05-03-2012 09:10 AM

كيف لا

فك شفرات الذاكرة

منى عبد الفتاح

قبل كتابة هذا المقال وبعده مضيت كثيراً في رصد تأثير جماليات المكان على الذاكرة، الواقع والمتخيّل ومن ينتج الآخر؟ ما هو الأصيل والمكتسب؟ سبحت عميقاً ثم رجعت إلى نفس المقال بعبير مكانه وزمانه.
علاقة الإنسان بالمكان علاقة حميمة وبها من الأُلفة والمودة الشيء الكثير. وبالرغم من أن ظاهرة الوقوف على الأطلال التي كانت سكناً للأحبة قد تغيرت النظرة إليها ووصمت بالسلبية والاستسلام لحالات الضعف، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً لكنه قوي يربط بين من قُدّر لهم أن يقعوا تحت تأثيره ويخضعوا لديناميكيته متى ما قويت العاطفة وصدق الإحساس. والوقوف على الأطلال وسيلة من وسائل استرجاع الذكريات بآمالها وآلامها ولا تكاد تشذ قصيدة من قصائد الشعر الجاهلي ولا تخرج عن مألوفها.
وقفت على أطلال عنترة بن شداد وأنا أسترجع بانوراما على سطح صفحة حقيقية من حياته الثرة ، والفضول يجرفني، حتى أتاني صدى صوته من صخرة «النصلة» التي سميت باسمه، والتي قيل إنه كان يربط فيها حصانه ليلتقي بعبلة تحت ظلها ليتبادلا كلمات الغزل ويبوح لها بقصائده:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعِمِّي صباحاً دار عبلة واسلمي
حظ بلدة «قصيباء» وإرثها التاريخي كبير فهي لم تشهد ملحمية حب عنترة ومأساته وحدها وإنما تكون مخزونها التاريخي قبله من الحرب الشهيرة حرب «داحس والغبراء» بين قبيلتي عبس وذبيان والتي دامت أربعين سنة ، وكانت شرارتها سباق للخيل. كل هذا الإرث الكثيف والمدينة تقف حتى الآن تحت شمس «نجد» اللاهبة وجوها الصحراوي الكثيف دون أن تتعرض معالمها ونمطها التاريخي للضياع، وصخرة عنترة وعبلة تحفظ تاريخ العشق الموءود.
ظهرت لنا رؤوس النخيل وهي تلوح في الأفق ترحب بالداخلين إلى البلدة، وهو نفس الطريق الذي اقتيدت عبره إلى هنا قبل ألف وخمسمائة سنة، امرأة حبشية سوداء مسبية لتصبح أمة لوجيه القوم شداد العبسي من سادات مضر وكان اسمها «سمية»، وبسبب من العنجهية القبلية، أُطلق عليها – على سبيل الاستصغار والتحقير - لقب «زبيبة». وكان على الطفل عنترة، الذي ورث السَّواد عن أُمُه، أن يدفع ثمن هذا الخلل في النظام الاجتماعي، بإنكار أبيه له، وعدم اعترافه بحقه الإنساني الطبيعي في الحرية والمساواة.
جاءت مأساة عنترة الحبشي الأسود عكس تمنيات أمه التي أرادت له أن يولد حراً، لتبدأ مأساة الطفل عنترة العبد ابن السيد ولكن ملحميته الخالدة وحاجته للحرية هي التي جعلت منه فارساً استثنائياً مرعباً، نبيلاً وضارياً. لم ينتظر عنترة الفرصة طويلاً فقد غزت قبيلة طيي ديار عبس وساقت إبلها وكان عنترة بعيداً يرعى فأتاه أبوه مكسوراً مهزوماً يشتكي ضياع أملاك عبس كلها ليتقدم عنترة بشهامة واعداً أباه بالثأر له و لعبس ومُلكها جميعه.
هي الطاقة الكونية الكامنة حبيسة الألم والمأساة، هي التي ساعدته في الإغارة على طيي وسحق فرسانها واسترداد الإبل والمغانم والعودة بها بكل شجاعة واستبسال وقوة وفروسية لديار عبس. فما كان من أبيه الذي اعتلته حمية الفخر وتحركت الدماء الساكنة الخجلى في عروقه إلى أن تقدم نحو ابنه وقبّله وعاين جروحه وأعلن أمام الملأ بأن عنترة ابنه وأنه وهبه الحرية. لم يكن ذلك كله أقصى ما يهم عنترة فحصوله على حريته كانت من المفترض أن يؤهله إلى إعلان حبه لابنة عمه عبلة والتي كان وجهها لا يفارقه حتى في أشد لحظات حمى الوطيس :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيــوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
استدعى المكان إلى ذاكرتي صوراً متعددة مليئة بعبق التاريخ، صور للألم والأمل والجمال، للشعر والفروسية، للحب المقموع، للكفاح النبيل ضد إقصاء الآخر، صور للحرمان والتمييز العنصري. مات عنترة ولم تمت أشعاره وترك لنا معها صخرة وتاريخاً وقضية.

الاحداث

تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2768

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#354936 [منذر محمد حمد]
5.00/5 (1 صوت)

05-05-2012 09:11 AM
مقال فى غاية الجمال والروعة,,,,والتحية لك الاستاذة منى عبد الفتاح


#354318 [المعذب]
5.00/5 (1 صوت)

05-04-2012 12:14 PM
هذا المقال اعاد لى الذكرى عن ماضى جميل رغم الالم الذى عشته حين اقف على اطلال حبيبتى فاتذكر يوم اللقاء واذكر يوم الفراق حين نسرق الدمع وبنا ما بنا من الاّلام فانسج مقطوعات شعرية عن حبيبتى فى الحب (الحب ياتى اولا ....كالوهم لا ....كالطيف لا....لكنه شيئا كاحلام الطفولة وابتسامات لصغار .....الخ) وفى يوم الوداع اقول لها (فادركت فى يوم الوداع تجلدا محاولة منى وانى لاكذب ....مكابرة اخفى عليك ادمعى لكى لاتذرف بها فاعذب ) فكل ما عادت الايام بى الى ذكرى الاطلال او وقفت بجانبها فاننى اعذب رغم حلاوة الالم وطلاوة العذاب .


#354105 [ابو محمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2012 02:26 AM
موضوع أكثر من رائع قرأته كلمة كلمة وأنا بفضل الله من الذين زاروا تلك المناطق فلكم توقفت عند بعض الكلمات التى وردت فى المقال وأنااسترجعها فى دواخلى ,مستذكرآ تلك الأماكن وما مر بها من أحداث عظيمة , وتاريخ دسم ومن بين تلك الأماكن وأهمها (عيون الجواء)وهى فى منطقة القصيم بالقرب من مدينة بريدة وعلى بعد 40 كيلو متر الى الغرب منها .
موضوع جميل ,,, وأجمل مافيها استلهام العبرة من التاريخ وأحداثه وربطها بالمكان وأناسه وحقيقة من ينتج من ؟؟؟


#353944 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2012 08:29 PM
زمان حبوباتنا كانوا بحجونا بقصة عنتر وعبلة وفي المدرسـة ما قصروا حفظونا (هل غادر الشعراء من متردم) وأريد أسألك عن سـميتك منى أبو زيد لأني لم أر صورتها منذ زمن وهل هي معك في السعودية.


#353617 [kaka]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2012 12:22 PM
النااااااااااااااس فى شنو ومنى فى شنو؟؟؟؟؟؟


#353514 [wadoud]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2012 10:55 AM
الذكرى للحبان


منى عبد الفتاح
منى عبد الفتاح

مساحة اعلانية
تقييم
5.25/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة