مكوايج يحب ميري ( قصة قصيرة)
04-17-2012 04:36 PM

مكوايج يحب ميري ( قصة قصيرة)

طه جعفر
[email protected]



المكان يشبه كومة من الجالوص تم تشكيلها بعجل لتأوي نزوحهم، حوائط قصيرة سّنَن المطر أعلاها فبدت كنصال قديمة ، تلتصق علي أسطح الحيطان أعوادٌ صغيرة، أجزاءُ من أوراق أعلاف أب سبعين استعصي هضمها علي بطون الأبقار ، حبيبات ذرة عنيدة جميعها تلتصق بإهمال علي الحوائط،، تكفي كشطة ظفر واحدة لإزالة قدر غير قليل من تراب السطح الجاف و الهش . بيوت الطين التي تجدد مظهرها و تزيد مقاومتها للمطر مسحات الزبالة برائحتها غير المحببة كرائحة الدواء. حوْل الكرتون ينتشر الرمل و الغبار من كل جانب. عند هطول الأمطار تتحول الحفر التي تُخَلِفها إطارات البصات الكبيرة إلي مسابح من الماء المختلط بالطين. لا يجد الصغار بدا من التمتع بهذا الماء الوسخ سابحين.
المدخل إلي الحي هو محطة 2 في الطريق إلي سوق 6 علي الشارع الرملي الذي ينفث الغبار الكثيف مهددا جهد النساء الدءوب في التزين. فقط هي الأرقام لتدل علي الأماكن كأن السلطات أرادت تسهيل مهمة الكشات و أعمال الهدم ، أليس هو الكرتون؟. (انجلينا) ولدته في هذا المكان بمساعدة قابلة تدربت مع الخواجيات بمستشفي الراهبات.
كانت (انجلينا) تشتغل بدوام يومي كعاملة نظافة بمدرسة الراهبات الكاثوليك إلي الشرق من وزارة الخارجية، تغادر صباحا بيتها علي صوته يخرج من الراديو في امدرمان يتوعد أهلها بالموت و كل من حالفهم من الشماليين بالموت و خراب البيوت بلغة غليظة عصية علي الفهم ، تعود و نفس الكلام يتردد من راديو البص المزدحم ، النباح من الراديو خلق إيقاعا لخروجها و عودتها، إيقاع مسموع يرافقه الغضب لان سائقي البصات يصرون علي تشغيل الراديو في تلك الايام التي أنهكها الترقب. كانت تنزل عند قيادة المنطقة العسكرية الوسطي في باكر صباحات الخرطوم علي شارع المك نمر لتمشي إلي مدرسة الراهبات و تعود بعد نهاية العمل علي نفس الطريق مشيا و في انفها خليط من رائحة التراب و الطباشير لتغالب حر الطريق ، رماده ، سجم عودام السيارات و بقية الأبنية الأنيقة. ليست في ذاكرتها في هذا المشوار من الابتسامات إلا مشاكسات السيدات( بيانكا)، (فلومينا) و (كامليا) بألبستهن البيضاء التي يعلوها (تابارد) رمادي مكويُ كأقمصة الجند و علي رؤوسهن ربطات الرأس المميزة للراهبات في خدمة الكنيسة الكاثوليكية. و تحيات المدرسات المملوءة بالحنين.

انجلينا في منتصف العقد الثالث عيونها وادعة إتخذ سوادهما حدودا صارمة من بياض العينيين الرائق المضياف. وجهها بلونه الأبنوسي الغني الذي لم ينجح الشقاء و لا الكرتون في سرقة نورته المشرقة. في مشوارها بين مدرسة الراهبات و المكان المجاور لقيادة المنطقة العسكرية الوسطي كانت تمر كأجمل امرأة حامل ، يعود ذلك الجمال لاتساق الحمل بانتفاخ بطنه مع تفاصيل جسدها المشدود كشجرة دليب باذخة. (انجلينا ) فارعة الطول و بهيجة الملامح.
جاءها المخاض ذات مساء فهرعت الجارات يستدعين القابلة. هكذا ولد مكوايج بين خالاته و عماته من نساء الجيران فتيً خرطوميا من أطراف المدينة. أبوه من قبيلة الدينكا ، اسمه قلواك انشغل في حروب الجنوب مع جيش المركز فتبددت حياته الأسرية لتنزح( انجلينا) زوجته ببناتهما الي الخرطوم برفقة أهلها. هكذا ولد مكوايج في غياب والده.
انفراج هموم الحمل و يسر الولادة لم يعكر صفوهما عند (انجلينا) الا غياب زوجها في دروب الحرب و انقطاع أخباره. كانت تحس وحشة في المكان لغيابه الطويل و البعيد.
نشأ مكوايج علي أطراف الحاج يوسف الشرقية في كرتون كسلا ، حوله الفقر و الحرمان من كل جانب. منظر البصات الكبيرة بخطوطها العريضة الزرقاء الفاتحة و البيضاء. هو المنظر المديني الوحيد الذي لامس براءة نظراته .
الغبار، عفونة مياه الأمطار في فصل الخريف، حر الصيف اللاهب، برد الشتاء بكتاحاته المعاودة التي لا تفتر، كارو الحمار لنقل الماء برميلين ملتصقين، الأزيار، جركانات الماء. يباع الماء بالجوز جركانتين لثمن واحد ، بائع الماء و حماره يتبدلان و الازيار هي الازيار و كذلك البراميل. في الشارع و هو زقاق ضيق بين حوائط جالوص، زقاق متعرج كارو الحمار (الطبلية) و ما يجره من ناس او اغراض ، إنتصابات أعضاء الحمير متدلية و كبيرة و ما تجلبه من ضحكات الأطفال الأشقياء، يضحكون اكثر عندما يجر الحمار عضوه الي اعلي ليلتصق ببطنه و ينزله مهتزا بحزم. حوارات الأطفال عن مغامراتهم في بحري و الخرطوم كانت اشد ما يخيف في هذه الأزقة الضيقة التي لا تسع كل هذا العدد من الصغار الذين سُرٍق مستقبلهم و بدد العذاب أحلام آبائهم.
عملت (انجلينا) جاهدة حتي يكمل مكوايج تعليمه، الكرتون و تعاساته ، الكشات ، ضجيج السكاري و الشجارات التي يخرج في أولها السلاح و أحيانا قبل ان تبديء، كل هذه الأمور لم تلن لها قناة في إصرارها علي إكمال مكوايج لتعليمه . دفعت به إلي اقرب مدرسة في مربعات الحاج يوسف،المكان خطر و لا يحتمل إرساله الي مدرسة اخري. قلقت عليه و خافت من إغراءات الصغار الآخرين من أولاد الكرتون الذين لا يفوتون فرصة لركوب البص الي الخرطوم او الي بحري، ليعودوا بقطع الموز التالف ثم يختلقون الحكاوي عن عوالم بحري و الخرطوم الوردية بمغامراتها الكبيرة في أعين الصغار. كانت( انجلينا) تسمع أحاديثهم و تخاف أكثر . كلفت (انجلينا) أختها لترافقه الي المدرسة رائحا و غادٍ. أكمل مدرسة الأساس و انتقلت به البصات إلي أماكن بعيدة ليكمل الثانوي ، ازداد خوفها عليه. تغير شكل المكان حول الكرتون و لم يتغير شيء في واقع الخدمات البؤس في مكانه لا يبارح و لا يغيب حمار كارو الماء و كارو المواصلات . عندما كان صغيرا يسأله الأطفال عن بيتهم فيقول "انهنا بيتنا في الكرتون" يضحكون و مكوايج لا يعرف السبب وراء الضحك. يمضي بيومه المدرسي، كل ما عرفه مكوايج إن الامتحانات سهلة و هو يستطيع انجازها بنجاح باهر و يتنقل من عام إلي عام كطالب متفوق. خافت (انجلينا) علي ضمير ابنها الديني عندما جاءها يوما لتسمع منه آيات القرآن التي حفظها فهي ضرورية لامتحان الغد ، أخذته إلي جارهم من المساليت فأنجز لها الواجب و طمأنها بالقول" معرفته بالإسلام لن تغير شيئاً من واقع الحال " . تحدثت (انجلينا) لاحد زميلاتها بالمدرسة عن قصة سورة القرآن فقالت لها" ربما إذا ذهبت إلي مدير المدرسة لتقولي لهم إن مكوايج مسيحي سيرفتونه"
خافت فلم تذهب معه إلي المدرسة، فأكمل مكوايج مدرسته مغالبا كل الهموم من الطلاب و المدرسين دون أن يزور احد أقربائه المدرسة. معرفته للغة العربية جعلته مفيدا جدا لأهل الكرتون فكان يقرأ لهم أوامر سلطات الإسكان بالهدم و الإزالة ، ربما يتحاور مع المسئولين إذا وقفت اللغة حاجزا بين أهل الكرتون و السلطات. كان جميع من في كرتون كسلا يعلمون أن الهدم هو ليس الحل فيَتَحزّمون لمقاومة قرارات الهدم و الإزالة لما يعرف عند السلطات البلدية ، الإسكان ، المحلية، المحافظة ، الولاية و السلطة الحاكمة بالسكن العشوائي. تعلم مكوايج اللغة العربية جعله يعرف لماذا يسمي المكان كرتون كسلا ربما يكون ذلك لأنه يقع في نهاية شارع كسلا.
أكمل مكوايج المرحلة الثانوية بنجاح باهر، أنوار هذا النجاح ملأت عيون أمه بالدمع، تلك العيون الجميلة التي عذبها خليط الغبار و الطباشير. التحق مكوايج بالجامعة و أكملها ثم تخرج فيها محاميا.

ميري من فتيات دينكا ،تسكن في احد البيوت غير المكتملة إلي جوار مقابر بري اللاماب أمها زميلة أمه و صديقتها. مكوايج يلتقي بها في كل المناسبات و المواسم، أحيانا يمضي مع أمه إلي زيارة بيت ميري التي اكملت المرحلة الثانوية بمدرسة الراهبات. و أزهر الشباب في محاياها كبدرٍ خجول تغازله الغيوم فيبزغ في المساء مائة مرة.


مكوايج الآن يتدرب في احد المكاتب بالخرطوم مع احد المحامين الكبار، تطاولت عليه النهارات و المشاوير بين المحاكم بلحظات فراغ ممتدة منتظرا الإجراءات او المواصلات وحيدا في مشاويره يغالب مدينة لاتنهزم شرورها. يتذكر في تلك اللحظات بالأسئلة لماذا لم يرتبط بعلاقة صداقة حميمة مع احد الشماليين ممن التقي بهم في المدارس او الجامعة؟
لماذا لم يرتبط بعلاقة حب مع احد الفتيات الشماليات.؟
الأمور في ذهن مكوايج واضحة ليس فيها لبس او شكوك الحرب هي الحرب، الاستعلاء هو الاستعلاء ، التهميش هو التهميش ، حائط اللغة و العرق هو نفسه. الأمور واضحة جدا في ذهن مكوايج و كل الالتباسات لن تعجز تفكيره و لن تمتحن ذكاءه الوقاد. تذكر مكوايج ان زملاء دراسته من الشماليين لم يكونوا سييء الطباع ، لم يبادروه يوما بأي تعابير او ممارسات عنصرية و لا حتى حادث عرضي، لا يوجد في ذاكرته شيء من هذا القبيل ، كانوا فقط لا يهتمون، لا يهتمون بقصته أو قصة أمه التي تملأه بالفخر أو قصة أبيه الذي غيبته الحروب و هو لا يعرف عنه شيئا لانقطاع اخباره و لا يعرف حتى ملامحه إلا ما يجده في وجه الأعمام و العشيرة. أليست هذه أمور كبيرة و مهمة جدا؟ كفاح أمه لكفالته مع أخواته و همها ليكمل تعليمه و خروج أبيه محاربا في شأن عام أليست أموراً تسترعي الاهتمام ؟؟ لكنهم لا يهتمون كانوا لا يهتمون! كان مجرد جنوبي أمامهم هو فقط واحد جنوبي. لا تتم زيارته عند الأفراح و المآتم أو المناسبات الأخرى ، لم يزره احد زملائه أبدا لم يدخل زملاء دراسته بيتهم أبدا !!. فقط كانوا لا يهتمون تقف الأمور معهم في حدود السلام و الأسئلة المكرورة و المجاملات السمجة . كل حواراته التي يضحك فيها بعمق او يحزن خلالها بأسي كانت تتم في المسافة بين حوش كمبوني و موقف الحاج يوسف فقط في ذلك المكان أو إلي ميدان ابو جنزير برفقة إما اهله أو أقرباء جاءت بهم هجرات النزوح من أولاد و بنات الجنوب.
هكذا اعتصر الألم قلبه جراء عدم الاهتمام . هب مكوايج وافقا و قال بصوت عال ليسمعه فراغ المكان الي جواره "أنا أحب ميري ، هي ستكون فتاتي التي سأبث إليها أحزاني و هي الفتاة التي سأفرح معها إلي آخر الزمان"



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 897

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طه جعفر
طه جعفر

مساحة اعلانية
تقييم
4.40/10 (8 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة