04-11-2012 10:19 PM

استقرار الاقتصاد السوداني مثل استقرار الموتى في قبورهم (1-3)

سليمان حامد


كشفت استقالة السيد وزير الصناعة عبد الوهاب محمد عثمان عن الخلل العميق في السياسات الاقتصادية التي تشير إلى انهيار وشيك في الحالة المالية والاقتصادية. ورغم ما أوردته صحيفة التيار في عددها بتاريخ 7 أبريل 2012 عن مخالفات واسعة النطاق كانت تجري في الخفاء منذ سنوات لتؤدي في الختام لإفشال إفتتاح المصنع وإهدار ملايين الدولارات من أموال الشعب ، وتثبت المستندات تورط شخصيات قيادية كبيرة في الدولة لها علاقة مباشرة بالنهاية الكارثية التي وصل إليها مشروع سكر النيل الأبيض. رغم ذلك كله فإنها مع جسامتها لا تتعدى القشة التي قصمت ظهر البعير ولا تمثل إلا ما هو بارز من قمة جبل الجليد فالفساد هو أحد الأسباب الأساسية ضمن أسباب جوهرية أخرى كان ينخر كالسوس في عظام الاقتصاد. وأوردت تقارير المراجع العام تفاصيل مفجعة عن الممارسات الفاسدة التي تمت وتتم في معظم مرافق الدولة. ونبه المراجع العام في العديد من تقارير ديوان المراجع أنه أصبح كمن يحرث في البحر . فرغم ما أوضحه من حالات نهب للمال العام وخرق للوائح المالية مسنودة بوثائق رسمية من لجنة كونها المجلس الوطني السابق مع لجنة الحسبة والمظالم وأوردت الحجم المهول للانفلات المالي وخرق قوانينه، مثل تجنيب الأموال وتأسيس شركات من غير علم وزارة المالية والمراجع العام. وقد أكد ذلك وزير العدل السابق السيد عبد الباسط سبدرات الذي صرح داخل المجلس الوطني أن هناك مئات الأسماء لشركات تأسست بمساهمة أموال دافع الضرائب ولا يصب أرباحها في الموازنة العامة لأنه لا وجود لها إلا في المقابر.

وتعدى ذلك إلى التحدي بدخول مؤسسات رسمية في شراكات مع شركات دون علم وزارة المالية والمفترض فيها أن تكون الرقيبة على المال العام. وتمتد يد الفساد إلى أموال الحج والعمرة والزكاة لدرجة جعلت وزير الإرشاد والأوقاف يعترف بأن تدميراً كاملاً لحق بالأوقاف وقطع بأنه سيحاصر المفسدين. والجدير بالذكر أن شبهات الفساد وصلت إلى أرقام مليارية ، وبالفعل أصدر مجلس الوزراء قرار بحل هيئة الحج والعمرة.

ولم نسمع بأن أياً من الذين امتدت يدهم إلى المال العام قد قدم لمحكمة علنية على الأقل لرد أموال الشعب إلى الخزينة العامة.

إن استشراء الفساد بصورة مفزعة يعجز عنها الوصف هو الذي أخاف المستثمرين المحليين والأجانب بشكل خاص وجعلهم يحجمون عن استثمار أموالهم في السودان.

وهنالك الكثير من الأمثلة التي يصعب حصرها في مقال . ولكن نورد هنا على سبيل المثال : انتقد المستثمر السوري الأصل، سوداني الجنسية محمود عمر محمود درويش بشدة إجراءات الاستثمار في السودان متهماً مسؤولين بالفساد والتلاعب في المستندات. قال إنه اشترى مصنع نسيج الباقير عبر المصفى “دهب ترست” وتفاجأ بسطو جهة متنفذة بالدولة على حوش مساحته 200 ألف متراً عبارة عن مساكن لعمال المصنع. وكذلك السطو على أرض أمام المصنع مساحتها 200 ألف قدم تستخدم للصرف الصحي. وقال أن حكومة ولاية الجزيرة قالت أن شخصاً آخر اشتراها (وروح أدفع له)

وقال أن العديد من المعوقات الجمركية واجهته لدى استيراد مصنع آليات وكسارات وقلابات لمصنع الكروم بالنيل الأزرق، رغم انها معفاة من الجمارك. إلا أنه تفاجأ بعد إحضارها مطالبة بدفع 1.3 مليون جنيه فضلاً على دفع 600 ألف جنيه سوداني رسوماً أخرى الشيء الذي أربك كل حساباته الاستثمارية. وأنتقد المستثمر إهدار الزمن والتسويف وأن الإجراءات غير واضحة وفتحت باباً واسعاً للفساد.

وبما أنه ظل يستثمر في السودان منذ 1998 ولديه عدة مصانع إلا أن مصالحه قد تضررت بسبب الفساد وهي مهددة بالتوقف (راجع صحيفة الصحافة عدد 4 فبراير 2012م)

ولهذا فإن محاولة إلغاء المسؤولية على جهات أجنبية أو على الأزمة العالمية، وغيرها من الأسباب ليس سوى تبريرات تدحضها الممارسة في الواقع. فالفساد أصبح جزءاً لا يتجزأ من سياسة سلطة الرأسمالية الطفيلية.

كان وزير المالية في بداية عهده في هذا المنصب يكابر ويحاول مناطحة هذا الواقع بحلول نطلب من الواقع ما ليس فيه وبرزت مكابرته عندما أكد أن انفصال الجنوب وبالتالي فقدان بتروله لن يؤثر على معيشة الشعب، ولن يغير الموازنة العامة. وتمخضت مناطحته لصخرة الواقع – شأن حماس المستجدين في كراسي الحكم. وتفتقت عن نصائح للشعب السوداني بالعودة إلى (عواسة الكسرة).

ولكن بعد سنوات من ممارسته للسلطة ومذاق طعمها، نشرت الصحف السودانية أخبار الموظف زي الراتب الملياري الذي عينه السيد وزير المالية في منصب مدير سوق الأوراق المالية، والمخصصات المهولة له ولأسرته. وحق لشعب السودان أن يسأل اذا كان هذا مرتب المسؤول الثالث في الثالث في الهيكل المالي بعد وزير المالية ومدير بنك السودان فكم يبلغ مرتب ومخصصات وزير المالية نفسه؟!

كل ذلك يعكس أن وزير المالية لم يكلف نفسه الغوص في حقيقة وأسباب الأزمة المالية وكيفية الخروج منها. بل سار على نهج من سبقوه في هذا المنصب وقع الحافر على الحافر. فهذه سياسة دولة الرأسمالية الطفيلية في إدارة اقتصاد البلاد ليصب في مصلحة حفنة من أثريائها ومن يخدمون دولتهم ويحمونها ولا يهمهم تفاقم الأزمة ومعاناة الشعب.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن يسأل وزير المالية في تصريح نشرته صحيفة الجريدة عدد 12 مارس 2012 (كيف الناس ما قادرة تاكل) !! والجواب بسيط للغاية (لأنكم لم تفضلوا شيئاً يؤكل)

بل فاقمت من سقطته بقوله (الموازنة صامدة وستظل صامدة وما عندنا أي مشكلة)!!

وزير المالية الذي قال ما سبق ذكره هو نفسه وزير المالية الذي أعلن في مقابلة (مؤتمر إذاعي) بثته الإذاعة السودانية يقام الجمعة 6 أبريل 2012 أي بعد أقل من شهر على تصريحاته السابقة قال: أن الحكومة تتجه لاستقطاب قروض خارجية لإيجاد مخرج من أزمة النقد الأجنبي لكبح الزيادات المتسارعة في السلع الاستهلاكية. فهناك شح في النقد الأجنبي سنسعى لإيجاد قروض لموازنة سعر الصرف الرسمي والموازي وأشياء من هذا القبيل ! ولم يذكر هذه الأشياء التي تمثل دائماً (مربط الفرس)

وأكد أن وزارته ستعتمد على بعض التسهيلات المصرفية والائتمانية التي تمهل سداد أموال استيراد القمح لمدة عام. وأنها تعكف على حزمة من الإجراءات لاستقطاب النقد الأجنبي بالتوسع في الصادر وتقليل الطلب على النقد الأجنبي ورفع رسوم جمارك السلع غير الضرورية بجانب توقيع يجني 2.5 مليار دولار من عائدات الذهب.

وهو نفس الوزير الذي أعلن أن العجز في الموازنة بلغ 6.6 مليار دولار. وذلك في تنوير لرجال الأعمال والاقتصاد في البلاد في 21 مارس 2012.

إنها ذات السياسات المالية التي قادت إلى تدهور قيمة الجنية السوداني والتضخم مما أدى إلى الارتفاع الجنوني في الأسعار. وارتفعت بديون السودان إلى 40 مليار دولار. فقد أشار بنك السودان المركزي في آخر تقرير سنوي له أن إجمالي التزامات السودان الخارجية بنهاية العام 2010 بلغت 37.4 مليار دولار. ولكن التقرير لم يشر إلى البلدان أو المنظمات الدائنة للسودان غير الأعضاء في نادي باريس ومن بينها الصين التي بلغ إجمالي مديونيتها على السودان 13.8 مليار دولار وبلغت ديون دول نادي باريس 12.1 مليار دولار وديون المؤسسات الإقليمية والدولية 5.2 مليار دولار. والبنوك التجارية 4.5 مليار دولار. وتسهيلات الموردين الأجانب 1.8 مليار دولار.

ولهذا فإن الفرقعات الإعلامية والتهديد بالحرب مع هذا الواقع الاقتصادي المأزوم ليست إلا محاولة للفكاك منه، وشغل الناس بقضايا تبعدهم عن هذا الواقع وبهذا تصبح في نهاية المطاف مثل الحمل الكاذب.

لم يكن بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية بعيدين عن هذا الواقع، ويؤكد ذلك ما بحثه وزير المالية السوداني في 31 فبراير 2013 مع مساعد وزير الخزانة الأمريكية ميزانية ماريسا لانو عدداً من القضايا من بينها وضع وزير الخزانه الأمريكية ميزانية في موازنة حكومته للعام 2013 مبلغ 2.7 مليار دولار مساهمة من الإدارة الأمريكية في حل ديون أمريكا على السودان. مقابل إنفاذ بنود اتفاقية السلام الشامل تنفيذاً كاملاً. وأوضح الوزير السوداني المجهودات التي تقوم بها الدولة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي في إيصال المساعدات الإنسانية للمتأثرين بالحرب . وأن المسائل التجارية بين البلدين جاهزة للتعامل التجاري مع الجنوب إذا تم الاتفاق معه على الأسس المتعارف عليها في التجارة بين الدول.



نواصل

الميدان

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2007

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#331742 [abou kaream]
4.16/5 (11 صوت)

04-12-2012 03:36 PM
اثابك الله على اللمقال الرائع كيف يكون لدولة ان يستقر اقتصادها وهي في حالة حرب اكثر من 23عاما؟!!! هذا اولا ... ثانيا كيف للدولة يستشري فيها الفساد والمحسوبية ومن بين اكثر الدول فسادا في العالم حسب منظمة الشفافية العالمية في اخر تقرير سنوي لها ..؟؟!!!! كفا خداعا,, بالله عليكم سنة 23 الاقتصاد والجنية السوداني من الحضيض الى الحضيض ... ياعالم ربع قرن من الزمن وكل عام ترذلون!! العالم بتتقدم ونحن بنرجع وراء بس ؟!!!!... ياشعب السودان بالله عليكم غيرو الحال د1 اذا ماعشانكم عشان مستقبل اولادكم و اجيالكم


#331221 [مغبون]
4.15/5 (8 صوت)

04-12-2012 11:00 AM
استقرار الاقتصاد السوداني مثل استقرار الموتى في قبورهم ...لقد اصبت كبد الحقيقة،وكما قال الصادق انه جنازة بحر


سليمان حامد
سليمان حامد

مساحة اعلانية
تقييم
9.01/10 (14 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة