ومصحف ابي بن كعب، ومصحف المقداد، ومصحف بن عباس. هذا على مستوى المصاحف والتي كانت تعبر عن اعادة استيعاب بالنسبة للرسالة الدينية بين المجتمعات كل على حدة وذلك من خلال وجود نخب مجتمعية من عدة مجتمعات عربية وثقافات أخرى وبالتالي كانت تعبر عن وعيها من خلال استنطاقها للنص الديني ففي بداية مرحلة الرسالة كان كل مجتمع الرسالة الشفهية لاستيعابها بعيدا عن الكل الاجتماعي العربي بناء على وعيه في تلك المرحلة، ومع استمرار التحولات وتجاوز المجتمعات لرؤيتها منفردة إلى الوعي بالكل العربي ككل انساني تعبر من خلاله عن انسايتها نتيجة لتلك التحولات المجتمعية فتم اعادة استيعاب للرسالة فبعد ان كانت كل المجتمعات تستوعب لذاتها فقط أصبح هنالك كل عربي وبالتالي تم تجاوز ترميز القراءات والمصاحف من قبل مجتمع النخب القرشية باعتباره يمثل مركز التحولات للثقافة العربية. اما على مستوى القراءات فنجد (اختلفَ رجلان في سورةٍ ، فقال هذا : أقرَأني النبي صلى الله عليه وسلم. وقال هذا : أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك ، قال فتغير وجههُ ، وعنده رجلٌ فقال : اقرأوا كما عُلِّمتم - فلا أدري أبشيء أمِرَ أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه - فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافُهم على أنبيائهم. قال : فقام كلّ رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا ومعناه) (تفسير الطبري)، ونقلا عن محمد عابد الجابري، مدخل إلى القران الكريم – الجزء الأول في التعريف بالقران (روي البخاري عن عمر بن الخطاب انه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرا سورة الفرقان (في صلاته) على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله (ص) أقرانيها، وكدت ان أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته (أمسكته) بردائه، فجئت به رسول الله (ص) فقلت: اني سمعت هذا يقرا (سورة الفرقان) على غير ما اقرائتنيها، فقال لي: "أرسله" (ارفع يدك عنه). فقال له: "اقرا". فقرا، قال (النبي): "هكذا أنزلت". ثم قال لي: "اقرا". فقرات، فقال: "هكذا أنزلت، ان القران انزل على سبعة احرف، فاقروا منه ما تيسر")، (يقول القرطبي عند تفسيره لسورة الأحزاب: (سورة الأحزاب مدنية في قول جميعهم. نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله ... وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة، وفي رواية عائشة زوج النبي قالت: "كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله (ص) مائتي اية، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن"، وفي تفسير القرطبي أيضا: (قال مالك في ما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: انه لما سقط أولها سقط "بسم الله الرحمن الرحيم" معه. وروي ذلك عن بن عجلان انه بلغه ان سورة "براءة" كانت تعدل البقرة أو قربها ... وعن حذيفة قال: ما تقراون ربعها" يعني براءة"، وفي الصحيحين عن انس انه "نزل قران في الذين قتلوا في موقعة بئر معونة، قراناه حتى رفع وفيه: "ان بلغوا عنا قومنا انا لقينا ربنا فرضي عنا وارضانا".
ونتوقف هنا لنشير إلى ان اختفاء النصوص أو المصاحف الأخرى والقراءات المذكورة لا يؤيد أو ينفي الرسالة الإرشادية ولكن تنتفي القيم الجامدة التي تم احتواء النص داخلها. فاحتواء الرسالة المحمدية ضمن ثقافة ومرحلة تحولات محددة أدى إلى ان تبتعد تلك الرسالة عن مراحل التحولات التي أتت بعد ذلك على مستوى الثقافة العربية أو على مستوى الثقافات الأخرى التي آمنت بالرسالة المحمدية كما شيدتها النخب العربية. وبالتالي أدت إلى ثنائية الدين والدنيا والعبادات والمعاملات والحدود والمصالح المرسلة وغيرها من المفاهيم التي جاءت كمحاولة لاستيعاب مرحلة التحولات من خلال قيم جامدة وليس من خلال الواقع من قبل النخب.
فمعاني الرسالات الإرشادية السماوية متواصلة داخل الكون أو التحولات الاجتماعية دون الحاجة إلى كتاب للدلالة عليها لكل من يسعى للوعي بها كما وعي بها الخليل إبراهيم كمثال من داخل الرسالة دون رسالة سماوية. فالأزمة ليست قصور الوعي عند استيعاب الرسالات ولكن ترميز ذلك القصور للمجتمعات بأنه قمة الوعي، فعلي النخب استيعاب مجتمعاتها كمجتمعات إنسانية والوعي بتحولاتها والأخر الثقافي كاخر إنساني يختلف في التحولات أو ترك المجتمعات لوعيها الجيني الذي يقودها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 724

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة