المقالات
السياسة
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (3)
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (3)
11-15-2015 10:09 AM


هنالك نوع ثالث من التنظيمات أو الأحزاب السودانية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الأحزاب الجهوية، ويضاف إلى ذلك أحزاب البعث. وفي هذا الصدد تقول د. رحاب عبد الرحمن الشريف، الأستاذ المساعد بجامعة الجزيرة: (ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من التكوينات التي اتخذت من المنطقة أو الجنس أساساً لقيام تحالفات سياسية الهدف منها خدمة مصالح تلك المناطق أو العشيرة فقط، وإن ادعت بعض الأحزاب تبنيها لأهداف قومية ولكن في الأصل بدأت بمفاهيم عشائرية)، وغيرها كثر وهي تشمل مؤتمر البجة وما تفرع عنه من مسميات حزبية، وكيانات دارفور القديمة والحديثة، مثل الحركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان، وحركة كوش، والحزب القومي السوداني في جبال النوبة، والأحزاب الجنوبية المختلفة. ولعل أسوأ مثال للأحزاب والحركات الجهوية في السودان هو الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن بعدها وليدها غير الشرعي الذي يعرف بقطاع الشمال. هذه الحركة جسدت العنصرية في أبشع صورها، وقامت بأنواع مختلفة من الممارسات العسكرية والسياسية؛ حتى أدت إلى انفصال الجنوب ولكنها لم تحقق الاستقرار في ذلك الشطر من السودان، ولا هي تركت أبناء الشعب السوداني متحدين رغم تباين ثقافاتهم وسحنهم ولهجاتهم؛ لكي يبنوا دولة حديثة تحقق الأمن والاستقرار لشعبها في المجالات كافة. والغريب في الأمر، أن دعاة الجهوية والإثنية لم يتعظوا من تلك التجربة المريرة! ولعل أول ما يلاحظ على هذه الفئة من الأحزاب أنها قد غفلت عن مجموعة عوامل تتعلق بالمجتمع السوداني؛ منها أن هذا المجتمع متعدد الأعراق والثقافات ولذلك من غير المعقول دعوته للالتفاف حول راية البعث العربي أو دعوى الأفريقانية! فنحن شعب هجين بمعنى أننا نحمل جينات عربية وأفريقية ولنا كيان متفرد يحتم علينا عدم الميل لأي من الدعوتين. ومن المؤسف حقاً أن تكون هذه الدعوات في جانبها العسكري إما أذرع للفكر اليساري كما هو الحال في بعض حركات دارفور وقطاع الشمال أو ذراع عسكري لجهة إسلامية مثل حركة العدل المساواة التي وجدت زخماً قوياً ودعماً لوجستياً وسياسياً عندما حدثت المفاصلة بين الإسلاميين. ومهما يكن الأمر فإن الأحزاب الجهوية والإثنية قد دقت إسفيناً في المجتمع السوداني لأنها أعاقت تكامل البنية المجتمعية وحالت دون تواصل مكونات الشعب السوداني حتى تنصهر في بوتقة واحدة وتكون ذات هوية جامعة تضم كل أهل السودان بغض النظر عن الجهة أو العرق أو اللغة أو الثقافة. من جانب آخر، معظم هذه الأحزاب والتنظيمات الجهوية والعرقية، لها أجندة ترتبط بدول الجوار وتتعارض بالضرورة مع المصلحة العليا للبلاد؛ لأنها تلجأ في معظم الأحيان للعمل المسلح والعسكري ضد الدولة وهي بذلك تهدر الموارد القومية والإقيمية وتزعزع أمن المجتمعات المحلية وتعطل الإنتاج والتنمية وتزهق الأرواح وتدفع بالأبرياء إلى معسكرات النزوح واللجوء وتوتر علاقات السودان مع دول الجوار! ومما يلاحظ أيضاً ( ظروف النشأة المشوهة للعديد من تلك الكيانات فهنالك أحزاباً وتنظيمات تظهر على الساحة السياسية السودانية ثم تختفي وتذبل فجأة بسبب استنفادها لأغراضها، أو لأنه ليس لها رؤية وثوابت وطنية أنشئت من أجل تحقيقها، خاصة إذا كانت لغة المصالح الشخصية هي التي تحكم تلك التنظيمات). وكغيرها من الأحزاب السودانية التقليدية والعقائدية فإن الأحزاب الجهوية والعرقية، كما يتضح من أجندتها، تفتقر لأي رؤية من شأنها أن تنهض بالبلاد. وينسب إلى هذه الفئة أنها قد عطلت مسيرة الديمقراطية وحالت دون تكامل الجهود الوطنية لبناء نظام حكم راشد يقوم على مرتكزات المجتمع السوداني وحاجاته الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية. صحيح أن الحكومات الوطنية قد فشلت في تحقيق الوحدة الوطنية والتكامل القومي وإدارة التنوع الذي يميز السودان بثقافاته وأعراقه المتعددة، مع تركيز التنمية، أن وجدت، في مناطق معينة دون سواها، إلا أن ذلك كله ليس مدعاة أو سبباً كافياً لحمل السلاح ضد الدولة تحت دعوى "التهميش" التي أضرت حتى بالذين رفعوا الشعارات الجهوية والقبلية والعرقية. وإذا ألقينا نظرة سريعة على ما يجري حولنا من أحداث مؤسفة في بعض الدول التي مزقتها الحروب لوجدنا أن مرد ذلك في معظم الحالات هو التفكير الطائفي أو الجهوي أو العرقي؛ ونحن في السودان، بالرغم من تنوعنا، فقد شهدنا فترات تاريخية ناصعة تلاحمت فيها مكونات الشعب السوداني وأسست ممالك عززت هوية السودان من كل النواحي ونهضت بالمجتمع عن طريق التواصل مع مراكز الثقافة الإقليمية مثلما حدث إبان مملكة سنار التي تمثل أول التقاء لما يمكن أن نسميه بالغابة والصحراء، أي العنصرين المكونين لمجتمعنا وهما مجازاً العرب والأفارقة. خلاصة القول إن الأحزاب الجهوية والعرقية تعتبر واحدة من بلاوى السودان التى أقعدته وحالت دون نهضته وأضاعت على شعبه فرص التواصل والوحدة. إنّ التنظيمات الجهوية والعرقية ما كان لها أن تظهر لولا ضعف منظومة الأحزاب القومية التي فشلت في استقطاب أبناء الشعب السوداني وصهرهم في بوتقة الوطنية عبر برامجها وهياكلها؛ لأنها لا تملك رؤية سياسية نابعة من مجتمعنا.


محمد التجاني عمر قش
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2107

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1370729 [ناير]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2015 02:59 PM
يُفترض أن تكون للأحزاب هياكل ينتخبها كل أعضائها، وأن تستمد أجهزتها التقريرية والتنفيذية شرعيتها من هذه الانتخابات بالذات ومن تداول المسؤولية داخلها...
يلزم المسؤول السياسي الحزبي التحلي بحصانة نفسية تحميه من أسر كرسيه وغواياته؛ فقد يدمنه ويقدم كل شيء في سبيل البقاء فيه...، لكننا نجد أن زعاماتنا السياسية قد وضعت في ذهنها أنها والحزب كيان واحد، وبالتالي منحت نفسها حقَّ أن تفعل به وبأعضائه ما تشاء. لذا، ينبغي أن يفهم المسؤولون السياسيون أن الديمقراطية ليست حصانة للبلد أو للحزب فحسب، بل هي أيضا حصانة وحماية لهم من الوقوع في إغراءات الكرسي الناجمة عن الاستبداد والانفراد بالقرار...
عندما يتوهَّم المسؤول الحزبي أنه محور الحركة والفكر والنشاط والحزب والوطن، فإنَّ الأصوات الصادقة والتصورات الجادة المختلفة معه التي قد تجدد فكره وتوسع أفق رؤيته وتعمقها، تلك الأصوات تتفرق من حوله، فيصاب آنئذ بتخلف الفكر وجموده، فتفوته الاستفادة من دروس الحياة وتجاربها ويتكلس عقله، مما ينعكس سلبا على مواقفه وقراراته وأفعاله وردود أفعاله لأنه يكون قد سجن نفسه داخل حلقة من الزيف، فتغيب عنه، بالتالي، الرؤية السياسية المحيطة بالواقع، بل قد ينكر هذا الواقع حتى ولو لاحظ من حين إلى آخر مؤشرات سوء الأحوال، لأنه يكون قد مَاهَى الحزبَ مع شخصه. وإذا ما حوصر بأسئلة أو انتقادات، فإنه يلقي باللائمة على الشعب... فمثلا، عندما يواجَه بمسؤوليته عن غياب الديمقراطية، فإنه يحمل الشعب المسؤولية باعتباره يفتقر إلى ثقافة الديمقراطية. ولا يمكن استساغة مثل هذا المنطق ممن يفترض أنه يمارس السياسة ومكلف بمسؤولية عمومية في بلده. إنَّ ثقافة الديمقراطية لا تنعدم لدى المغاربة، لكنها محجوبة عنهم قسرا بفعل قيام الحياة السياسية على الخضوع القهري للسلطة، مما أخرج الشعب من المشاركة في القرار والاختيار الحر لنمط تدبير شؤونه وبرلمانه ومسؤوليه...


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية
تقييم
6.30/10 (93 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة