المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
النموذج السوداني: هل هو المصير المنتظر للربيع العربي؟
النموذج السوداني: هل هو المصير المنتظر للربيع العربي؟
05-03-2012 05:20 PM


النموذج السوداني: هل هو المصير المنتظر للربيع العربي؟

شمس الدين الأمين ضوالبيت
shamsaddindawalbait@gmail.com

ظلت القيادات الحاكمة في السودان تردد أن "منتظري الربيع العربي في السودان سيطول انتظارهم, لأن الربيع العربي بدأ في السودان منذ ‘ثورة اكتوبر’ 1964, و ’انتفاضة ابريل‘ 1985م , واكتمل بمجئ ’ثورة الانقاذ الوطني‘ عام 1989م, بينما تأخر كل هذا الوقت في بقية العالم العربي . وثورة الانقاذ المقصودة هنا هي الانقلاب العسكري الذي خطط له تنظيم الاخوان المسلمين بالسودان, وكان يُعرف آنذاك باسم ’الجبهة الإسلامية القومية ‘, والذي حمل حسن الترابي والبشير وبقية قيادات التنظيم المدنية والعسكرية إلى سدة الحكم في السودان عام 1989م. وعلى الرغم من أن هذه المقولة, هي في الواقع خطاب اعلامي مدروس ’لادارة الأزمة‘ لتي خلفها الربيع العربي, يهدف لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة التي أنعشتها هذه الثورات وأعطتها زخماً جديداً, ولرفع الروح المعنوية لقواعد التنظيم بأنها على الطريق الصحيح بعد أن صعد الإسلاميون إلى السلطة في بلدان الربيع, على الرغم من كل هذا إلا أن المقولة تحوي قدراً من الحقيقة.
فمن حيث المبدأ, كانت ثورات الربيع في تونس ومصر تعبر عن رفض شعبي لأنظمة سياسية تقوم على: 1- دولة قمعية وشخصانية إقصائية قائمة على الاستبداد السياسي وعدم تداول السلطة 2- ظلم اجتماعي يستند على مسيرة نمو منحازة لمجموعة صغيرة من المحظوظين واللصوص 3- أوضاع اقتصادية تتفشى فيها البطالة والفقر والفساد 4- تفتيت سياسي واجتماعي موبوء بالفتن الطائفية والقبلية والجهوية, و, 5- تبعية مذلة للغرب. لقد قالت الشعوب في مصر وتونس وليبيا كلمتها وأصدرت حكمها على هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية, وعبرت, بأثمان باهظة, عما تتطلع إليه من نهضة وكرامة إنسانية.
بهذا المعيار فقد كان الشعب السوداني مبادراً في مسيرة الربيع العربي, حتى إن لم يحدث ربيعه جملة واحدة وإنما بالتجزئة. إذ هبّ السودانيون بمئات الألوف إلى الشوارع في طول البلاد وعرضها, مخاطرين بحياتهم وحياة أسرهم, رفضاً لأوضاع شبيهة بهذه التي وردت في الفقرة السابقة, أولاً في اكتوبر 1964م ضد الحكم العسكري الأول الذي سيطر على البلاد عام 1958م , ثمّ مرة أخرى في ابريل 1985, ضد الحكم العسكري الثاني وحزبه الحاكم الأوحد, والذي استولى على السلطة بالانقلاب أيضاً, عام 1969م . وفي كل واحدة من هاتين الانتفاضتين كانت الديمقراطية والحريات الأساسية وإيقاف الحرب الأهلية في الجنوب وتعزيز الوحدة الوطنية ورفع المعاناة الاقتصادية عن كاهل الجماهير هي المطالب الرئيسية للمنتفضين.
لكن, وعلى الرغم من أن قيادات المؤتمر الوطني – وهو آخر إسم اختاره الأخوان المسلمون لتنظيمهم - قد مدّدت ‘الربيع العربي السوداني’ إلى ما قبل 1989 ليشمل ثورة اكتوبر وانتفاضة ابريل, إلا أن جوهر ما عنته هذه القيادات بالربيع العربي السوداني يكمن في الإشارة إلى النتائج التي تمخضت عنها ثورات الربيع العربي: فطالما أن نتيجة هذه الثورات هي وصول الأخوان المسلمين إلى السلطة في بلدانهم, فإن السودان قد سبق هذه البلدان جميعاً بصعود الأخوان المسلمين السودانيين إلى السلطة منذ عام 1989, وهي إشارة تهدف, كما تأمل هذه القيادات, إلى إسباغ شرعية جديدة على النظام السوداني, هي شرعية الربيع العربي هذه المرة.
بهذه المعطيات المشتركة تكتسب التجربة السودانية أهمية خاصة, وتصلح لأن تكون مرآة لاستكشاف المآلات المحتملة لثورات الربيع العربي, لأنها تجربة من لحم ودم, قادت دولة ومجتمع لما يقارب الربع قرن. كما أن الخصوصيات الأساسية التي تميز الواقع المجتمعي السوداني و في مقدمتها ’الوضعية الهامشية المركبة’ للسودان , وشدة تنوعه الثقافي والعرقي و الديني واللغوي, تجعل التحديات المطروحة أمام البرامج السياسية الوطنية للأحزاب والجماعات السياسية السودانية, ومن بينها برنامج الأخوان المسلمين, تتعدى قضايا النظم السياسية, أو احتمالات عدم الإستقرار المزمنة, أو حتى قضايا التخلف التنموي والتبعية, إلى ما هو أعقد من ذلك وأخطر, مما يتعلق بالتفكك الاجتماعي والجغرافي للبلاد. مما يجعل نتائج مثل هذه البرامج واضحة جلية لا تخفيها عوامل أخرى كما يمكن أن يحدث في المراكز.
وقد كانت تلك هي التحديات التي واجهت ’المشروع الحضاري‘, وهو الاسم الذي أطلقه الأخوان المسلمون السودانيون على برنامجهم السياسي الاجتماعي لحكم السودان, ومواجهة تلك التحديات. فقد قام هذا البرنامج السياسي الاجتماعي, والذي أصبح هو الأساس لكل سياسات وبرامج الدولة,على ثلاثة أعمدة ’إيمانية‘ أساسية (تعرف بالثوابت في أدبيات الإسلاميين ), هي:
1- أن الواجب الديني الأول لكل مسلم يفرض عليه الإحتكام للإسلام في كل مناحي حياته, بما في ذلك إقامة الدولة الإسلامية, وفقاً لمفهوم يُعرِّف الإسلام على أنه "الأحكام المنزلة من الله سبحانه وتعالى علي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, والتي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة, وهذه الأحكام لا يطرأ عليها تغيير أو تبديل.. ومفاد كونها منزلة أنها وردت على البشر ومجتمعاتهم من خارج التاريخ, ونصوصها ليست تاريخية" .
2- أن إقامة الدولة الإسلامية يكون بتطبيق نصوص الشريعة, إذ إن تطبيقها لازم حتى يتحقق للمسلمين استقلالهم, ويعودوا لسابق أمجادهم, لأن الإمتناع عن تطبيق الشريعة, وهو ما فرضه الإستعمار على المسلمين لتغريبهم عن معتقداتهم, هو الذي أدى لتخلف السودان, كما وأن تطبيق الشريعة سيفتح على البلاد بركات من السماء والأرض ثواباً ومكافأة .
3- أن منهج تطبيق الشريعة يقوم على ’الإستنساخ‘, فطالما أن المشروع الإسلامي السوداني هو "انبعاث حضاري" للمشروع الإسلامي الأول, بحسب تعبير أحد منظري المشروع , فإن كل المطلوب هو "استنساخ" البناء التشريعي للمشروع الأصل في المشروع المقِلد , بما في ذلك اجتهادات الفقهاء التابعين, للوصول للنموذج الإسلامي الكامل.
عند التطبيق أومحاولة ’تنزيل‘ هذه المبادئ كموجهات أساسية لبرامج وسياسات الدولة طوال أكثر من عقدين, تكشفت لها سبعة أبعاد غاية في الخطورة:
أولاً: أن التراث الفقهي والتشريعي الإسلامي لا يغطي الجزء الأعظم من مسائل وقضايا المجتمع والدولة الحديثة, وهو ما اعترف به د. حسن الترابي في زيارة له إلى لندن في أوائل تسعينات القرن الماضي, حيث ذكر أن الاجابات التي يقدمها الفقه الإسلامي لا تخاطب أكثر من 25% من مشاكل الدولة السودانية المعاصرة .
ثانياً: أنه حتى هذه الحلول القليلة المطروحة لمشكلات السياسة والمجتمع المأخوذة من الشريعة وفقاً لهذه المبادئ الاساسية الثلاثة, إنما هي إجابات الماضي(القرن السابع) لهذه المشاكل. إذ تقدم هذه الاحكام اجابات تاريخية على أسئلة تاريخية طُرحت بلسان الحال أو المقال في العهد الإسلامي الأول, ولا تأخذ في الاعتبار بالتالي التطورات التي طرأت على المجتمعات منذ ذلك الوقت.
ثالثاً: أن بعضاً من الأحكام المطروحة (مثل الحدود وأحكام القوامة وأهل الذمة. ..الخ), تتعارض بنيوياً مع حقوق الإنسان كما عرفتها المواثيق والعهود والتجارب الدولية.
رابعاً: قادت الطبيعة السلفية للمشروع وأعتماد منهج الاستنساخ التشريعي إلى ’استدعاء‘ قضايا وأوليات المجتمع الإسلامي الأول, وخلقت بذلك إطاراً سياسياً واجتماعياً لا يعكس الواقع, وإنما تصورات ذهنية لهذا الواقع وأدى ذلك إلى تشويه للأولويات السياسية والاجتماعية, انتهى إلى إثارة أوتضخيم مشاكل ليس لها هذا الحجم إلا في التصور, بينما تًركت مشاكل أخرى حقيقية لأنها خارج التصور. فتم التركيز, مثلاً, على قضايا عفة النساء, برغم أن المجتمع السوداني ككل مجتمع محافظ, بينما لا نجد إلا اهتماما وجهداً قليلاً في تناول قضايا محاربة الفقر والتصحر وتحقيق التنمية.
خامساً: أطلقت عملية ’الإستدعاء‘ المذكورة في رابعاً, ومن خلال ما عُرف بـ’أسلمة‘ التعليم والاعلام وأجهزة تطبيق القانون ’دينامية تسابق استنساخي سلفي‘ على مفردات ومفاهيم وممارسات مجتمع ماضي, مما أوجد بيئة ثقافية اجتماعية مفرِّخة للتطرف. وتحول التنافس السياسي بين الجماعات المختلفة إلى مزايدات أدواتها ’الحجة‘ الدينية. وأفرزت هذه البيئة جماعات سياسية جديدة تدعي امتلاك صحيح الإسلام شغلت الفضاء الأهلي, وشكلت بفتاويها حكومة مكملة للحكومة الرسمية, ولكن أيضاً أداة ضغط عليها في إطار المزايدات السياسية.
سادساً: أيضاً بسبب الطبيعة السلفية لـ’المشروع الحضاري‘ للإسلاميين السودانيين فقد تفشت وسادت حالة من الركود والتراجع الاجتماعي والثقافي والفكري, وذلك لغياب ’قوة الدفع المحفزة للتقدم والنهضة‘ في النظام المعرفي السلفي. كما أن أداته للتعامل مع مستجدات العصر, وهي ’القياس‘ تكرس للتبعية الحضارية والجمود. لأن القياس لا يشتغل إلا بأثر رجعي, ينتظر النوازل, والمحدثات, واختراعات الآخرين ليلحقها, بأشباهها. ومن ثمّ صارت الفتوى وسيلة للحفاظ على المصالح الاقتصادية للحاكمين بـ" تمرير وتسويق المفاهيم الرأسمالية" المتوحشة, وسد "المنافذ [أمام] أي محاولة جادة لبلورة مذهب إسلامي أصيل في التنمية الاقتصادية" , من جانب, ولحراسة رأس المال الرمزي السلفي حبيس الماضي من جانب آخر.
سابعاً: أفرزت الفجوة بين التصور الذهني السلفي للواقع وبين الإطار المعاصر لحياة السودانيين, ما يمكن تسميته بظاهرة ’التشريع الورقي‘. إذ إن لكل من التصور الذهني والإطار المعاصر مرجعيته القانونية المختلفة: فشكلت - بصورة نسبية عامة - تداعيات العولمة, والإرث الديمقراطي السابق, والعهود الدولية لحقوق الإنسان, والاتفاقات التي وُقعت مع مجموعات سودانية ثائرة مرجعية الإطار المعاصر للسودانيين, بينما شكلت أصول الأحكام والتراث الفقهي السني مرجعية التصورالذهني السلفي. ولا يخفى على أحد ما بين هذين من تعارض. ولأسباب تتعلق بصورة النظام في الخارج, أو لألتزاماته التعاقدية في الداخل تضمن دستور 2005, بعد اتفاق السلام, وإلى حد ما دستور 1998المرجعية القانونية المعاصرة, بينما تبنت القوانين ما دون ذلك المرجعية السلفية (قانون المصارف, القانون الجنائي, قوانين النظام العام, قانون الأحوال الشخصية..الخ ). ونتيجة لميل ميزان القوى السياسي لصالح العقل الفقهي فقد تم رهن بنود الدستور لنصوص القانون من خلال عبارات مثل (.. وفقاً للقانون), فأصبحت كثير من مواد الدستور, بما في ذلك وثيقة جيدة للحقوق, مجرد حبر على ورق.
وكما سبقت الإشارة فقد كان التحدي الأهم أمام الإسلاميين السودانيين هو إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني واللغوي. إذ تجمع الدراسات السودانية, سواء تمت على يد السودانيين أنفسهم, أو لمهتمين بالشأن السوداني من غيرهم, تجمع على أن إدارة التنوع في السودان تمثل التحدي الاكبر أمام كل برنامج وطني يتصدى لمهام الحكم في السودان .
غير أن الفكر السلفي الذي يستند عليه ’المشروع الحضاري‘ للإخوان المسلمين , لا يعرف ولا يعترف بالتنوع الثقافي أو الديني أوغيره. يقول سيد قطب عن الأمة إنها "المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة, وهي جنسيتها, وإلا فلا أمة .. والأرض والجنس, واللغة والنسب, والمصالح المادية القريبة, لا تكفي واحدة منها ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة" . في هذا السياق يقوم التعامل مع غير المسلمين على قواعد ’فقه الذمة‘ و ‘الولاء والبراء‘ والجهاد, وقد شكلت هذه القواعد المرجعية المسكوت عنها للدولة السودانية في هذا المجال.
فحتى وصول الإسلاميين للسلطة كانت الدولة السودانية قد حافظت بصورة عامة على طابعها المدني, بما في ذلك إبان الحكومات العسكرية. فأدارت القوات المسلحة السودانية الحرب الاهلية في الجنوب, بما في ذلك حملات التوجيه المعنوي والتعبئة السياسية المصاحبة للمجهود العسكري وفق عقيدة عسكرية قائمة على المواطنة والقانون (بصورة عامة أيضاً لا تنفي حدوث تجاوزات). بمعنى أنها كانت تقاتل دفاعاً عن السيادة والدستور والقانون, ولحماية المواطنين الملتزمين بها من مجموعة أخرى منظمة خرجت على القانون والدستور, بغض النظر عن دين وعرق وثقافة أي من المجموعتين. لذلك يقاتل في صفوف القوات المسلحة, جنود يمثلون كل ألوان الطيف العقدي والثقافي والعرقي والجهوي السوداني . في المقابل لم تكن المجموعات المتمردة, ومهما بلغت درجة عنفها, تطمح – في النهاية – إلى أكثر من المساواة, والمشاركة, والكرامة الإنسانية, والإحترام, وتحقيق الذات الثقافية – أي حقوق المواطنة - داخل الدولة السودانية.
غير أن قدوم ‘ثورة الإنقاذ‘ وإعلان تطبيق الشريعة في الأول من يناير 1991, قضى على هذه الطموحات, فالشريعة لا تسند إنشاء الحقوق والواجبات على أساس المواطنة, بل على أساس العقيدة. إذ تستبطن الصيغة السنية من الإسلام في السودان التراتبية الفقهية التي يقف على قمتها المسلمون الذكور من ‘أصول قرشيةُ‘ (ويدعي كثيرون في السودان هذا النسب), ثم الذكور من ‘ذوي الأصول العربية‘, فالمسلمون من غير العرب, فالنساء المسلمات, فأهل الذمة, ويأتي في آخر هذه القائمة ‘الوثنيون‘ من أصحاب الديانات الإحيائية الأفريقية الذين ينتمي إليهم غالب أهل الجنوب. وهي تراتبية تنسف وتلغي حقوق المواطنة من الأساس (الدستور الإسلامي المقترح حالياً لحقبة ما بعد انفصال الجنوب لأ يسمح بترشح النساء وغير المسلمين لرئاسة الجمهورية ).
كذلك مثل إعلان الحرب الجهادية بعد أشهر قليلة من مجئ ’الانقاذ‘ نقلة نوعية خطيرة في التصدي العسكري للتمرد في جنوب السودان. إذ قامت قواعد الاشتباك في هذه الحرب الجهادية, على الدفاع عن ’العقيدة‘, وليس عن المواطنة, وتولت إدارة الحرب وجزءاً مقدراً من القتال "قوات الدفاع الشعبي" وهي مليشيلت تابعة للحزب الحاكم تضم فقط مسلمين يبغون نشر دين الله في الأرض, أو الذود عن عقيدتهم أمام مؤامرات يرون أنها تستهدف هذه العقيدة.
لذلك لم يمض وقت طويل على هذه التطورات حتى عبّرت الفصائل الجنوبية مجتمعة عن يأسها من الوصول إلى قواسم مشتركة مع الشمال, بتبنيها جميعاً لحق تقرير المصير لجنوب السودان وجبال النوبة والمناطق المهمشة الأخرى(واشنطن 1993). وكانت تلك هي المرة الأولى التي تعلن فيها الحركة الشعبية - فصيل الدكتور جون قرنق, عن رغبة في تقرير المصير, إذ لم ترد أي إشارة لهذه المسألة في اتفاقية الميرغني – قرنق 1988, التي لم يكن قد مضى زمن طويل على ابرامها, والتي عجلت الجبهة الإسلامية القومية بانقلابها لكي يستبق انعقاد المؤتمر الدستوري المقترح فيها.
وقد تضافرت العوامل والتصورات المذكورة أعلاه فأدت إلى انفصال جنوب السودان, وإشعال الحروب الأهلية في وقت لاحق في ولايات دارفور الكبرى , والنيل الأزرق, وجنوب كردفان, ولا زالت هذه الحروب مستعرة, وأودت بحياة مئات الألوف من السودانيين.
.كذلك برهنت تجربة الإسلامييين السودانيين في الحكم على أن نواقص الحرية والمعرفة وحقوق المرأة التي حددها "تقرير التنمية العربي الأول" لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي, في عام 2004, بأنها الأسباب الرئيسية للتخلف التنموي في العالم العربي, برهنت التجربة السودانية أنها نواقص بنيوية في مشروع الإسلاميين. فكما سبقت الإشارة يقوم هذا المشروع على قواعد سلفية وتشريع استنساخي يخلو – لأسباب تاريخية بديهية – من مفاهيم وأدوات الحرية كما نعرفها اليوم بوصفها "كامل محتوى منظومة حقوق الأنسان, أي الحريات المدنية والسياسية بالإضافة إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية", كما يُعرفها التقرير المذكور , وبالتالي فإن الحرية ليست أصلاً في هذه المشروع.
لذلك لم يقتصر الإستبداد على أشكاله السياسية المعروفة بل اتخذ طابعاً دينياً مقدساً, إذ تكاملت السلطة الرسمية مع الجماعات الأهلية السلفية, وتبادلا الأدوار في تقييد الحريات. فأصدرت السلطات عام 1998 دستورها الذي ينص على أن: ‘الحاكمية في الدولة لله خالق البشر ، والسيادة فيها لشعب السودان المستخلف، يمارسها عبادةً لله..‘ (المادة 4). وهي صيغة كرّست السلطة لمجموعة الأخوان المسلمين بوصفها المجموعة ’المستخلفة‘. كذلك أدخلت السلطات في القانون الجنائي – بالإضافة إلى الحدود, وهي عقوبات قاسية ولا إنسانية ومهينة وفقاً للاعلان العالمي لحقوق الإنسان - أدخلت مادة سُميت (الردة) تعاقب بالاعدام ’كل من يروج للخروج عن ملة الإسلام‘ . وقد تمّ تفعيل هذه المادة مؤخراً وحوكم بها العشرات من السودانيين, لأن تأولياتهم للإسلام لا تتفق مع التأويلات الرسمية. غير أن أقل ما فعلته هذه المادة هو أنها دفعت المفكرين والمثقفين والمعارضين نحو رقابة ذاتية مكبلة للفكر والقول.
وتكفلت الجماعات الأهلية السلفية المتحالفة مع السلطة بما لا تستطيع الجهات الرسمية المجاهرة به, فأ صدرت عبر السنوات, بمباركة السلطة وتأييدها, سلسلة متتالية من الفتاوى التكفيرية طالت معظم جوانب الحياة السياسية, ومعظم القيادات الحزبية, بمن فيهم الصادق المهدي, آخر رئيس وزراء منتخب, وحسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية بالسودان. كما أوقدت هذه الجماعات نيران الفتن الطائفية باعتدائها على الجماعات الدينية الصوفية وإحراقها للكنائس والإعتداء على العاملين بها. وقد كانت النتيجة هي تضافر العناصر الرسمية مع العناصر الأهلية لتضفي بيئة من الارهاب السياسي والثقافي والفكري والديني, هزت وأضعفت النسيج الاجتماعي, وسممت الحياة السياسية .
وأنطلاقاً من ذات الاعتبارات السلفية ترفض الحكومة السودانية التوقيع على الاتفاقية الدولية لإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). على العكس, فقد طورت السلطات منظومة النظام العام, وهي مجموعة من المواد القانونية مضمنة في قانون النظام العام لعام 1998, والقانون الجنائي لعام 1991, وشرطة النظام العام, ومحاكم النظام العام, , مصوبة بالتحديد على المرأة, باعتبارها مصدر خطر اجتماعي, وعنصراً مسبباً للمشاكل, فتعمل هذه المنظومة على تحديد حركتها ووجودها على المستويين العام والخاص, وإخضاعها لإجراءات عقابية صارمة ومهينة .
لقد كانت النتيجة الكلية لـ‘المشروع الحضاري‘ للإسلاميين السودانيين, بعد حوالي ربع قرن من بدايته, إنهيار الوحدة الوطنية بانفصال جنوب السودان, واشتعال الحروب الأهلية في أرجاء البلاد, وانبعاث العنصرية القبلية الشائهة, وتدمير القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية وعلى رأسها مشروع الجزيرة, أكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة في العالم, وسكك حديد السودان, وتدمير الخدمة العامة بعد أن أصبحت ’التقوى‘ والولاء للحركة الإسلامية هي معايير التوظيف. وقد انخفض سعر العملة من 12 جنيه سوداني للدولار عام 1989 إلى 6000 جنيه عند كتابة هذه الورقة, وبلغ الدين الخارجي 39 بليون دولار, وأحتل السودان المرتبة 177 في قائمة الدول الأكثر فساداً لعام 2011 من جملة 182 دولة, والمرتبة 169في قائمة التنمية البشرية, لعام 2011, وسيسجل الاقتصاد السوداني أكبر انكماش في العالم هذا العام 2012م ...
يقفز كثيرون الآن, حتى من بين واضعي المشروع الحضاري أو مناصريه, للتشكيك في أهلية الذين قاموا على أمره في السودان, يطعنون في أهليتهم الأخلاقية والفكرية أو في كفاءتهم المهنية لإدارة مثل هذا المشروع الرائد الطموح. ولكن الحقائق لا تسند هذا الزعم. فقد تمتع الأخوان المسلمون السودانيون, قيادات وقواعد, بمستويات عالية من التعليم والكفاءة, وتمتعوا كجماعة بكفاءة وقدرات تنظيمية كبيرة, هذا بالإضافة إلى الموارد المالية التي توفرت لهم من الثروات النفطية في الخليج. كما توفرت لمشروعهم الحضاري الدولة السودانية وأجهزتها, ودعم التنظيم العالمي للأخوان المسلمين.
لقد أكدت التجربةالسودانية عبر ربع قرن من الزمان أن مكونات الشريعة, بوصفها العنصر الرئيسي للمشروع الإسلامي غير صالحة ولا قابلة للتطبيق في المجتمعات المعاصرة, وأنه لا سبيل لكي يباشر الإسلام دوره في تحقيق التغيير الاجتماعي – وهو دور لايمكن أن يأتي من خارجه في المجتمعات الإسلامية – إلا بالاصلاح الديني. فيما عدا ذلك فإن الاصرار على تطبيق الشريعة باستعمال عنف الدولة, لا يولد إلا عنفاً مضاداً يهتك النسيج الاجتماعي للدولة, ويقود إلى تفكيكها, وهو ما حدث ويحدث الآن في السودان.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 883

خدمات المحتوى


شمس الدين الأمين ضوالبيت
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة